ثورة اكتوبر الاشتراكية – التاريخ والحاضر(9)


د. خليل اندراوس


**ملاحقة لينين
كان لينين في المكتب قبل الهجوم بنصف ساعة، ولكنه نجا من التنكيل صدفة، وانتقلت السلطة كلها إلى ايدي الحكومة البرجوازية المؤقته وانتهى ازدواج السلطة في روسيا وانتهت المرحلة السلمية في الثورة. اتجهت مساعي الحكومة المؤقتة إلى ابقاء الحزب البلشفي بدون قيادة، فقد اعلنت لينين خارج القانون، وأصدرت امرا باعتقاله واتخذت جميع التدابير للقبض عليه وقتله، وشنت الصحف البرجوازية حملة افتراء على البلاشفة ودعت إلى التنكيل بهم.




لينين ومرحلة التحضير لثورة اكتوبر وتحقيقها


بعد عودة لينين إلى بيتروغراد بعد تغرب استمر عشر سنوات، اظهر لينين نشاطا فياضا، ففي الرابع من نيسان قرأ لينين في اجتماع البلاشفة "مبادئ ابريل (نيسان)" وقد بسط لينين في مبادئه هذه مشروع النضال في سبيل الانتقال من الثورة الدمقراطية – البرجوازية التي اعطت السلطة للبرجوازية إلى الثورة الاشتراكية التي من شأنها ان تضع السلطة في ايدي الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، وبيّن لينين في كتابه هذا أي "مبادئ ابريل/نيسان" بأن الحكومة المؤقتة التي تكونت بعد انتصار الثورة البرجوازية في آذار 1917 تدافع عن مصالح الرأسماليين وكبار ملاكي الاراضي، وان الحرب (أي الحرب العالمية الاولى) تظل كالسابق حرب اغتصاب وسلب، وطرح لينين شعاري: "لا تأييد للحكومة المؤقتة" و "كل السلطة لمجالس السوفييت" وقد بين ان لا سبيل إلى تأمين السلم للشعب والارض للفلاحين والخبز للجياع الا سبيل انتقال السلطة بأكملها إلى مجالس السوفييت، ولكنه نبّه في الوقت نفسه إلى ان اسقاط الحكومة المؤقتة على الفور امر غير ممكن، وبأنه ينبغي للبلاشفة ان يكتسبوا جماهير العمال والجنود والفلاحين إلى جانبهم وان يحصلوا على الاكثرية في مجالس السوفييت، وان يجعلوها بلشفية. وكان لينين يعتبر انه في حالة تحقق هذا الظرف يمكن للسلطة ان تنتقل بصورة سلمية إلى ايدي العمال وفقراء الفلاحين.
وفي "مبادئ ابريل/نيسان" حدد لينين مهام الحزب الاقتصادية: النضال في سبيل مصادرة اراضي كبار ملاكي الاراضي، انتزاع ملكيتها دون مقابل وفي سبيل تأميم كل الارض في البلاد واقترح لينين اقامة رقابة العمال على المصانع والمعامل على الانتاج الاجتماعي بأكمله وعلى توزيع المنتجات. كما تقدم بمطلب مزج جميع البنوك الموجودة في البلاد في بنك وطني واحد ووضع هذا البنك تحت رقابة مجلس سوفييت نواب العمال والجنود، واقترح لينين عقد مؤتمر الحزب وتغيير اسمه وتسميته بالحزب الشيوعي واتخاذ برنامج جديد ووضع امام البلاشفة وجميع الماركسيين الثوريين مهمة انشاء الأممية الثالثة، الاممية الشيوعية كمهمة ذات طابع عملي.
ان "مبادئ ابريل/نيسان" اللينينية هي وثيقة برنامج انارت امام البروليتاريا الروسية طريق النضال الثوري في الظروف التاريخية الجديدة، لقد كانت عبارة عن ارشادات عملية استوحاها الحزب واستوحتها الطبقة العاملة واستوحاها فقراء الفلاحين في النضال من اجل الانتقال من الثورة الدمقراطية البرجوازية إلى الثورة الاشتراكية، في تلك الفترة أي بعد  الثورة البرجوازية – ثورة شباط – فبراير عام 1917ـ استمرت الحكومة المؤقتة في التطاول اكثر فأكثر ارضاء للطبقة البرجوازية وكبار ملاكي الاراضي، على مكتسبات الطبقة العاملة الثورية.
فثورة فبراير البرجوازية التي حققها العمال والفلاحون لم تحل اية مشكلة من المشاكل القومية الهامة ولم تحقق مطالب الشعب، قد استمرت الحرب الدامية الغريبة عليه (أي الحرب العالمية الاولى) فقد اكدت الحكومة المؤقتة لحلفاء روسيا القيصرية السابقين (انجلترا وفرنسا) انها سوف تمضي في الحرب حتى نهايتها الظافرة، ولم يتحدد يوم العمل بـ 8 ساعات ولم تفرض الرقابة العمالية على الانتاج والاستهلاك وسحبت فعليا مسألة اعطاء الارض في حيازة من يفلحها من جدول الاعمال.
ولذا ظلت التناقضات الاجتماعية الطبقية على حدتها السابقة ومع هذا فقد كانت ثورة فبراير خطوة هائلة إلى الامام في التطوير الدمقراطي للبلاد والذي ساعد تدريجيا على ادراك الجماهير العريضة لحقيقة ان البلاشفة وحدهم هم الذين يستطيعون الخروج بالبلاد من الازمة القومية العامة الطويلة. وفي هذه الظروف اعد لينين خطة محددة للنضال من اجل تحقيق الثورة الاشتراكية فقد طور هذه الخطة وبررها في "موضوعات ابريل" و"رسائل بصدد التكتيك" ومقالة "بصدد ازدواج السلطة" (ابريل عام 1917)، وكتيب "مهام البروليتاريا في ثورتنا". (مايو – ايار 1917).
وعندما استمرت الحكومة المؤقتة البرجوازية في سياساتها، افصح العمال والجنود عن استيائهم من السياسة البرجوازية التي تتمشى عليها الحكومة المؤقتة،  فعندما بلغت العمال والجنود انباء الضحايا الجديدة التي سببتها الحرب اثناء محاولة الهجوم على الجبهة خرجت جماهير العمال والجنود في 3 تموز 1917 إلى شوارع بيتروغراد مطالبة بتحويل السلطة كلها إلى مجالس السوفييت. ووفقا لارشادات لينين ترأس البلاشفة المظاهرة وبذلوا الجهد إلى جعلها سلمية منظمة.
وبموافقة مجالس السوفييت المؤلفة من الاشتراكيين – الثوريين والمناشفة (حزب الاشتراكيين – الثوريين، حزب من احزاب البرجوازية الصغيرة في روسيا انبثق في اواخر سنة 1901 واوائل 1902 بنتيجة تكتل مختلف الفرق والحلقات الشعبية)، انقضت الحكومة المؤقتة بالسلاح على المتظاهرين وسالت دماء العمال والجنود الثوريين في شوارع بيتروغراد. وتعرض حزب البلاشفة وتعرضت منظمات العمال لأفظع تدابير القمع وزج عدد كبير من البلاشفة في غياهب السجون، وفي ليلة 5 تموز عام 1917 دمر اليونكر (اليونكر في روسيا القيصرية هم الطلاب في المدرسة الحربية) وبناية هيئة تحرير "البرافدا".
وكان لينين في المكتب قبل الهجوم بنصف ساعة، ولكنه نجا من التنكيل صدفة، وانتقلت السلطة كلها إلى ايدي الحكومة البرجوازية المؤقته وانتهى ازدواج السلطة في روسيا وانتهت المرحلة السلمية في الثورة. اتجهت مساعي الحكومة المؤقتة إلى ابقاء الحزب البلشفي بدون قيادة، فقد اعلنت لينين خارج القانون، وأصدرت امرا باعتقاله واتخذت جميع التدابير للقبض عليه وقتله، وشنت الصحف البرجوازية حملة افتراء على البلاشفة ودعت إلى التنكيل بهم.
وردا على افتراءات البرجوازية قال لينين معتزا بحزب الطبقة العاملة الباسل العظيم الحزب الشيوعي! "نحن نؤمن به، ونرى فيه عقل العصر وشرفه وضميره فبناء على قرار صدر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اختبأ لينين، وقد عاش وعمل مئة وأحد عشر يوما مختبئا ومتعرضا في كل لحظة إلى الوقوع في ايدي جواسيس الحكومة المؤقتة.
اختبأ فلاديمير ايليتش لينين عدة ايام في شقات عمال بيتروغراد بصفة عامل من عمال معمل سيستروريتسك، ثم عاش في خص على ضفة بحيرة رازليف بقرب بيتروغراد بصفة حصاد فنلندي، ومع حلول البرد انتقل إلى فنلندا بهوية العامل ايفانوف الوقاد في قاطرة وبصفة كاتب روسي. اختبأ لينين عند العمال الفنلنديين بقرية قريبة من هيلسينغفورس ثم انتقل إلى هيلسينغفورس وبعد ذلك إلى فيبورغ.
استمر لينين يقود بصورة يومية نشاط الحزب ونضال الطبقة العاملة الروسية من مخبئه وكان مطلعا على كل ما يقع في بيترغراد وفي البلاد وعلى جبهات الحرب من الاحداث. وكان الرفاق اعضاء اللجنة المركزية سفيردلوف وأورجينيكيدزة وستالين ودزرجينسكي يزورون لينين وكان لينين يستوضح تفاصيل الاحداث ويقدم الارشادات، وبناء على اقتراحه سحب الحزب بصورة مؤقتة شعار: "كل السلطة لمجالس السوفييت" لان مجالس السوفييت المؤلفة من الاشتراكيين الثوريين والمناشفة قد تحولت بصورة نهائية إلى ملحقات للحكومة المؤقتة. وقد طرحت مسألة الانتفاض المسلح على بساط البحث وقد قاد لينين من مخبئه المؤتمر السادس لحزب البلاشفة (الحزب الشيوعي)، الذي التأم في اواخر تموز عام 1917 في بيتروغراد، وانتخب المؤتمر لينين رئيسا فخريا.
وأقر المؤتمر جميع اقتراحات لينين واتخذت هذه الاقتراحات صفة قرارات حزبية ووجه المؤتمر الحزب لتحضير الانتفاض المسلح واسقاط سلطة البرجوازية وكبار ملاكي الاراضي، لقد رأى لينين ببصره الثاقب اقتراب الثورة وأعد الحزب لاستقبالها.
وبعد ارفضاض المؤتمر قام الحزب تحت قيادة زعيمه لينين بعمل توضيحي وتنظيمي كبير بين العمال والجنود والبحارة والفلاحين تحضيرا للانتفاض المسلح. جرى تشكيل فصائل الحرس الاحمر وأخذ العمال يقتنون الاسلحة ويتدربون على استخدامها. ان التحضير للثورة الاشتراكية قد طرح بصورة ملحة مسألة موقف حزب الطبقة العاملة من الدولة البرجوازية وكذلك مسألة ما ينبغي للدولة ان تكون عليه حين تستلم البروليتاريا السلطة، وقد اعطى لينين اجوبة على هذه الاسئلة في مؤلفه "الدولة والثورة" وقد وضعه في خريف سنة 1917 في مخبئه.
في هذا الصدد تقول ناديجدا كروبسكايا (1869 – 1939) زوجة ورفيقة كفاح لينين ان مسألة طابع السلطة البروليتاريا للدولة قد شغلته بوجه خاص في عامي 1915 و 1916، وأعرب لينين في النصف الثاني من عام 1916 عن فكرة ضرورة المعالجة الجادة النظرية لهذه المسألة، وخريف عام 1916 وبداية عام 1917 انخرط لينين مليا في العمل النظري كما تقول كروبسكايا، وحيث انه كان يعيش آنذاك في المهجر بزيوريخ (سويسرا) فقد عمل في المكتبة على نحو مشدد وعكف على دراسة مؤلفات كارل ماركس وفريدريك انجلز فيما يتعلق بمشكلة الدولة. وقد شغل هذا العمل التمهيدي كراسة كاملة بعنوان "الماركسية بصدد الدولة". واليكم ما كتبه لينين في احدى رسائله في بداية عام 1917: "لقد عكفت على نحو مشدد في الآونة الاخيرة على المسائل الخاصة بموقف الماركسية من الدولة وجمعت مواد كثيرة وتوصلت في رأيي إلى استنتاجات هامة وشيقة جدا.. وأود جدا ان اكتب عن ذلك.. (المؤلفات الكاملة المجلد 49 ص 390)، وفي 16 نيسان عام 1917 بعد ان عاد لينين إلى روسيا قادما من سويسرا، وحيث انه كان مشغولا بالنشاط الثوري العملي لم يستطع على الفور استئناف العمل الذي شرع فيه، لكن فكرة هذا العمل لم تبارح ذهن لينين واثناء صيف عام 1917 بدأ لينين بعد اختفائه من تعقب الحكومة المؤقتة وضع هذا الكتاب وبوصوله إلى هيلسينجفورس (هلسنكي- فنلندا) بدأ عن كثب في وضع كتاب "الدولة والثورة"، وطور لينين في هذا الكتاب نظرية ماركس وإنجلز بصدد الدولة والثورة الاشتراكية وقيام وتطور التكوين الاجتماعي الاقتصادي الجديد والدور القيادي للحزب في بناء الاشتراكية، وفي عام 1919 صدرت الطبعة الثانية من الكتاب التي اضاف اليها لينين فصلا جديدا بعنوان "طرح ماركس للمسألة في عام 1852" وطور فيه الوضع الخاص بتعدد اشكال ديكتاتورية البروليتاريا على اساس تعميم خبرة ثورة اكتوبر الاشتراكية والحركة الثورية الدولية.
وهنا لا بد من التذكير بأن لينين ابرز مرارا وتكرارا في مؤلفاته سواء قبل او بعد ثورة اكتوبر الاشتراكية ان قيام النظام الاجتماعي الجديد – الاشتراكية – ليس فترة زمنية قصيرة بل هي طور طويل نسبيا في التطور الاجتماعي والاقتصادي وبناء الاشتراكية يبدأ بالإطاحة بسلطة البرجوازية والاستغلاليين وترسيخ سلطة الطبقة العاملة وحلفائها غير ان انتصار الثورة الاشتراكية في المجال السياسي هو بحد ذاته بداية فترة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وليس بداية الاشتراكية كنظام اجتماعي.
ولا يظهر النمط الاشتراكي تلقائيا في احشاء الرأسمالية لأن جوهر الاشتراكية يقضي لتكوينها ان تكون سلطة الدولة للطبقة العاملة وحلفائها الكادحين وهي السلطة القادرة على ان تقوم عن وعي بإعادة بناء الانتاج الاجتماعي لصالح الكادحين جميعا ومن ناحية أخرى فإن ترسيخ هذه السلطة لا يعني سوى امكانية انشاء النمط الاجتماعي الاقتصادي الجديد والقضاء على استغلال الانسان للانسان وبناء الاشتراكية. ويرتبط تحويل هذه الامكانية إلى امر واقع بحل المهام الاجتماعية الاقتصادية البالغة التعقيد وعلى رأسها الغاء الملكية الرأسمالية لأهم وسائل الانتاج وتعميم ملكيتها وتحويلها إلى ملكية اشتراكية للشعب كله.
ولا يمكن حل هذه المهام الكبيرة النطاق خلال فترة تاريخية قصيرة لأن المقصود هو مصائر الطبقات والنمط المعيشي لملايين الناس، ويتطلب اجراء هذه التحولات وكذلك التحولات الاخرى وغيرها من التحولات الثورية فترة تاريخية كاملة غير متساوية في هذا البلد او ذاك  وهذه هي مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
وفي كتيب لينين "الكارثة المحيقة وكيف نحاربها" والذي كتبه في هيلسنجفورس (هلسنكي – فنلندا) طور لينين وبرر فيه المنطلق الاقتصادي للبلاشفة (للحزب الشيوعي) وطرح برنامج انقاذ البلاد من الكارثة الاقتصادية المحيقة بروسيا في ذلك الوقت ومن استعباد الرأسمال الاجنبي لروسيا (فرض الرقابة العمالية على الانتاج وتوزيع المنتجات وتأميم البنوك والصناعات الكبرى ومصادرة اراضي كبار ملاك العقارات وتأميم الاراضي كلها في البلاد وغيرها..) وإذا كان لينين قد وجه الحزب في بداية ثورة فبراير نحو تطويرها السلمي، فقد قام بعد ان اطلقت الحكومة المؤقتة النيران على المظاهرة السلمية في بيتروغراد في يونيو 1917، بتبرير ووضع نهج الإعداد للانتفاضة المسلحة وبعث إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي رسالتي "ينبغي على البلاشفة ان يستولوا على السلطة" و "الماركسية والانتفاضة"، ذكر فيها ان البلاد في حالة ازمة قومية عامة متزايدة.
في مؤلف لينين عن "الدولة والثورة" والذي وضعه في خريف عام 1917 رد لينين تعاليم الماركسية عن الدولة إلى نصابها وكشف عن التحريفات الانتهازية وطور افكار ماركس وانجلز عن الدولة وديكتاتورية البروليتاريا طبقا للظروف التاريخية الجديدة.
ان مؤلف لينين قد سلح الحزب والطبقة العاملة بفهم واضح لما ينبغي ان تكون عليه دولة العمال والفلاحين وللبرنامج الذي ينبغي لسلطة السوفييت ان تحققه.
(يتبع)

الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع