ماركس وروسيا، البحث عن ثورة (2)


هشام روحانا


**انعطافه أعوام 1858-1860: "تتقدم الحركة في روسيا بشكل أفضل من أي مكان آخر"


** حقوق الاقنان
يحلل ماركس فحوى العرض الذي قدمه القيصر لتحرير الاقنان الى جانب الوضع العام في روسيا. يعبر ماركس عن اندهاشه من أن القيصر الاوتوقراطي ألكسندر الثاني يتحدث عن حقوق الاقنان بوصفها "حقوق هي لهم بالفطرة"، أمر يقوم ماركس بمقارنته بإعلان "حقوق الانسان" عام 1789. وما سينجم عن اقتراحات القيصر "هو خسارات مادية حارقة للأرستقراطية" بالتوازي مع حقوق سيكتسبها الاقنان مثل امكانية مقاضاة النبلاء في المحاكم

بدأ ماركس يغير من توجهه في تناول روسيا عام 1856 في نفس الوقت الذي طرح فيه القيصر الجديد نيقولاي الثاني تحريرَ الاقنان للنقاش، وهو ايضا الوقت الذي كان المجتمع الروسي يرزح فيه تحت ثقل ألم فقدان اعداد عظيمة من الضحايا وخسارة مادية فادحة بسبب حرب القرم. في رسالة بتاريخ 29-04-1858يكتب ماركس لإنجلس: "الحركة من أجل تحرر الاقنان في روسيا تهزني بوصفها علامة هامة لبداية تطور داخلي قد يذهب بعيدا ليتعارض مع سياسة البلاد الخارجية التقليدية " (MECW 40, 310). هذه هي أول إشارة ذات أهمية لماركس حول أمكانية حدوث صراع طبقي أو ثوري داخلي في روسيا(5).
بعد شهرين من هذا ينشر ماركس رؤيته الجديدة حول روسيا على العلن. ففي مقالة بتاريخ 24-06-1858    ينشر في التريبيون مقالة تستعرض الاحداث الأوروبية ويشير الى امكانية حدوث "حرب الاقنان"، انتفاضه الاقنان في روسيا:

هنالك قوة عظيمة أخرى [الى جانب بريطانيا] والتي قبل عقد كبحت بصرامة التيار الثوري، نعني روسيا. وخلال هذه الفترة تراكمت المواد القابلة للاشتعال تحت قدميها، بحيث أن شرارة قوية تأتي من الغرب قد تشعل نارا فُجائية.  وعلامات حرب الاقنان واضحة للعيان في جميع انحاء روسيا، الى الحد الذي جعل حكام المقاطعات غير قادرين على تفسير هذا التخمر غير المرغوب به، الا باللجوء الى اتهام النمسا بإرسال جواسيس اشتراكيين وتصدير عقيدة ثورية الى جميع انحاء البلاد.  والآن تصوروا، النمسا، ليس فقط انه مشبوه بها، بل متهمة علنا بانها تتصرف كرسول الثورة (MECW 15, 568). 
يستمر ماركس جزئيا في موقفه السابق فيقرر بأن روسيا لا تستطيع انتاج ثورة بمواردها الداخلية وحدها، وهي بحاجة الى تأثير ثوري يأتي من الغرب (وليس الامبراطورية النمساوية) يدفعها بهذا الاتجاه. لهذا يلخص في نهاية المقالة "كل شيء...متوقف على فرنسا"(568) لكن وفي طرحه هذا لإمكانية حدوث ثورة في روسيا يحتفظ ماركس لنفسه بحق السبق المثير للدهشة.
يحلل ماركس الجدال الناشئ حول الغاء القنانة في روسيا في مقالة فيالتريبيون بتاريخ   19-10-1858 ويقدم ملاحظاته على موقف اقطاعي الاراضي غير المتحمس لعروض القيصر ألكسندر الثاني لإلغاء القنانة. ويُذّكر بأن إلغاء القنانة في روسيا حدث فقط خلال حروب نابليون ويكتب" وحتى عندها تمت تسوية القضية بتأجيلها الى عام 1848، وتستمر باقية وبصورة مختلفة كقضية يتوقف حلها على ثورة قادمة"(6).  ويُذّكر ايضا أنه وابان حكم القيصر ألكسندر الاول (1801-1825) ونيقولاي الاول (1825-1855) تم طرح قضية تحرير القنانة " ليس لدوافع انسانية، بل لأسباب تخص الدولة" ويلاحظ أيضا أن القيصر نيقولاي الاول اصيب بالذعر من الثورة في أوروبا خلال 1848-1849 الى الحد الذي جعله " يتراجع عن مخططه الاسبق بالتحرير وصار خبيرا قلقا في توجهاته المحافظة" (MECW 16, 52). وبحلول خمسينيات القرن التاسع عشر المتأخرة واجه القيصر ألكسندر الثاني وضعا مختلفا تماما:
مع القيصر ألكسندر الثاني لم تعد مسألة ايقاظ العناصر النائمة مسألة خيار. فآثار الحرب التي ورثها عن والده جعلت عامة الشعب الروسي يرزح تحت ثقل تضحيات باهظة... وقادت الحرب اضافة الى هذا الى الهزيمة والذل الذي يسكن مُقل الاقنان على الاقل، وهم من المفترض أن يكونوا غير خبيرين بأسرار الديبلوماسية.  وأن يبدأ القيصر حكمه الجديد وبالإضافة للهزيمة والذل، بنقض علني للوعود التي قُطِعت للريفيين ابان الحرب فإن هذا يشكل خطرا داهما حتى على قيصر يتمتع بقدر كبير من الجسارة (MECW 16, 52–53). وبينما لم يتجرأ النبلاء في هذا البلد الأوتوقراطي الصارم على عدم ابداء الحماسة فإن جماعات الفلاحين، التي غمرتها الافكار حول ما يتوقع أن يقوم به القيصر لأجلهم، صارت غير صبورة ازاء تلكئ اسيادها. والحرائق المتعمدة التي انتشرت في عدد من المقاطعات هي اشارات يجب الا يُساء فهمها. ومن المعروف ايضا أن اعمال شغب حصلت في روسيا الكبيرة وفي المقاطعات التي كانت تابعة لبولندا ايضا ورافقت اعمال الشغب هذه مشاهد مرعبة، وكانت نتيجة هذا أن النبلاء لجئوا من الريف الى المدن حيث يستطيعون وراء الجدران وبحماية السلطة فرض الطاعة على العبيد المتملقين. ونظرا لهذه الظروف وجد القيصر ألكسندر الثاني انه من الضروري الدعوة لعقد ما يشبه الاجتماع الاستشاري لوجهاء القوم. هل سيكون هذا الاجتماع نقطة انطلاق جديدة في تاريخ روسيا؟ وما الذي سيحصل فيما إذا أصر النبلاء على إطلاق حرياتهم السياسية كشرط تمهيدي لأي امتياز يحصل عليه القيصر بما يخص تحرير اقنانهم؟ (53)

يشير ماركس هنا الى ما لا يقل عن امكانية حدوث ازمة ثورية في روسيا ويعتمد في هذا التحليل على بعض العناصر المستجدة: (1) فقدان النظام لشرعيته جراء الحرب (2) الاضطراب المتصاعد من الاسفل (3) الانقسام الحاصل في الطبقة المسيطرة. وجميعها تستدعي الى الذاكرة عام 1789 [بدء الثورة الفرنسية]. في اسابيع خريف هذا العام يتبنى إنجلس متأخرا تركيز ماركس على التمرد في روسيا فيكتب لماركس رسالة بتاريخ 21-10-1858: " الاحداث في روسيا تسير بشكل جيد، هنالك الآن اضطرابات في الجنوب ايضا" (MECW 40, 349).
بعد هذا وفي مقال طويل نشر في التريبيون بتاريخ 17-01-1859   بعنوان قضية تحرير العبيد يحلل ماركس بتفصيل أكبر فحوى العرض الذي قدمه القيصر لتحرير الاقنان الى جانب الوضع العام في روسيا. يعبر ماركس عن اندهاشه من أن القيصر الاوتوقراطي ألكسندر الثاني يتحدث عن حقوق الاقنان بوصفها "حقوق هي لهم بالفطرة"، أمر يقوم ماركس بمقارنته بإعلان "حقوق الانسان" عام 1789 (MECW 16, 141). وما سينجم عن اقتراحات القيصر "هو خسارات مادية حارقة للأرستقراطية" بالتوازي مع حقوق سيكتسبها الاقنان مثل امكانية مقاضاة النبلاء في المحاكم (142). وكان رد فعل ملاكي الأراضي "التأجيل" أضافة الى "المطالبة ببرلمان للنبلاء" (144). ويشير ماركس الى الخميرة المثقفة في روسيا والتي اسست ما يزيد عن 100 صحيفة عام 1859. ثم يقوم ماركس بالتذكير بوعود تحرير الاقنان التي خانها القياصرة السابقون وخاصة القيصر نيقولاي الاول بعد 1848.
وعلى الرغم من أن ألكسندر الثاني " مجبرٌ الآن على التقدم بجدية" في تحرير الاقنان، الا أن ماركس يتساءل كيف سيكون رد فعل الاقنان الذين سيكونون عرضة لفترة "مراقبة صارمة تمتد اثنا عشرة عاما " من العمل غير مدفوع الأجر، اضافة الى عدم الوضوح في تفصيل الشكل الذي سيتخذه تحررهم القادم (MECW 16, 146). ويشير ماركس ايضا الى اجزاء غير واضحة في الخطة لتشكيل "حكومة الكومونات " والتي تقلل من أهمية التشكيلة الاجتماعية التشاركية (bshchinaأو mir) وهي الشكل التقليدي الخاص بالكومونة الفلاحية الروسية:
ما الذي سيكون في جعبتهم ليقولوه حول تنظيم حكومة التشكيلات الاجتماعية التشاركية، وحول الشرطة وجهاز القضاء اللذان سيصادران كل حقوقهم في الادارة الذاتية الديمقراطية القائمة منذ القدم في مجتمع القرية الروسية، وحول نظام لحكومة بطريركية تتولاهم وتوضع تحت سيطرة أسياد الارض، والتي ستكون على شاكلة النمط النمساوي للتشريع في الارياف لعام 1808 و1809؟ - وهو نظام كريه تماما على الفلاح الروسي الذي كانت الجمعية القروية تدير شؤونه طوال حياته، وهو الذي لا يفقه شيئا عن الملكية الخاصة للأراضي ويعتبر الجمعية هي صاحبة المُلك على الارض التي يعيش عليها. (147) 
يلاحظ ماركس ايضا بأنه" ومنذ العام 1842 تزايدت حوادث العصيان ضد الاقطاعيين وممثليهم فوصلت الى حد الوباء" وبانها تزايدت بعد حرب القرم الى "حد هائل" (147). وهذه هي المرة الاولى التي يشير فيها ماركس الى تمرد الفلاحين في اربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، حيث انه لم يشر اليها في نصوص سابقه له مثل "التاريخ الديبلوماسي السري". عندها كان يرى بأن روسيا منيعة امام الصراع الطبقي. والاكثر اهمية هي ان هذه الفقرة تشير لأول مرة الى التشكيلة الاجتماعية التشاركية الفلاحية الروسية (mir) ليس بوصفها دعامة الاستبداد الروسي بل كموقع ممكن للمقاومة.
ويكتب ماركس بأن القيصر يتأرجح بتأثير الضغوط التي يتعرض لها من قبل الفلاحين من جهة والاقطاعيين من جهة. لكن الاقنان "اللذين وصلت توقعاتهم اعالي القمم" فإنهم على الاغلب سوف ينتفضون.  يشابه ماركس هذه الفترة التي تمر على روسيا بالفترة الاكثر جذرية إبان الثورة الفرنسية فيكتب أنه في حال انتفض الاقنان " فإن الروس سيكونون قد دخلوا عام 1793 (*) وارهاب الاقنان انصاف الأسيويين لن يكون له شبيه في التاريخ، لكنها ستكون نقطة الانعطاف الثانية في التاريخ الروسي وستؤسس حداثة عامة حقيقية عوض عن الدجل والتظاهر الذي يعرضه  بطرس الأكبر (MECW 16, 147).  يرى ماركس إذا أن مسيرة روسيا الى الحضارة تمر فقط من خلال الثورة، وليس من خلال ما يفرضه بطرس الأكبر من تحديث خاضع للاستبداد.
وبعد عام، يذهب ماركس أبعد من هذا ويقرر في رسالة له لإنجلس بتاريخ   19-12-1859 بأن الاضطراب في روسيا "يشكل توازنا مضادا" للقوة المتراكمة في يد القيصر منذ 1848:
تتقدم الحركة في روسيا بشكل أفضل من تقدمها في أي مكان آخر في أوروبا. لدينا من جهة النزعة الدستورية للأرستقراطية والموجهة ضد القيصر ومن جهة أخرى هنالك الفلاحون ضد الارستقراطية.  وقد بدأ
ألكسندر يرتعب خوفا بعد ان تحقق بأن لدى البولنديين الرغبة في أن لا يكونوا آخر من ينسحب من القومية السلاف-روسية.  وهكذا فقد تم احداث
توازن مضاد لنجاحات الديبلوماسية الروسية في الاعوام الاخيرة وخصوصا منذ 1849. ومع بدء الثورة التالية ستنضم اليها روسيا بكل سرور. (MECW 40, 552)
لا يعني هذا أن ماركس قد خفف حذره من الحكومة الروسية الحالية بوصفها القوة الاكثر رجعية في السياسة العالمية. ويظهر هذا في نصه النقدي الطويل هير فوغوت المنشور عام 1860. وفي حوالي عشرين صفحة يكتب بأن القيصر ألكسندر قد يلجأ الى "حروب الغزو" بوصفه " الوسيلة الوحيدة لأرجاء الثورة الداخلية" (MECW 17, 141). ويستخلص بأن روسيا تقف على الحدود مع ألمانيا مُهدِدة ومستعدة للانقضاض لإخماد أي انتفاضة ثورية جدية في الغرب. (يتبع)

الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع