كيف نقرأ لوحة فنية؟


د. بطرس دلة


"فنانون من طمرة" بمشاركة ثمانية عشر فنانا من المدينة



ان استعراض أية لوحة فنية هو عملية لغة صامتة يتم استعمالها بين الانسان واللوحة المرسومة. فاللوحة كالانسان مكونة من طبقات نفسية بدءا بالسطح الظاهر وانتهاء بالعمق وفهم ما هو حتى أعمق من العمق! ولكننا قد نستطيع القراءة الصامتة ببساطة اعتمادا على تقنية معينة، ولكن قبل اللجوء الى هذه التقنية يجب اولا ان نعي قراءة لوحة ما ليس بالطريقة الحسابية أي 1+1=2 لأن أية نتيجة قد نخلص بها ستكون خاطئة. لذلك فانه على العكس من ذلك حيث إنه لا يوجد تأويل او تفسير صحيح أو خطأ، لأن التأويلات قد تعكس من المشاهد تماما ما تعكسه من اللوحة! فاذا كان شخص ما يعمل على قراءة لوحة أية لوحة فإنه يقرأ من نفسه كما يقرأ من اللوحة! لذلك فان هناك خطوات معينة يجب اتخاذها خطوة خطوة قبل البدء بالتقييم وهي كما يلي:
1. نلقي نظرة أولية على اللوحة. فلكل لوحة حبكة أو عقدة تماما كما لكل قصة قصيرة عقدة الى جانب أسلوب الرسم. لذلك يجب أن تكون برأيي نظرتنا فاحصة وبدقة لأن اللوحة قد لا تلفت نظرنا للوهلة الأولى. لكن بالتعمق فيها الى العمق فقد تجذبنا تماما، ولذلك لا نقول هذه لوحة جميلة وتلك لوحة قبيحة قياسا على مفهومنا للجمال! لأن هدف الفن هو اعطاء معنى للحياة وليس أن ينال اعجابنا بمقدار ما يثير في نفوسنا بعض التساؤلات. اذًا فلندع اللوحة تعطينا فرصة أخرى!
2. مضمون اللوحة: قد تكون اللوحة رسما لشخص ما أو حدث تاريخي أو كمنظر طبيعي أو مشهد من الحياة اليومية أو حالة نفسية أو عاطفية... وغير ذلك. ولكن هناك لوحات ليس لها موضوع، أي رسمت من باب الفن للفن أي الفن التجريدي، هذا الفن يعتمد على نزيف الألوان على القماش وتناول المشاهد لهذا النزيف هو ما يعطيه معنى بالاشتراك مع العنوان الذي أعطاه الرسام الفنان للوحته!
3. يجب برأيي أن نحدد ثلاث خطوات في مشاهدتنا للوحة ما وهي:
أ. هل نعرف شيئا عن الفنان الرسام؟
ب. ماذا نعرف عن تاريخ اللوحة متى رسمت؟
ج. هل نعرف أي شيء عن اللوحة بشكل عام؟
4. مهم جدا أن نعرف الى أية مدرسة فنية ينتمي الرسام الفنان، كالمدرسة الرمزية أو الكلاسيكية أو الوجودية أو الرومانسية أو... غير ذلك؟
5. ما هي الرموز البارزة في اللوحة؟
بعد كل ما ذكرنا يجب أن نعمل خيالنا لأن خيال المشاهد يلعب دورا كبيرا في تعميق قيمة اللوحة وتأثيرها وانعكاسها. فمثلا لو كانت لدينا لوحة فيها فتاة تحتضر فقد تكون اللوحة انعكاسا لما يعاني منه الفنان من الوحدة أو الخلل النفسي أو حتى العقلي أو انهيار حياة الفنان ورفضه للحياة أو فشل الفنان أو الفقر المدقع أو غير ذلك وهنا يجب الاجتهاد واعمال الخيال لأن لهما دورا حاسما في تقييم وفهم اللوحة.
مهم أن نذكر أنه لا يوجد صح أو خطأ في التقييم لأن ما يراه المشاهد في العمق قد يكون ما قصده الفنان من لوحته وقد لا يكون!؟
العالم الفنان يانوفسكي علمنا طريقة خاصة في فهم اللوحات الفنية حيث يقول:
يجب أن نتساءل ازاء كل لوحة الأسئلة التالية: من أنا؟ ماذا أريد؟ ما معنى الحياة؟ ما هو المعنى الأولي للوحة؟ ما هو المعنى الثانوي للوحة؟ ما هو المعنى الحقيقي للوحة؟ والى أي مدى شدت اللوحة انتباهنا؟
وهنا يجب برؤيتي أن نبتعد عن اللوحة لنلقي نظرة أخرى من البعد تكون أكثر شمولا لأننا عندها قد نرى أمورا لم نرها من اللحظات الأولى ومن القرب!
والآن الى هذا المعرض بعنوان :
 


**فنانون من طمرة!


يشارك في هذا المعرض ثمانية عشر فنانا من طمرة بعضهم يشارك بلوحة واحدة والبعض الآخر بلوحتين. تجولت في هذا المعرض والحقيقة أنني لم أجد فيه ضالتي المنشودة للوهلة الأولى فأعدت النظر والتأمل الى مختلف اللوحات، وعلى ضوء المقدمة التي ذكرتها على مسامعكم وجدت بعض اللوحات اللافتة للنظر ولنبدأ باللوحتين الأولى والثانية. لم أعرف اسم الفنان الذي رسمهما يومها. ومع ذلك فاللوحة الأولى فيها سياج قوي خلفه مجموعة من ناطحات السحاب وامرأة تقف خلف السياج ولا نرى صورة وجهها كما لو كانت من بلد غريب عن المنظر الذي خلف السياج فهي لا تنتمي بحسب ملابسها الى عالم ناطحات السحاب ولذلك فهي تشعر بغربة كبيرة عما تراه! اذًا هذه هي لوحة الغربة والاغتراب أما اللوحة الثانية فقد تكون نفس المرأة ومرة أخرى لا تبدو في اللوحة معالم الوجه وهكذا نستنتج أنها غريبة عن المكان الذي امامها : اذًا هي لوحة الغربة والتشرد وقد تكون معبرة عن اللاجئين السوريين الذين هربوا من ويلات الحرب الى اوروبا او اللاجئين العراقيين او حتى الفلسطينيين! ان ظهور زهرة الخرفيش الملونة بالألوان الزاهية لا تعني هنا أنها تابعة لنفس السيدة بل هي ملك للحشرة التي تطير باحثة عن مصلها الحلو لتتغذى به أو تغذي صغارها.
اللوحة التالية والتي تليها هما للفنان مبدى ياسين : اللوحة الأولى حارث الأرض تبدو لوحة بدائية لأن الفنان مبدى لم ينجح كثيرا في تصوير الأشجار الخلفية، أما لوحة ضاربة الرق فهي رائعة خاصة بحركة اليد اليسرى المرفوعة الى فوق حيث توحي الى مدى انسجام ضابطة الايقاع هذه مع اللحن : أعجبتني هذه الحركة وهذه اللوحة كل الاعجاب!
أما لوحة الفنان ابراهيم هزيمة فهي ليست رسما بريشة الفنان بل هي تصوير بكاميرا الفنان ولذلك ليس فيها الكثير من الاثارة. أما لوحة "كرم الزيتون" فلا تقل جودة عن أية لوحة أخرى انها لوحة الفنان أحمد محمود كنعان .
ننتقل الى لوحة الفنان ابراهيم أبو أحمد حجازي : لم أجد في هذه اللوحة فنا ولا أصالة لأنها مصورة بآلة تصوير واذا دققنا النظر فيها فسوف نلاحظ ذلك، لأنني لم ألمس لمسات ريشة الفنان على القماش!
لوحات الفنان فاروق ذياب هي تصوير بالكاميرا أيضا!
لوحة الفنان شاكر أبو رومي لم افهمها فالرجل يبدو اكبر من الحمار ولم أفهم ماذا قصد بذلك!
ومرة أخرى التعلق بالأرض ومحبة الأرض والوطنية الحقة والأصالة كلها اجتمعت في آن واحد!
3. اللوحة الثالثة هي لوحة الفنان ابراهيم ناجي هزيمة ففيها الشيء الكثير من الجمال ولو أن الألوان ولمسات فرشاة الفنان تبدو كأنه يقلد لوحة أو صورة التقطتها عدسة كاميرا معينة لأنني شعرت أنها تنقصها الأصالة بالرغم من المجهود الكبير الذي بذله الفنان في رسمها. وهنا أكرر ما جاء في مقدمة كلمتي ليس هنا صح او خطأ وانما هي عملية مشاهدة وانطباع لا أكثر ولا أقل.
أكثر لوحة أعجبتني في هذا المعرض هي لوحة الرجل الذي يرفع الابريق ليشرب : انها لوحة أصيلة وقوية وفيها دقة متناهية في رسم تعابير هذا الانسان وهو يذكرنا بالفلاح الفلسطيني الذي يجهده التعب فيرفع الابريق ليروي ظمأه ولا أعتقد أن هناك شعبا كالشعب العربي الفلسطيني يمارس عملية الشرب بهذه الطريقة الأصيلة! انها لوحة الأصالة !
بقيت لدينا لوحتان للفنان أحمد كنعان فقد رأيت فيهما الكثير من التعلق بالأرض وهذا ما يناسب الانسان الفلسطيني لأن تعلقنا بالأرض هو أحد مميزات شعبنا وموروثنا الوطني!
لوحة الفنان سلام منير ذياب : هذه اللوحة تبدو كأنها خليط من التصوير والرسم. فالمربعات الملونة غطتها ريشة الفنان بألوان الخلفية في عدة أماكن وذلك كي يدلل على أصالة اللوحة. ولكن ما لفت انتباهي بشكل بارز هو رسم الحمار الذي رسمه بدقة متناهية كما لو كان مصورا وهذا هو سر عظمة هذه اللوحة. ومع ذلك فهي تذكرني بالحوار الذي دار ذات يوم بين غوار وحماره : فماذا تقول الحكاية؟
يقال ان حمار غوار طلب منه ذات يوم أن يأتيه بزوجته كي تتوحم عليه! استغرب غوار الأمر فهو لا يريد أن تلد زوجته حمارا كحماره! ولما أبدى تعجبه قال للحمار : لمذا تطلب مني هذا الطلب؟
أجاب الحمار : لأن الحمار خير من الانسان : فالانسان يولد بحاجة الى رعاية والديه حتى السادسة من عمره، بعدها بحاجة الى مدرسة ابتدائية وثانوية حتى سن الثمانية عشرعاما. وبعدها سيبحث عن مهنة يتعلمها وقد يستغرقه الأمر بضع سنوات وقد يكون فاشلا أي حمارا في المدرسة! أما ابن الحمار أي الجحش فبعد ستة او سبعة شهور قد يصبح جاهزا للعمل؟!
واجمالا اسمحوا لي أن أقول : ان القيام بعرض أي معرض هو عمل جبار ويتطلب الخبرة الكبيرة والاهتمام الزائد والفنان سلام ذياب ابن تلميذنا منير ذياب.
عزيزي الفنان سلام ذياب المشرف على هذا المعرض لك أقول : أنت فنان مطبوع حقا بالأناقة الحقيقية ولديك فن رائع كما كنت قد لمست ذلك من معارض سابقة وقد ذكرت في مقدمة كلمتي هذه أن هدف الفن هو اعطاء معنى للحياة والفن الذي لا يعطينا أي معنى هو ليس فنا بل هو خربشات على الورق او على القماش والفن لديك بالذات هو كالنار لأن نار الانسانية لا يمكن أن تموت طالما في شرايين أجسادنا قطرة زيت وقطرة حب وأنت لديك الكثير منهما. بورك ما تسعى اليه وأرجو لك العالمية في الفن كما أرجو لك الحياة!
 وشكرا لاصغائكم!


(كفرياسيف)

الثلاثاء 14/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع