قصة
الطوفان (8)


محمد نفاع


**قرار الهيئات
جاء الضابط الذي كان ضيفا عند احد المضيفين لهم، ومَرّ شيخ بسيط طيب، ووضع يده على كريمته، ونحن نقول عن اللحية كريمة: من شان هالدّقن جمعة الجاي عِرْسُه. فما كان مني إلا أن هتفت: شعرة من كريمتك أحسن منهم كلهم، مع سيل عَرِم من الشتائم المنتقاة. بعدها تقرر في هيئة من هيئات الحزب انني انجررت إلى استفزاز مخطط ومدروس، ونحن نحب الحديث عن المؤامرة حتى صار الأمر مبتذلا، وغالبا يكون الحق معنا..


من قديم الزمان وسالف العصر والأوان، للنساء دور معتبر في دبِّ النخوة والحمية والشجاعة في الرجال، في الحروب الكبيرة والصغيرة والطوشات قبل انشودة هند: نحن بنات طارق، نمشي على النمارق، الدرّ في المخانق، والمسك في المَفارق، إن تقبلوا نعانق، او تدبروا نفارق. قُتل حمزة ونهَشت كبده، وجاء في الحديث: لو انها ابتلعت ما نهشته لدخلت الجنة، فما كان من أحد المستمعين المحبين للجنة إلا أن هتف من قحف رأسه وصماصيم قلبه: اللهم اطعِمنا من كَبد حمزة. وسأل سائل: ماذا يشتغلون في الجنة؟ ويقول المجيب: ما شغلهم إلا في افتضاض الأبكار، وأكل فواكه الجنة، وزيارة الاخوان على نجائب الياقوت. لهم قدرة عجيبة على ذلك لا تنضب، والأبكار كثيرات هناك، ويبدو انها نعمة.
وهذه الجازية ام محمد أخت السلطان حسن بن سرحان ووطفا بنت الأمير ذياب بن غانم وغبون بنت أبو زيد صاحب المكر والكيد وغيرهن من العامريات العماريات يغنين للفرسان حتى كان النصر حليفهم على البرذويل بن راشد والسركسي بن نازب وشبيب التبعي وبدريس السميدع وابو بشارة العطار والزناتي خليفة، قد يكون هذا هو السِّر في قلة انتصاراتنا في العصر الحديث.
وأنا، وأعوذ بالله من قولة أنا، جرّبت هذا الأمر وانتصرت على واحد وآحاد من القوم الظالمين، كان ذلك بعد حزيران، وتموز أحسن من حزيران، من أيام صلاح الدين وحطين إلى ارض الكنانة والعراق ولبنان، جاء شرطي كدر الوجه في سيارة بلون بول البقر ومعه تبليغ لأحد الرفاق يُمنع بموجبه دخول المناطق المحتلة او المدارة او المناطق، او "يوش" اختصار يهودا والسامرة، وكذلك إلى غزة والجولان، وأنا كنت هناك، وأهل المكان مقبلون على عرس، وعشرات كثيرة من النساء يساعدن في الإعداد والاستعداد للفرح، والأشغال كثيرة، ليست كما في تلك الجنّة، تحضير القدور والزَلف والصحون والكفاكير وجلِيها، وفَرْد جريش الكبة، وتوزيع الطحين على الخبازات، وعَمل المواقد، وفحص الكفاية من الرز والفلفل والبصل والكثير من البهارات وتجميع بلاطات الكبة والدّقاميق، والشرطي سرّي مرّي ويسأل عن الرفيق، فما كان مني إلا أن تدخلت وتصدّيت:
- حط التبليغ وسَكْتِر من هون حاجي رايح جاي، فما كان منه إلا أن شتمني لأنني أتدخل في شؤونه وأعرقل عمله، فما كان مني إلا أن اختطفت ورقة التبليغ ورميتها ودعستُ عليها، وهي ورقة رسمية باسم الدولة، والدولة دولة، معشر النساء تركن العمل، وتكرمن بالالتفات إلي، وأنا لا أعهد في نفسي شجاعة إلى هذا الحد، كلا، لست جبانا أبدا، لكن وجودهن هناك دَبّ النخوة والشجاعة اكثر مما هو مطلوب، فشتمته هو وكل أقاربه، وقبعتُ الرتبة القماشية من على كتفه ودعست عليها، قد تكون الرتبة عتيقة مهلهة مثل بعض الأعلام التي يتعاقب عليها الليل والنهار والحرّ والقَرّ والرياح الشرقية والزوابع فتبهَت وتكشَح وتتشرتَح، ويبدو ان أبو شْريتح في بلاد ترشيحا ومعليا وعرب الزنار وعرب سَبلان وقلعة جدّين وبلاد الجيرة هناك مأخوذ من الشرتحة والمشَرْتح، او أن تكون القوة دبّت في يدي. وهو ساكت إلى حد ما، أرادت واحدة ان تفزع لي وتساعدني فزجرتها بغضب، ولسان حالي يقول: وجودك هنا يفي بالغرض والمطلوب، وكنت قد تعلمت: في المكان الذي لا يوجد فيه رجال اجتهد لتكون رجلا، واذا لم أكن أنا لنفسي فمن لي، وإذا ليس الآن فمتى، وهذه ترجمة عن العبراني، انا الآخر كنت مقبلا على الزواج في تموز، شهر الانتصارات، سألني الشرطي:
- خَلّصت!!
- آه، خلّصت
- إطلع على السيارة، أنت معتقل.
وجاء الضابط الذي كان ضيفا عند احد المضيفين لهم، ومَرّ شيخ بسيط طيب، ووضع يده على كريمته، ونحن نقول عن اللحية كريمة:
- من شان هالدّقن جمعة الجاي عِرْسُه.
فما كان مني إلا أن هتفت:
شعرة من كريمتك أحسن منهم كلهم، مع سيل عَرِم من الشتائم المنتقاة.
بعدها تقرر في هيئة من هيئات الحزب انني انجررت إلى استفزاز مخطط ومدروس، ونحن نحب الحديث عن المؤامرة حتى صار الأمر مبتذلا، وغالبا يكون الحق معنا، فانظر بربّك إلى دورهن في معركة الصمود والتصدي.
اللحى الكريمات قلّت اليوم عندنا، لأن رجال الدين منعوا المتدين الملتحي من سياقة السيارة، لماذا لست أدري.
كانت تلبس فستانا أخضر مدعوكا، وهي تساعد في التحضير للعرس. العزّامات يلبسن أبهج الثياب، فساتين ملونة وقنابيز مخمل، قامة ممشوقة، ووجه عِفيّ يضحك إله ولحالُه. وشعر مفروق في النُّص، والفسخ ابيض، وعيون شُهل، وأنامل طويلة شلبية، وزنود ضاحكة ربيعية.
- بترفع الراس!!
فرفعت رأسي ليقع نظري على جبهتها وخدودها وثغرها وعنقها، هي أطول مني، وهذه مشكلة، الصحيح انهم في المعتقل ردوا الصاع صاعين وأكثر، جاء مضيف الضابط واسطة خير وقال: قدّم الاعتذار واخرج، جمعة الجاي عِرْسك.
- لا أعتذر وليؤجل العرس.
سمّوك دقماق دُق، وكل عودِه وفيها دخان، وهل وقف الأمر عند هذا الحد!! عندما جاءوا ليسلموني تبليغًا، كانوا ثلة كاملة، وقالوا:
هو معرّض لأن يُهاجم!! فرفعت رأسي اكثر، لكنها ظلت أطول مني، وأشلب بِكثير بكثير، بعد رَدَح من الأيام، رُحت أعزِم أنا وإياها على عرس، والعزّامة يقسّمون البلد إلى حارات ومواقع محددة بالبيوت، حتى لا يُنسى أحد بلا عزيمة، اليوم يعزمون من مكبر الصوت، دعوة عامة إلى عموم أهل بلدنا الكرام، أبو ... يدعوكم للمشاركة في تأهيل – او زفاف – ولده ... نأمل تشريفكم وعقبال لِمعاوِز عندكو.
ودعوة خاصة للنساء لسهرة وصمدة وطلوع العروس: دعوة عامة إلى نساء وصبايا بلدنا الكريمات...
في أحد البيوت وجدنا الباب مفتوحا ولا احد هناك، لا أحد أبدا، رغم الدّق على الباب، ومناداة مين هون، يا صحاب البيت، ولا من مجيب، لكن الباب مفتوح، كان السطو معدوما في تلك الايام، والدنيا أمان، دخلنا وتطلعنا في بعض مع بعض، وأية قبلات وشمّات وضمات، الحياة مسارقة، التودد اليهن واجب، ولليوم ندعو لذلك البيت بالعَمار، وإن غاب أهله فلوقت قصير فقط.
- سقالله ايام العزيمة من البيوت
- راحت هذيك الايام يا حسرتي
الشرطي مات. قررت أن نلتقي وأقرأ لها هذه الكلمات، فهي لا تقرأ ولا تكتب، كان تعليم البنات ممنوعا حتى لا تكتب مكتوبا لصحيبها. وكأن الصُّحبة والحب لا تكون الا عن طريق المكاتيب او العزيمة على العرس.
نحن في اوائل تشرين الثاني، وأكوام الغيوم معرمة بلون لهبي، الغيم مْحرْحج يمكن الدنيا شتاية. للغيوم في تشارين رونق خاص، بعضها أزرق داكن يميل إلى السواد، مقطعة تبدو كالسفن والطائرات ومخلوقات غابرة تتلاعب في الخيال، وحول القمر دائرة متقنة واسعة تطوقه ببهجة، وهو يشع بانبساط ومرح، وأحيانا تكون السماء منمّرة، حومات صغيرة عالية عبيّة بيضاء، ركّبتها الرياح في تلك الأصقاع سبحان الخالق، أخذنا عنها العُنْزة المنمّرة، بقع بيضاء على جسم أسود، او سوداء على جلد أبيض، وفي خلّة النمر، عاش نمر مرقّط كنا نسمعه يَزْمُر، والبعض سمعوه وهو يغزل، وعنه أخذ القِط هذا الرَّدْن في لحظات السعادة وهَداة البال خاصة في ليالي الشتاء قرب النار، القط نمر صغير، في جسمه وصوته وهو يغزل ومشيته، وكيف لا تتجمّد تلك البقع من الغيم في الأعالي، وتظل تتغير وتتكون تحت رحمة الرياح المشربكة المبعثرة الهابّة في كل الاتجاهات. وتنير السماء من علامات الشتاء، بعد شتوات تشارين تقبّ الغريبة التي كانت غافية في الأرض، أعداد وأنواع هائلة من الأعشاب، ولكل منها اسم وتفصيل وطعمة خاصة منها المُر والحلو والحَرّاق، منها الناعم والشائك، تشارين عِزّ الوسم عليه، ينبز اللوف والدردار والشرشار والوحواح والخافور والقَرّان والحفحاف طلع الوحْواح هَيّي عودَك يا فلاّح، تُشق الأرض في أتلام عميقة محزّزة مخططة لتروي وتشبع مَيّ قبل كانون فحل الشتا، ويزهر الطيون بأغصانه الممشوقة ولونه الأصفر، غذاء النحل في هذا التِّرم، قبل الشتاء يضبّون مساطيح الزبيب من عنب صُبعين العروس، ويفرطون الجوز واللوز، ويدبّسون العنب المدوّر، ويعقّدون السفرجل الأصفر الناضج الفوّاح، ودبس البندورة الحامض الزاهي من البندورة البلدية الحمراء والزهرية، مؤونة الشتاء كالنمل والنحل، الناس في سوريا والعراق واليمن وعندنا مشغولون عن بدائع الكون، وجنة الكون، باليتم والثكل والدمار، والدم المالح غير ملح الأرض المهشمة والمنمرة بالقبور الصغيرة والكبيرة، رؤوس أينعت وحان قطعها بالسيوف والسكاكين، والريح تنقل الحشرجات وطلوع الروح والنواح وشهقات الموت،
أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقة
 ويسكت محزون ويندبُ سالي
موجات إثر موجات من الدم، تُنسي النسيان، وطلقات تخنق الطليقة. وافتضاض الأبكار في جنة الربيع العربي، ولا يأتي الطوفان، لأن هذا لا يدخل في باب الفِسق.
(يتبع)


السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع