التحديات السرمدية

إلياس خليل نصرالله


**لمنع الانزلاق
ما زالت القوى المُسْتَغِلة، الغارقة في ضلالها، تعنتها وبطشها، تُمارس الانتهازية والغطرسة بكل أشكالها لتحقيق مكاسب آنية، بدون ان تتورع توريط مجتمعها، وخاصة فئاته الشعبية الواسعة في متاهات ومسارات تزجه في لجة الضياع، التشرذم والدمار. ومما لا شك فيه ان الطروحات والتصورات الإيجابية ستمنع وتقي كل مؤمن صادق من الإنزلاق والغوص في عالم الانتهازيين وطروحاتهم وتبريراتهم لشرعنة ترسيخ سيطرتهم على المجتمع، بذريعة انهم حُمَاة الدين



إهتمت كل المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ بالتركيز في معتقداتها الدينية حول موضوع الحياة بعد الموت. ونسجت الحضارات -الفرعونية، البابلية، الكنعانية، حضارة وادي السند،الصينية الإنكا،والهيلينية وغيرها -الأساطيرالتي بحثت معضلة قهر الموت وتحقيق الخلود.فلا نجد شعبا الا وبلورالأًساطير التي، تُطمئنه بان الموت هو العملية التي تضمن الإنتقال الى حالة اخرى، تتميز بالخلود، السرمدية والسعادة الأبدية. رغم الاقتناع بحتمية الموت، فنجد كل مؤمن صادق يُرَحب به من منطلق تخلصه من شقاء الحياة الدنيوية الفانية.
الأسطورة هي حكاية وشحنة وجودية - روحية، تتسم بهالة من القدسية، تحمل في طياتها مضمونا عميقا لتفسير الكون، الوجود وحياة الانسان حسب القدرات الإدراكية للإنسان في عصرها. احتلت الاساطير في الماضي وحتى يومنا هذا، لدى الكثيرين قدسية وسلطة آسِرَة، على عقولهم وسيكولوجيتهم.. هناك علاقة عضوية ما بين الأسطورة والدين، خاصة الديانات البدائية. ويرتبط ذلك بمعالجتها ، قضايا تكّون الوجود، الخلود والغاية من ميلاد الانسان ومسيرة حياته، وايضا،لاحتلال القوى الإلهية دورا مركزيا فيها. يوجد شبه اجماع ان الاساطير هي اول أشكال اللغة الدينية، وبأنها مغامرة العقل الاولى لسبر اعماق معرفة بدايات ونهايات الكون. انها سردية الإيمان لدى الشعوب البدائية، وأحد روافد مكونات الديانة (لا ديانة بدون أسطرة، معتقدات، طقوس وشعائر).
 ان وظيفتها الاساسية، نقل وتوصيل رسالة معينة، وآلية لتفسير الواقع،ولنقلغاياته وتصوراته المحددة. فاسطورة البعث الفرعونية (اوزريس) هي التجسيد للصراع بين الخير والشر وانتصارها للخير. محفزاتها ورؤيتها هي وعد المصري بحياة سماوية خالدة ، واناطت نيلها بكل من يسلك وينهج طريق الخير والبِر. ونقف هنا على بُعد إيجابي في هذه الأسطورة، حيث كل انسان يفعل خيرا سيحظى بالسعادة في عالم ما بعد الموت. وحِكَم "أمينوبي "الفرعوني من القرن الثاني عشر ق.م يشترط فيها "ان الامتناع عن السرقة الكذب الزِنى، شهادة زور، شهوة زوجة قريبك، الرشوة، هي السبيل لكي يوفر لك نيْل السعادة في الحياة الابدية، بعد الموت ". (امينوبي- كتابه "سبايت"/الحكمة).
اما ملحمة" چلچامش "السومرية والمكتوبة بالأكادية، (كتبت بخط مسماري في حدود2400  ق.م،) هي أقدم قصة سياحية كتبها الانسان، والتي تصور شعرا تجربة بطولية وتنتهي بعجز الانسان قهر الموت والفناء، مقتنعا بان ذلك حتمية بدونها لا يتوفرحيّزالحياة للأجيال القادمة. شملت هذه الملحمة ثلاث قضايا جوهرية: الحياة، الحب والموت. إلاّ أن محورها الأساسي صراع "أنكيدو" مع الآلهة لينتزع منها حق البشر في الخلود. الا انه يقتنع في النهاية " لا خلود لأحد من البشر على أديم الارض. " فيصمم أنكيدو بعد رحلة عذاب محفوفة بكل الوان المخاطر، بضرورة عودته الى مدينته"اوروك" ليُقدَّم لسكانها الحب، السلام والبناء للمجتمع، ونشر الحرية والعدل والمساواة. ليتساءل بعدها" أليس هذا هو الخلود؟". حقا لقد توصل "أنكيدو" ان الخلود هو العمل الصالح، السيرة الحسنة وخدمة المجتمع.
الا اننا رغم الإنجازات التي حققتها البشرية في العصور الاخيرة، والتي تزداد باستمرار، الا ان الأدلة المتوفرة حول العالم الآخر "الميتافيزيقي"، بقيت وستبقى في دائرة ما ورد في كتب الديانات (خاصة التوحيدية) ونتوارثها من جيل الى جيل. وهو موضوع مُخْتَلَف على، ماهيته مواصفاته ومضمونه بين المذاهب المختلفة وبين المؤمنين أنفسهم،مما يجعله،لدى البعض،موضوع تصديق وتكذيب ليستمر مصدر قلقهم بين الوجود والعدم. الا ان حتمية الموت، هي التي تٌعزز التمسك والايمان بان الآخرة هي مملكة الخلود والسعادة الابدية. ومن الطبيعي، ان يتحول ذلك،لدى المؤمن الصادق،بوصلة توجه سلوكه الخلقي والشخصي والاجتماعي حسب قيم الخير والعدل،للفوزبحياة مثالية في العالم الآخر. (وهذا لا يختلف جوهريا لما أكدته الديانة الفرعونية والبابلية).
هناك من يعتقد ان عدم الايمان بالخلود يؤدي للانهيار الكامل للمنظومة الاخلاقية الدُنيوية، بل ممكن انتهاء الإيمان بالله ذاته. هذا يقودنا الى نتيجة حاسمة وهي مستحيل لكثيرين العيش بدون العقائد والإيمان، خاصة استمرارية الحياة الابدية بعد الموت.
ونجد الفيلسوف الالماني "هيچل " في تصوره لفلسفة،عالم ما وراء الطبيعة، يؤكد: "الارتباط بين العقيدتين الالوهية والأخروية، هو امر يصعب فصمه، مما سيجعل بحث احداهما مستقلا عن الآخر امرا شائكا ومستحيلا. فعليه كانت وستبقى الأولوية في عقيدة الإيمان للعالم الآخر لكونه يحمل معنى الخلود".
اذا المعضلة والإشكالية لا ترتبط بالبحث الإنساني الدؤوب لتحقيق الخلود بانتهاج حياة قويمة، انما بتسييس الدين من قبل قوى انتهازية، نفعية، تُغَيَّب عمدا الرسالة الاخلاقية والانسانية في ديانتها. ونجدها لا تبخل بأية وسيلة لإلصاقها لكل من يتجرأ وحتى يُفكر بكشف أحابيلها: الكافر، الحاقد، الزنديق،عدو الله والدين. وبنظرة تحليلية تاريخية ثاقبة ما زالت القوى المُسْتَغِلة، الغارقة في ضلالها، تعنتها وبطشها ، تُمارس الانتهازية والغطرسة بكل أشكالها وأساليبها لتحقيق مكاسب آنية، تافهة وزائلة بدون ان تتورع توريط مجتمعها، وخاصة فئاته الشعبية الواسعة في متاهات ومسارات تزجه في لجة الضياع، التشرذم والدمار. ومما لا شك فيه ان هذه الطروحات والتصورات الإيجابية التي شملتها هذه المقالة، ستمنع وتقي كل مؤمن صادق من الإنزلاق والغوص في عالم الانتهازيين وطروحاتهم وتبريراتهم لشرعنة ترسيخ سيطرتهم على المجتمع، بذريعة انهم حُمَاة الدين. وهذا سيوصلنا، حتما،الى شاطئ الأمان ويدفعنا لتوظيف طاقاتنا، مواردنا لمواكبة التطور والحداثة والرفاه.

الأحد 3/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع