قصة:
الطوفان (10)


محمد نفاع


طبخة الصابون
خالتي ريحانة هي الوحيدة في الحارة التي تطبخ طبخة الصابون في برميل نُصّي، وتعرف كمية القطرونة لكل جرّة زيت، وبعد الغَلي تصب الصابون الطري في القالب، بعدها تقطّعه إلى فلقات مربعة، والباقي بَرْوة لغسل الايدين، وأُجرتها فلقة صابون او فلقتين، تحمل الواحدة لجن الغسيل وفلقة الصابون ومخباط الخشب وتذهب إلى البركة او وادي العسل او عيون النوم والجرون، تسخن الماء وتبدأ الغسيل وتخبطه بالمخباط حتى تصير رغوة الصابون بيضا وتنشره على السياج او على جباب السنديان لينشف



الكثير من الاسماء القديمة قلّ استعمالها اليوم، فهذه "ضباع" في حرب البسوس، لم اصطدم بواحدة اسمها ضباع، فكم بالحال أسماء مثل كلب وثعلب ويربوع.. لم أقرأ دراسة عن عدد القتلى في الحروب بين العرب والعرب منذ عهد جساس وكليب والزير وحتى اليوم، جاءت سعاد أخت التّبع حسان وسرّحت ناقتها مع ابل جساس، جاء كليب ورشقها فاستغاثت صاحبتها:
يا بِتْملّي فَرجي نجوم، يا بتحطّ الجِلد على الناقة وبتقوم، يا بتخلّي راس كليب في الدّم يْعوم، فعامت الرؤوس في الدماء، والعرب يحبّون الكرامة ويدافعون عنها، وماذا مع عمرو بن هندّ!!
- ناوليني ذاك الطبق يا ليلى!!
- لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها
- واذلاّه!!
وقتل ابن كلثوم ابن هند وقال:
بأنّا نوردُ الرايات بيضًا
    ونصدرهن حُمرًا قد روينا
إذا بلغَ الفطامَ لنا صبي
    تخرّ له الجبابر ساجدينا
الجبابرة لا تخرّ اليوم للعرب، ملوكهم خَرّوا ويخرّون للغرب، لأن اليد السفلى أفضل من العليا، ولا طوفان، حتى ولا فيَضان.
بعد أن يتم اللقاء بإذن الله سأتطرق اليه، وقد أُفصح عن الحرف الأول من اسمها، لكن لماذا هذا الغزل بالشفاه الرقيقة كالورق وشفة الفنجان:
بِسنان لولو وشفاف ارقّ من الورق
  وعيون سود وشعر دبسي معَلبَكي
مالها الشفاه الوافرة! شفّة غطا وشفّة وَطا!! تنطبق الشفاه على الشفاه أعذب وأروع وأمتع بكثير من تطابق المثلثات بإذن الله، سيكون في التطرق والسرد بعض الكذب، والكذب مِلح الرجال ولا خوف من أي طوفان، معشر النساء يكذبن أكثر في التطرق إلى أعمارهِن، ومن قلة الذوق أن تسأل واحدة عن عمرها، حتى وإن قالت خَتْيَرنا عليك أن تقول:
أعوذ بالله، استغفري ربِّك بعدك صبيّة، فتَنْبسِط وتسرَح غنمتها.
أنا لستُ متدينا والحمدلله وأعطي لنفسي الحق أن أنحرف عن الكلام المُنزَل: يا صاحب الخمسين ما قدّمت وما أخّرت؟ يا صاحب الستين قد دَنا حصادُك! يا صاحب السبعين هلمّ إلى الحساب!! فما بالكم بالذي قلّط السبعين من العمر!! ويتروى في تقديم الحساب!! وأنا لستُ اتكاليًا كذلك الأعرابي الكسلان المترنم على:
لعلّ الله أن يأتي بسلمى
  فيبطحُها ويُلقيني عليها
لنترك هذه السيرة الآن ولنا عودة، فالموسم موسم الزيتون، الزيتون السوري او الصوري، والنِّعم من الجهتين والسبعة انعام، وقد تكون الدولة العليّة منعت زراعته لهذا السبب، عدِّدوا أسماء المواقع في كل بلدة وبلدة، حتى المدمّرة منها في عين الزتون وبير زيت وجبّاثة الزيت، القطعة والرّيف والمساطِب، والبُرَك، ووادي الضحيّة، وخلة ذويقة ودرب المغار، ومغارة قافع، وعين الجاجِة وعَمّورِة، والبساتين، والخرايِب ورباع حلاوِه، وبركة الصّاعور، وشقيف بُزُكْرة، وعين ام قْطيش، لا يوجد موقع بلا اسم، وللزيتون أسماء: العمود، القُرقارة، التوم، والطابور، التّوم زيتونة من عِرْقين متجاورين، والطابور ثلاث شجرات، القاطعة ظَهْرا، النّصبات، الذكريّة.
كان على مجامع كل زيتونة حجر كَفْري من كفر كنا وكفر ياسيف وكفر سميع وكفر مندا وكفر عنان وكفر برعم لأن الحجارة الكفرية مباركة، والزيتونة تُعمِّر وتحمل كل سنة، خالتي ميّاسة تمزح مع سيدي فندي وتنقل الحجارة الكَفرية إلى زتونها، ويعود سيدي فندي ويرجعها، كل سنة على هَلْمِنْوال.
الحوّاط كان يكسر الشقاشيق لكل واحد يبدأ بفرط الزيتون قبل نُصّ كانون الأول، حتى يشبع الزيتون مَيّ وتصير طعمة الزيت أطيب ويقطع اكثر، كل مِدّ زيتون مْشتّى يقطع رطل ونص.
كنا نجول أول جولة لزيت القحْقيح وعمل الصابون، في تلك الأيام لم نعرف صابون "هَواي ونيغا شيبع ولا كْريمات اليّدْحِن والعَنوغا"، خالتي ريحانة هي الوحيدة في الحارة التي تطبخ طبخة الصابون في برميل نُصّي، وتعرف كمية القطرونة لكل جرّة زيت، وبعد الغَلي تصب الصابون الطري في القالب، بعدها تقطّعه إلى فلقات مربعة، والباقي بَرْوة لغسل الايدين، وأُجرتها فلقة صابون او فلقتين، تحمل الواحدة لجن الغسيل وفلقة الصابون ومخباط الخشب وتذهب إلى البركة او وادي العسل او عيون النوم والجرون، تسخن الماء وتبدأ الغسيل وتخبطه بالمخباط حتى تصير رغوة الصابون بيضا وتنشره على السياج او على جباب السنديان لينشف، والواحدة تعاير الأخرى:
مثل غسيل شُرْشُرْ، بِل وانْشُرْ.
الجولة الثانية تُخلط مع الزيتون الحي لزيت المونِه، يومها لم تكن هنالك اغنية:
فطّوم فطوم فطومِه
  خبّيني بزيت المونِه
وزيت المونِه في الخوابي لا يتخبأ فيها احد، على بابها الغَرْفِه والجنطاس ووقيّة الزيت:
وحِنا حلفنا الليلة
  ما نوكل الا زيت
يا فرحتَك يا قْليبي
  وصل الموسم عالبيت
كانت الزوادة من خبز الصاج واللبنة التشرينية ومعقّد العنب والقطين، والواحدة تجمع كم مِن قلب جرجير وشوية كرّاث وشومر وصيفي وقرصعنِّة، ما أطيب الخبز المغمّس في زيت وجرجير، الزيتون السوري يقول للمعصرة دوري دوري، والذّكَري يقول إكْري إكْري، والمليصي حيصي حيصي.
جول  الزيتون صعب، وهو من شُغل النساء، ومن الصعب على الواحدة ان تُقرْمِز كل النهار لأسباب معروفة، فإذا كانت الزيتونة ساطْحَة تقعد الواحدة وتظل تزحف ولا تقرمِز. القرمزة صعبة اليوم على النساء مع هذه العجيزات والهبَر والإليات الدسمة السمينة، لها حاجات أخرى. اليوم قَل جول الزيتون. على زماننا لم تكن هنالك مشّاقات ولا فرّاطات ولا فَلّ، كانت الشقشاقة والمفراط والعبّيّة، ذو الكرش وذات الكرش ايضا صعبة عليهم القرمزة.
تحت الزيتون اليوم ترى المعلبات الفارغة وقناني المشروب وفناجين الكرتون والنايلون وأكياس النايلون، وقشور الموز والبرتقال، ايام زمان كانت الزوادة مصرورة في مملوك عتيق او قطعة قماش قبل ان يصل الينا السّفرْطاس بصحونه المعلقة، ولا أعرف أصل الكلمة من سفَرطاس مثل سفَرْبَرْلك او سوبر طاس على غرار سوبر ماركت وأخواتها من عشيرة السوبر، لا اعتقد ان الأتراك سبقونا في الاختراعات.
بعد الحّلّة وشوط الحَلّة عندما يدبّ الحماس والنشاط نشتري نُص رطل فَجل من عين الأسد لعشاء المجدرة وزوادة ثاني يوم، كان الفجل طويلا طريا حراقا، فجل اليوم مدوّر وناشف وبعضه مكوّخ، كنا لا نرمي ضلوع الفجل وورقه: كول من الفجل ورقُه ومن الدجاج مَرَقُه، لا أقصد دجاج اليوم المجمّد الأبيض المُسَمّن المحقون بالكثير من الماء والدواء، بل الدّجاج البلدي، دجاج اليوم كله أبيض، الدجاج البلدي فيه الأسود والرزي والأحمر والأبيض السارِح في صحن الدار وعلى الدروب وفي الحواكير والبيادر والمزابل، وصفار بيضه أصفر عن حق وحقيق وليس باهتا وممتقِعا، كان علف الدجاج من قمح الردايِد والذرة البيضاء والشعير والزيوان، وبعد وجبة الطعام الذي نتناوله على طبق القش تقول امي: كشّوا الطبق للجاجات – هي تقول الجيجات – ويكون الهجوم الكاسِح على فتافيت الخبز وحبّات الطبيخ الواقعة على الطبق، كان الجاج السارح يؤاذي على حواكير البصل والثوم والملفوف والبطاطا فيُعاقَب بكسر الرِجل او هْواية قاتلة، لكن الواحدة كانت تجبّر رِجل الدجاجة المكسورة، تلفّ الكُسُر في عصبة قماش مربوطة على سلحة صفراء او بياض بيضة وتظل المسكينة تعرج وتقلج، والدجاج خبيث، يعتدي على بنت جنسه المريضة ويشبعها نقدا في رأسها وبطنها، والديوك تتقاتل وتلهث، ويتدمى عُرف الديك، وأية نظرات شرسة غاضبة بين المتقاتلين من الغيرة على الاناث قفزات ونطّات بعد التربص والتحماية، اما الدجاجات فلا يعبأن بذلك مع أنهن هُنّ السبب وأساس البَلا، كدأب الإناث عند كل المخلوقات. عندنا المرأة هي التي تغار على العموم تحقق أين كنت ولماذا تأخرت وتتطلع في سحنة الوجه وتراقب المزاج لماذا الواحد مبسوط او زعلان او حزنان وتعبان ومن وَرا لوَرا تُشَمشِم الملابس.
المشايخ حرموا واحدا من الدين وخرج من المعبد مبكرا، عدد من النساء رُحنَ يسألنه بخبث: ليه طالع من الصلاة!! فردّ كما يجب:
- إنتوا السبب يا ملعونات يا عاطلات، كلو مِنكو وبتسألوا ليش، حمير ابليس!!
(يتبع)

الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع