ثورة علم الوراثة وآفاقها


فؤاد خطيب



لا شك في أن التقدم العلمي التقني الجبار الحاصل في العقود الأخيرة القليلة فاق كل ما امتلكته واكتسبته البشرية منذ أن نزلت عن الشجر وأوجدت المجتمعات البشرية الأولى.
التقدم التقني الرهيب حاصل في كل شيء في الصناعة والزراعة والمواصلات وفي الحياة العادية التي تخص الانسان في جسده ودماغه وصحته. كشف الخارطة الوراثية للبشر قبل سنين قليلة أدى الى قفزة شاملة وغير عادية في فهمنا لأجسادنا وعقولنا التي تعمل بدقة مُتناهية الأمر الذي غير كثيرا في فَهمنا للصحة والمرض ومن ثم خلق طرقا جديدة للتشخيص والعلاج. كشف الخارطة الجينية أدى بطبيعة الحال الى اللعب في مكنوناتها وتغيير بعض خصائصها كما هو الأمر جاري على قدم وساق في الدول المتطورة علميًا الأمر الذي نراه واقعا في خلق نباتات وأنواع حيوانية داجنة معدلة وراثيا. الهدف المُعلن هو خلق وفرة من الغذاء للبشرية التي تثكاثر بسرعة رهيبة وبذات الوقت ربما خلق أبالسة من علماء وتقنيين مخفيين يعملون على صنع سوبرمان بشري حقيقي ومن ثم اسغلاله للقتل والنهب وابادة الشعوب الضعيفة وسرقة خيراتها وهي للأسف ما زالت أكثرية مُعذبة فعلا على طول العالم وعرضه.
علم الوراثة اليوم يتطور بسرعة هائلة. وهناك من يحاول ان يستغله للسيطرة على حيوات البشر لغرض الربح المادي للرأسمالية المُتوحشة والتي تزداد كل يوم تَوحشا بعد كشفت الخارطة البشرية وفتحتها على مصراعيها من أجل المصلحة المادية للأغنياء مالكي هذه التقنية وليس لصالح البشرية كما كان من المفروض به أن تكون.
نحن الأطباء نميل اليوم الى فهم جديد وفكر علمي جديد وهو أن معظم أمراض البشرية أساسها وراثي مُوثق بساعة الزمن البيولوجية التي تَحملها البشرية وهي التي تُحدد عملية الهدم والبناء على مستوى الخلية البشرية ومن ثم تحدد حالة الصحة وحالة المرض. طبعا آخذين بعين الاعتبار الظروف البيئية والاجتماعية والنفسية التي تساهم في ظهور حالة الصحة وحالة المرض. بتنا نعرف أمراضا جسدية ونفسية عديدة اساسها خلل جيني متوارث منذ تكون الخلية المُخصبة الأولى. على سبيل المثال لا الحصر الاكتئاب النفسي والسكري وأمرض القلب ومرض الزهايمر وغيرها التي تحصد كل عام حيوات ملايين البشر.
هذا الأمر يشير بوضوح أن صحتنا النفسية والجسدية وأسباب الصحة والمرض موجودة في كل خلية من خلايانا الحية. لهذه الثورة الوراثية دور هام في الطب البشري والحيواني بتنا نعيش بداياته الآن.
الطفرة الحاصلة في علم الوراثة أصبحت تؤثر على حياتنا البيولوجية والنفسية وأصبح لها دور حاسم في عملية التشخيص والعلاج. بعد سنوات أو عقود قليلة سنتمكن من خلال نقطة دم واحدة أن نُشخص المرض ومن ثم علاجه وراثيا طبعا هذا لا يشمل الحروب والحوادث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيروسات والبكتيريا الطبيعية والمكتسبة على أنواعها والتي ما زالت تحصد ايضا حيوات الملايين في افريفيا والدول الفقيرة في العالم. في العقود القريبة سيكون بامكان العلم إنتاج أعضاء بشرية بديلا لتلك التي تلفت بفضل علم الوراثة والطابعة ثلاثية الابعاد. مُعدل عمر البشر في الدول الغنية قد يطول الى 120 عاما وأكثر. اي ان الطب الذي نمارسه اليوم سيتغير في التشخيص والعلاج معا. المريض سيملك بطاقة طبية الكترونية فيها خارطته الوراثية والطبيب سيملك جهازا لمعالجة هذه البطاقة والمخزون الوراثي للمريض ومن ثم شل حركة أو ابادة الجين الوراثي الذي سبب المرض خلال دقائق أو بضع ساعات زمنية.
كل ما كتبناه هو الوجه الطيب للمعادلة الوراثية التي نحن بصددها. والوجه القبيح في عصر الامبريالية المعولمة الشرسة هو استنساخ جنود وعبيد يتمتعون بقوة عضلية فوق العادة ونفوس اجرامية تتوق للقتل والدمار والخراب وهذا ما نراه في الافلام الامريكية اليوم. في الجينات الوراثية يعيش جبرائيل مع عزرائيل في صراع تنافسي مُستميت أساسه عملية الهدم والبناء التي تدور رحاها منذ الولادة وحتى الموت.
البناء هنا معناه المجازي خلق بشر أصحاء ومن ثم خلق جنة الله على الأرض الموعودة والموصوفة في ديانات الشعوب وفي التراث الاجتماعي والفكري والفلسفي والوجودي الانساني بصورة عامة، منذ أن وجدت المجتمعات البشرية وتَحضرت حول الانهار العظيمة اساسا في الشرق حول دجلة والفرات والنيل والكنج وحوض الامازون. الهدم معناه تكريس الاستغلال والاستعباد للشعوب المغلوبة على امرها من قبل الدول الامبريالية المتطورة ومزيدا منه وخلق جهنم على الأرض كما يسعى الغرب الاستعماري في هذه اللحظات في دنيا العرب.
الأربعاء 6/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع