مُسْتَصْدِقون، طُفيليّون وَوُصوليّون! (37)


نمر نمر


كاريكاتير عمر العبداللات



فضّل البُعد عن الأضواء والمظاهر الجوفاء، إلعبْ وحدك تيجي راضي، بالمعنى البعيد جدّاَ، والدّهر خوّان مع جور الزّمان وقلّة الخلاّن،كأنّه يعيش في عهد الامبراطوريّة العثمانيّة البائدة، حيث العيون، التّجسّس، التّنَصّت، التّخفّي، الأقنعة، زلام المرحبا، الوصوليّون الانتهازيّون، المدسوسون، على كلّ منهم ينطبق قول الشّاعر:
 يُعطيكَ من طَرَف اللسان حلاوةً     ويروغُ منكَ كما يروغ الثّعلب
  زَيّنوا لهؤلاء المساكين المدسوسين أنّهم يراقبون شخصيّة خطرة على: البلدة، الطّائفة، المجتمع والدّولة، وأن عائدهم من المراقبة والتّحرّي  من خلال الاستصداق، الاستصحاب، الاستوداد، الاستقراب،التّطفّل والنّفاق، سيكون مُحْرِزَا، وقيمة الأجر كقيمة المعلومات.
 انْطلق المُغفّلون بعزيمة ونشاط، شمّروا عن سواعد الجدّ والحِقد والبحث،كلّ منهم انطلق من منظار آخر ووجهة أخرى للمناوبة على المراقبة المكثّفة.
- جاد الله حَسِبَ أنّه القدّيس النّاسك على خُطى الصّحابي الجليل: أبي ذرّ الغفّاري أو أبي يزيد البسطامي، أو جلال الدّين الرومي، أو محيي الدّين بن عربي.
- خير الله قال: أنا إذا دَعَسْتْ عا النّملة ما بَآذيها والله، ولكن الجهاد في سبيل الدّولة واجب، خاصّة في ظروفنا الآنيّة، وإحنا منوكل من خبز السّلطان لازم نْهِتّْ بسيفو!
- مجد الله سوّلتْ له نفسه بأنّه المسيح المنتظَر والثّالوث المقدّس معًا، وهو يُمثّل أدوار: متّى المُضيف، مرقس الرّفيق، لوقا الطّبيب، يوحنّا الحبيب، مُردّدًا علانية ومكرًا: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلمة تخرج من فَم الله!
- صنع الله تزيّا بِزيّ القدّيسين الزّاهدين على درب الحواريّين الأوائل، يردّد ما نطق به ابن البتول: العباءة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصّمت، وجزء في الفرار من النّاس! ويضيف صنع الله مُتَثَعْلِبًا: ما اكثر الشّجر وليس كلّها بِثمر،وما اكثر الثّمر وليس كلّها بِطَيّب، وما أكثر العلوم وليس كلّها بنافع!
-عبد الله يدّعي القُربى، وظلم ذوي القربى أشَدّ.....، والدّم ما بيصير مَيّ، لكن للضرورة أحكام، يقول تمويهًا مقتبسًا الشاعر اللبناني أسعد السّبعلي:
شرقنا منهل الحرّيّة/ يا سيف قاطع العبوديّة/ بِتْعَطّْرَكْ نسمات أرزيّة/يسوع شرقي، المصطفى شرقي/ جبران شرقي،الشّمس شرقيّة!وأنا ابن الحارة الشرقيّة اللي كل عمرها ماشي الحيط الحيط، سِرْ بَسْتْ، وبتنادي يا ربّ السُّترة!
- سعد الله يجاهر بالصّداقة الخالصة لوجه الله، ويغنّي مع عبد المُطَّلِب: حَبّيتَكْ وِبَحِبّكْ وِحَحِبَّكْ على طول/ أنا مش خاين وانْسيتَكْ  زيّ إنْتَ ما بِتْقول!
- حفظ الله  تضرّع بالحسب والنّسب،له جاه وحظوة، يُحْسب له ألف حساب،مدعوم، بيفكْ من المشنقة، كلمتو ما بْتنزل علْ الأرض،عند مختار المخاتير في الضّيعة القريبة!
- شكر الله تمسّكَ بالوطنيّة والأمميّة،وما عبد الناصر والقُوّتلي، ميخائيل أنجلو ولينين سوى تلاميذ في معاهده ومختبراته.،قال: سألقي بدلوي بين الدّلاء،لعلّه يعود ببعض الرّجاء.
- فضل الله  المُهَجَّر المُشَرّد الحالم بالعودة إلى أولى القِبْلَتَين وثالث الحَرَمَين،عاصمة فلسطين والخلافة الإسلاميّة المزعومة، قال حِنّا للخيل! حِنّا للّيل!
- تَقِيّ الله: أنا أبو النّشامى، عنتر أبو الفوارس،مدرسة الوطنيّة والقوميّة العربيّة،قبل عهد جمال عبد النّاصر،وعبيد الله العراقيّين الثلاثة:عبد الكريم قاسم، عبد السلام وعبد الرحمن عارف وذاك العبد اليمني: عبد الله السّلاّل.
 كلّ من الإخوانجيّة، يدّعي من الطُّهْر ما لم تدّعه مريم البتول، ولا فاطمة  ابنة الرّسول، قرينة الذي كرّم الله وجهه، ووالدة الحسن والحسين...
يتناوبون على عبد الله ليل نهار، سِرًّا وَجهرًا، توزيع الوقت والمناوبة والمُحاصصة، الدّوريّات والورديّات بينهم عادلة،طبقًا لبرامج تناوبيّة،ساعات سويسريّة ـ طبقًا للثواني، يُمليها عليهم معلّمهم الأكبر، الرّوبوت الآلي الذي يبقى في ظلام الليل الدّامس.
هؤلاء (قاعدين بِحُضَنّا وِبْيِنْتْفوا بِدَقِنّا) ما أنطبق على كليم الله المنشول/المسحوب من الماء طفلا،قعد بحضن فرعون وأخذ يتطاول على كريمته/لِحْيته! فقال فرعون جملته المأثورة: قَعَّدْناه بِحضنّا فأخذ ينتف بِذقنّا!
أنتَ ترأف بهؤلاء الغلابى المغلوب على أمرهم، إمّعات، رُويبضات، فقدوا الأصالة والانتماء الى الجنس البشري،تُسايرهم، تُلاطفهم، ترثي لحالهم،لعلّهم يعودون الى جادة الصّواب، ولكن لن يُصلح العطّار ما أفسده الدّهر، طبع الّلبَن ما بيغيّرو غير الكَفَن! كلّ منهم يطرح بضاعته على حِدة، يخشَون بعضهم  ونفوسهم الأمّارة بالسّوء! وتبدأ العروض دون أيّ طلب:
- شو رايَكْ عمّي عبد الله ترافقني لَمصر، الأردن أو سورية (قبل المِحْنة)، كلّو على حسابي، ماكل شارب من الهمّ هارب، أنا الله مِنْعِم عليّ، وإنتي بِتْعِزّ عليّ كثير!
- شو رايَك نْزور مُدن الملاهي، سيعة لَرَبّكْ وسيعة لَقَلْبَك (وما بها من تورية).
-عندي قطعة سلاح بْتِلْمَع لَمع، انتي بتسافر وْإلَكْ مُبغضين كثار، لازم تدافع عن نفسك، وْلَإنَكْ بِتْعِزّعليّ عندي تَجْرة مِحِرْزة، فيه من وراها ملايين، وبتقول بَيّ باي للفقر!الغالي بيرخصلك واللاّ أنا غلطان يا قبّاري!
- أنا رفيقك في الدّمّ والهمّ والغمّ، الّلي بيصير عليّ بيصير عليك، والّلي قاسَك لَنفسو ما ظلمك!جرّبني مرّة وما بْتندم، يا حبيب الرّوح!
- هاي دولة غدّارة، ما إلها صاحب، ملحها ع َ ذيلها، زي انكشاريّة تركيّا العثمانيّة والأردوغاتيّة، أنا وِيّاك وطنيّة ولازم ندير بالنا ع َ بعض! وِنْقوم بمهمّات صعبة، حتى يُسجّل إسمنا بالتّاريخ بأحرف من ذهب!
- انتي عمّال تْعمّر، مذيوق وْملحوق، الدّنيا يُسْر وْعُسْر، أنا الله مِنعم عليّ، كون جَمَل وْحَمِّل، أنا قدّها وقدود، وما فيه جود غير من الموجود من خير الله تعالى!
 زوّدوهم بكاميرات خفيّة، قبل الجوّال المُحتال، وقبل السّلفي السُّفلي، وَحَتْلَنوهم بالواتس أب، الإنستجرام واليوتيوب ومحادثات القِمّة/ الخِمّة، غابوا وما جابوا،لفّقوا وانفلقوا، دبلجوا واخترعوا، تصيّدوا في المياه العَكِرة، سهروا الليالي، صيفها وشتاءها، حرّها وَقَرّها، كرّوا وفرّوا، تَعَرَّوا من كافّة القِيم، وباعوا الذِّمَم، عجزوا عن وجود مَمْسَك أو حجّة للفتك بالعبد، قطعوا رزقه،حاصروه في خانة الْيَكْ، وهو يُردّد: من اتّكَلَ على مولاه ما خاب رجاه!
 توصّل بعضهم إلى كُنْهِ الحقيقة، لكن  مُتَأخِّرًا، بعد أن وقع الفاس بالراس، ولاتَ ساعة ندامة، جرّبوا التّكفير عن ذنوبهم، اعترفوا بمكرهم وغدرهم، قِلّةٌ من أصحاب العمامات  المُزَيّفين، يا شايف الزّول يا خايب الرّجا، كأنّ الأخطل الأوّل عناهم حين قال:
  ذهبتْ قُرَيْش بالسّماحة والنّدى     والّلؤمُ تحتَ عمائم الأنصار!
 البعض مارس المعاصي واعتلى النّواصي، حرّض وَتَعَرّضَ وافترض، لكن العتمة ما طِلْعِتِتْ عا قدّ إيد الحرامي، وأتى أشباه مُسيلمة الكذّاب  ويهودا الإسخريوطي وَشَبَتاي تْصفي وقبّلوا المصلوب  متنازلين عن الثّمن الموعود، وردّد العبد على مسامعهم بألم ومرارة: لحظة غَدر ضاع العُمر، وْسِكّين تِطعَن بالظّهر، تحْمِل صبر، بَسّ القَهر إنّك ما تعرف مين عَمْ يُضربك سكّين... ولكنه عرف عن كثب مَن هم الطّاعنون طَعنًا وَسِنًّا، ومهما تفاقمت الملاحقات العشوائيّة، وازدادت شراسة السُّلطان، إلاّ أنّ سوس الخشب يبقى مِنْهُ وَفيهِ، والإختفاء تحت العمائم الملمّعة! البيضاء النّاصعة والحمراء القانية،لن يُخفّف من كَذِب اللسان وَجَور الإخوان.
رئيس حزب (المعسكر الصهيوني) آبي جباي، مغربيّ الأصول،عبّر عن الفساد المنسوب لرئيس الحكومة قائلًا: والدتي الأمّيّة كانت تقول بلهجتها المغربيّة عن هيك فساد: (يا عيب الشّوم)! وهذا ما ينطبق على طُفيليّينا تمام الانطباق!
*خفيفا الظّلّ والثقيلٌ:كانوا ثلاثة، اثنان تسابقا على الأدب والقِيَم والأخلاق، والثّالث لم يكتفِ بالطّمع والجشع، بل انتهك حرمة البيت وأصول الأدب واللياقة، كأنّه (تَحْصيل دار)، دائرة إجراء،معه أمر من المحكمة بالتّفتيش الكلّي،دون حاجة لمرافقة أفراد الشّرطة، وأنّه يعيد مآثِرَ طُفيل الكوفي الذي أوصى ابنه عبد الحميد قائلًا: اذا دخلتَ عرسًا، فلا تَلْتَفِتْ تَلَفُّتَ المُريب! وتخيّر المجالس، فَإن كان العرس كثير الزّحام فَأْمُرْ وَانْهَ، ولا تنظر في عيون أهل المرأة، ولا في عيون أهل الرّجل...، وأنْشَدَه ُشِعرًا:
لا تَجْزَعَنَّ مِن القري       ب، ولا من الرّجل البعيد
وَادْخُلْ كأنّكَ طابخٌ         بيدَيْكَ مِغْرَفَةُ الثّريد
مُتَدَلِّيًا فوق الطّعا             مِ تَدَلّيَ البازي الصّيود
لِتَلُفَّ فوق الموا             ئد كلَّها لفَّ الفهود
وَاطْرحْ حياءَكَ إنّما           وَجْهُ المُطفّلِ من حديد
وَتَنَقَّلَنَّ على  الموا             ئد فِعْلَ شيطان مَريد
 رأيتُ الخجلَ على ملامح خَفيفَيّ الظّلّ، وكأنّي بهما يعيدان لمسامعي بعض ما غَيّباهُ عن الطّمع والجشع والتّطفّل: أطفل من ليل على نهار ومِن شَيب على شباب! للجحيم ثلاث بوّابات: الشّهوة والغضب والجشع. كحمار السّوء إن أشبعتَهُ رمح النّاس وإن جاع نهق.مَن لَزِمَ الطّمع عُدِمَ الورع. وختما بما جال في  خاطرَيهما تخاطرًا:
تُعطي الأعمى  العَيْنَين فيُطالبُكَ بالحاجِبَين!

السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع