سفر برلك (3)


د. خالد تركي


**نشيد العسكر
عاد هاربًا من بيت فاطمة خانم وملجئها، إلى المعسكر، ودخل غرفة رئيس الدَّرك بعد أن سمح له بالدُّخول بقوله: خوشِّي غالدي، أي أدخُل، فأجابه يوسف داخِلاً: صفا بُولْدِي، فدخلَ. استجوبه عمَّا حدث، لقد كان عليه ان يُطيع اوامر الضَّابط طاعةً عمياء.وسُمح له بدخول ساحة المعسكر ووجد جنود فرقته يتعلَّمون نشيد العسكر التي تدلُّ كلماته على وجوب طرد المحتلِّ من دياره وأنَّ الاحتلال إلى زوال، آفلٌ لا محال، ونصر الضُّعفاء أكيد...


من يستطيع الوقوف ضدَّ الإرادة الإلهيَّة والذَّات الشَّاهانيَّة! ومن يمكنه رفض أوامره! وهو خليفة النَّبيِّ محمَّد (ص) وأمير المؤمنين وظِلُّ الله على الأرض؟ لا أحد.. 
لَبِسَ يوسف زيَّه الرَّسميَّ وباشر بالتَّدريبِ والتَّعرُّف على مدينة استامبول وبحرها ومضائقها وحاراتها وأزقَّتها، وشمس مغيبها على البوسفور، عند قرن الذَّهب، وقصورها وقد ترك قصر يلدز (وكلمة يلدز تعني نجم او كوكب)، أشهر قصورها، ذكريات في قلبه لا تُنسى، فلا  ينقص القصرَ شيء من جمال وروعة وفنِّ بناء، هندسيٍّ ومعماريٍّ، وترتيب الحدائق والبُحيرات ومقابل هذا الجمال والبهاء الخارجيِّ كان معروفًا بقصر الظُّلم والطُّغيان وبيت الطَّاغوت ومدفن الأحرار والثُّوَّار.
"من برَّا رخام ومن جوَّا سخام"..
ذات يوم، بينما كان يوسف يبيع الكستناء الطَّازجة والمشويَّة، في ساعات عطلته من العسكريَّة لكفاف يومه، على قارعة الطَّريق بجانب أحدى الحوانيت وإذ بسيِّدة تطلب منه بعضًا من الكستناء، أكلت ما تسنَّى لها، وما اشتهت نفسُها،وحين فتَّشت في محفظتها عن نقود، لتدفع له، فلم تجد غِرشًا واحدًا، فاعطته طفلها، ريثما تُحضر له النُّقود، وتستطيع دفع ثمن الكستناء، وتذهب من بعدها لشراء بعض حاجيَّاتها وحاجِيَّات طفلها من البقَّالة المجاورة، فأخذ طفلها منتظرًا عودتها. وحين طال انتظاره "زَيِّ اللي بستنَّا بعقلاتو" ولم تعد السَّيِّدة لأخذِ طفلها الرَّضيع، أصابت يوسف حيرة مُحْرجة لا مخرج منها وأسئلة لا أجوبة عليها، "ولعب الفار في عبُّو" أين يضع يوسفُ، وهو في بلاد الغربة، الطِّفلَ؟ كيف يُطعِمُهُ إن أخذه؟ فهو بالكاد يُطْعِم نفسه،حيث كانت ماهيَّته العسكريَّة لا تتجاوز الخمسة غروش صاغ، ولا تكفيه لكفاف نصف يومه. ماذا تفعل الخمسة غروش للجندي؟ أهل تكفيه "لتُتُنه" أم لحمَّامه أم لحلاقة ذقنه أم لمصروفه اليَوميِّ؟.."إنَّ هذا هو الظُّلم بعينه. فتبًّا لحكومة تبخِّسُ بحقوق جنودها" (9)،وإن قرَّر أخذه، فهو في بلاد لا يعرف فيها أحدًا غير معسكره وضابطه، وهو لا يعرف مسكنًا ولا ملجأً ولا جارًا ولا مُجيرًا سوى فكرة ساورته، أن يضع الطِّفلَ عند باب أقرب جامع يجده في طريقه، ويتركه هُناك ليمضي إلى حال سبيله.
ذهب إلى الجامع المُجاور ووضع الرَّضيع عند مدخله وهَمَّ بمغادرة المكان وشعَرَ بارتياح، أثلجَ صدره وما في قفصه، شعورٌ بالسَّكينة والطَّمأنينةزغردَت له أضلعه، حيث لم يحظَ بهذا الاحساس منذ أن غادر بلده، وحين همَّ بالخروج من باب الفرَجِ وإذ بإمام المسجد يقطع ارتياحه وراحته ونفَسَه،بعد أن أمسك بيوسف متلبِّسًا بالتُّهمة قائلاً:
آه! يا بزَوَنك دينْسِز كاوِر (المعرَّس\المعرَّص الذي لا دين له، زنديق وكافر)! هو أنت الذي يأتينا كلَّ يومٍ بطفلٍ وتضعه قرب باب الجامع، لقد "قفشناك"، "أدبسيز أخلاق يوك" (بدون أدب وبدون أخلاق)، "نَيدَن بو" لماذا تضع الأطفال هنا كلَّ يوم، فقال له يوسف بعد ان استعاذ ﴿..بربِّ النَّاس﴾ أن يحميه من الشَّرِّ ﴿..في صدور النَّاس﴾ الذي يُدخله ذلك اللعين ﴿..الخنَّاس﴾، فعسى بذكر ربِّ النَّاس يختفي شرُّ النَّاس ويغيب الشَّرُّ عنه..
شعر يوسف بخفقانٍ مُريبٍ في صدره كاد يُطيِّر قلبه من سجنه، حيث ركَّب الخوفُ لقلبه اجنحةً ليطير به إلى حرِّيَّته، لكنَّ الدَّماحتقن في عروقه وتجمَّدت أجنحة قلبه في قفصه، وغسل العرقُ جلدَه،وبدأ يطلبُ رحمةَ الرَّحمن، علَّ الرَّحيم يرحمه من ظلم عسكر آل عثمان وهو يقول لهم "يواش يواش" على هونكم يا جماعة، بعد أنْ صاح الإمام مُناديًا المُصلِّين،ويستنفرهم "هادي بَكَالِم يا روم، هادي بَكَالِم"، هيَّا يا جماعة لِنرى، ليُمسِكوا بيوسف ريثما يُحْضِرُ له الضَّابطَ العسكريَّ ليتدبَّر أمر ذلك الذي أصبح يُشكِّل مصدر إزعاج يوميٍّ بوضعه طفلاً كلَّ يوم. فقد أتوا بالطِّفل الذي تُرِك قبل يوم وحمَّلوه ليوسف وهكذا حمل الطِّفليْن معًا، وحمَّلوه مسؤوليَّتهما. "فالمصيبة وَاحِدَةٌ فإذا جزع صاحِبُها صارت اثنتين" فكم بالحريِّ مصيبتان وخوف وهلع وجزع من كلِّ مصيبة!
أيصبرُ على المصيبةِ ويكسب أجرًا عند الرَّحمن، وتسعمائة درجة عند الرَّحيم..
استُر يا ساتر واستُر يا ستَّار على عبدك يوسف..
فبعد أنْ كان يوسف المسكين في مشكلةٍ واحدةٍ أصبح يحمل مُشكِلتين. وعندما حضر الضَّابط، قصَّعليه يوسف روايته فطلب منه أنْ يودع الوديعتين، الرَّضيعين، في ملجأ فاطمة خانم الواقع في حيِّ القصبة في مركز المدينة. فذهب إلى هناك ووضَعَ الطِّفلين في الملجأ وعندما همَّ بالخروج، صادف يوسفُ زوجَ فاطمة خانم يدخل البيت فصرخت بأعلى صوتها لسببٍ لم يعرفه يوسف: آه كودجا! آه زوجي! وإذ بباب الخزانة والسَّبَتِ والحمَّام يُفتح ومن كلِّ باب يخرج عشيقٌ،فتعجَّبَ زوجُها ويوسفُ من رؤية هذا المنظر حيث سارعت للقاء زوجها لتعانقه وتُسمِّي عليه بأسماء الله الحُسنى جميعها كي تَطرُدَ الشَّيْطان من قلبه وعقله وفكره ويُكذِّب حقيقةَ ما رأى، وبذلك تكون زوجته "العفيفة" صادقة وأنَّ ما رآه حقيقةً، يكون قد شُبِّه له، وتكون قد قطعت شكَّه، رؤيته، بيقينها، بحيلتها، وحينها يتحمَّل الزَّوج إثمَ بعض الظَّنِّ. وهكذا تكون فاطمة، الحاضِنة و"الحاضِنة"، فاطمة "فاهنشي"(الزَّانية(، فاطمة الجميلة تشو غوزال، قد درأَت الحدودَ بالشُّبُهات.
عاد يوسف، وفي ذهنه يجول حديث الإمام عليٍّ بن ابي طالب (كرَّم الله وجهه) حين قال:"كمُطعمة الزُّهَّاد من كدِّ فرْجهالَكِ الوَيْلُ،لا تَزْنِي، ولا تَتَصَدَّقي"، عاد هاربًا من بيت فاطمة خانم وملجئها، إلى المعسكر، ودخل غرفة رئيس الدَّرك بعد أن سمح له بالدُّخول بقوله: خوشِّي غالدي، أي أدخُل، فأجابه يوسف داخِلاً: صفا بُولْدِي، فدخلَ. استجوبه عمَّا حدث، لقد كان عليه ان يُطيع اوامر الضَّابط طاعةً عمياء.وسُمح له بدخول ساحة المعسكر ووجد جنود فرقته يتعلَّمون نشيد العسكر التي تدلُّ كلماته على وجوب طرد المحتلِّ من دياره وأنَّ الاحتلال إلى زوال، آفلٌ لا محال، ونصر الضُّعفاء أكيد..
حدث مرَّةً أن رأى جنديًّا يُجلَد تارةً على ظهره السَّافر وأخرى فلقةً على قدميه الحافيتين، لعدم تنفيذه امرًا عسكريًّا!
كيف يُنفِّذ أوامرهم في أمر غير مقتنع به! مُكرهٌ أخاك لا بطل!
وكأنَّ جنود آل عثمان الذين احتلُّوا بلادنا موجودون في بلادهم، "راكبين ع ظهورنا ومادِّين اجريهم"..
لقد علَّموهم عن ظهر قلب النَّشيد العسكريَّ:
أسكر أسكر أسكر لك(التَّطوُّع للجيش)
سفر بر لك ديبرلك
جناق قلعة إيتشريدا (داخل منطقة تشانكالي)
دوشمان الدِك (حاصرنا العَدُوَّ في قلعة تشنال). 
وتشانكالي هي مدينة تقع غرب استامبول، شبه جزيرة غاليبولي، حيث حدثت فيها معركة بين التَّحالف الثُّلاثيِّ (دول المركز)،العثمانيِّين والألمان وإيطاليا والامبراطوريَّة النمساويَّة الهنغاريَّة من جهة وقوَّات الحلفاء(الوفاق الثُّلاثي) بين روسيا القيصريَّة وانجلترا وفرنسا، حيث كان النَّصر فيها للعثمانيِّين الذين كانوا قد خسروا جميع معاركهم في ذلك الوقت، من العام الف تسعمائة وخمسة عشر، ممَّا عزَّز ورفع من معنويَّات الاتراك، لكنَّها كانت آخر معركة ينتصر فيها آل عثمان، فبعد سقوط المانيا ودخول الولايات المتَّحدة الأمريكية مع انكلترا وفرنسا،سقط جميع حلفائها، منها الإنسان المريض العثماني، لكنَّ اهميَّة المعركة هو أن تَكسِب روسيا القيصريَّة منفذًا بحريًّا يُطِلُّ على البحر الأبيض المتوسط،"لتكون لها مياهًا دافئة" ويُذكر انَّ وينستون تشرتشيل كان قائد البحريَّة الانجليزيَّة بينما كان مصطفى كمال اتاتورك قائد الجيش العثمانيِّ، وكما تعلمون أنَّ روسيا خرجت من الحرب بعد انتصار البلاشفة في ثورة اكتوبر الاشتراكيَّة العُظمى التي غيَّرت وجه تاريخ العمَّال والفلاحين والمضطهَدين والمسحوقين، وفضحت مؤامرة الاستعمار على شرقنا العربيِّ.. (يتبع)

الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع