عجبتُ لماذا لا نخرج ونصنع الثورة!

د. يعلاه رعنان


//وحشية الرأسمالية
لوتش يعرض في فيلمه "أنا دانيال بليك"  مصدر وحشيّة الرأسمالية بوضوح تام؛ انعدام إنسانيّة النظام الذي من المفترض أن يدعم المواطنين ويهتم بهم. نظام يمر بعملية خصخصة. يتعامل مع البشر ببرود. وقدرة السكان على توفير الطعام والمأوى لأطفالهم تعتمد على كرامات أولئك الذين يتلقون الأوامر من مشغليهم بعدم تقديم الخدمات للمحتاجين وحرمان المعوقين والمعيلات الوحيدات من المخصصات. وهنا في إسرائيل، الأمور ليست متشابهة، بل متطابقة تمامًا.



في الأسابيع الأخير قرأت كتاب يانيس فاروفاكيس "بالغون في الغرفة"، الذي شغل منصب وزير المالية في اليونان حينما قام الاتحاد الأوروبيّ "بإنقاذ" اليونان من الإفلاس. يكشف الكتاب عن معلومات واقتباسات من داخل غرف وجلسات صناع السياسات الاقتصاديّة في العالم، وكيف قرروا تحميل عبء وثمن أخطاء البنوك في أوروبا على كاهل المواطنين الأكثر فقرًا في اليونان.
وفي الفترة نفسها قرأت كتاب ها جون تشانج "23 شيئا لا يكشفونها لنا عن الرأسمالية"، الذي يستعرض فيه 23 "بديهيّة" رأسمالية، على غرار أهمية السوق الحرة للنمو الاقتصاديّ في الدولة المستضعفة. وفي الأسبوع نفسه شاهدت فيلم "أنا دانيال بليك" للمخرج البريطانيّ الاشتراكيّ كين لوتش الحاصل على العديد من الجوائز. يروي لنا الفيلم قصة شخصيتين: النجار دانيال بليك، الذي يصاب بحادث عمل تسبب له بأزمة قلبية ولم يعد قادرًا على العمل؛ وقصة الأم العزباء ريتشيل مع طفليها التي تصارع مثل بليك أجهزة الدولة البيروقراطيّة.
لم تتساقط دموعي خلال مشاهدة الفيلم فحسب، بل كنت أبكي وانتحب بصوت عال. كان واضحًا لي أنها مجرد مسألة حظ أن لا أنهي حياتي مثل إحدى شخصيتي الفيلم. الكتابان والفيلم هما وجوه مختلفة للطريقة الرأسمالية نفسها: الوحشية، الأكاذيب والقوة بيد المسيطرين على الاقتصاد، والمعاناة الفظيعة لعامة الناس، والتلاعب بهم وسلبهم حتى من إنسانيتهم، بأحجام يعجز عن وصفها.
منذ خمس عشرة سنة وأنا أدرّس في الأكاديميا عن أكاذيب أصحاب القوة، عن المعاناة التي يخلفها ذلك للمجتمع.  هذه الأمور ليست جديدة بالنسبة لي. مع ذلك، فإن كتاب فاروفاكيس يوضح بشكل حاد كلبيّة ومصالح أصحاب القوة (وهذه المرة في أوروبا نفسها)، وجهوزيتهم لترك أمة كاملة تعاني الفقر والجوع، ودفع الكثيرين إلى الانتحار، وكل ذلك بغية إرضاء ناخبيهم اليمينيين. يوجه فاروفاكيس اصبع الاتهام بشكل مباشر نحو انجيلا ميركل، وفي الوقت نفسه فهو يتهم  جميع صناع السياسات الاقتصاديّة. فبدل ترك البنوك عديمة المسؤولية كي تنهار، قاموا بتزويدها بمبالغ طائلة من الأموال، تلك الأموال التي كان من الممكن أن تنقذ اليونان من الدمار الاقتصادي الرهيب الذي فرضه الاتحاد الأوروبيّ عليها. لكن القيادات الأوروبيّة اختارت إنقاذ البنوك وليس اليونان. وكل هذا تم بوعي وبوحشية وبالخداع.
كتاب تشانج أكثر "خفة"، فهو لا يثقل علينا بالاقتباسات من غرف الاجتماعات، لكنه يقدم لنا تحليلًا نظريًا واضحًا عن أكاذيب الرأسمالية. الشر في كتابه لا وجه له. أما في فيلم "أنا دانيال بليك" فوجه وحشيّة الجهاز الرأسماليّ شديد الوضوح. أم عزباء، تقوم بعملها بإخلاص وتفان، لكنها تضطر في النهاية إلى بيع جسدها لتوفير الطعام لأطفالها. لوتش يعرض في فيلمه مصدر الوحشيّة بوضوح تام؛ انعدام إنسانيّة النظام الذي من المفترض أن يدعم المواطنين ويهتم بهم. نظام يمر بعملية خصخصة. يتعامل مع البشر ببرود. وقدرة السكان على توفير الطعام والمأوى لأطفالهم تعتمد على كرامات أولئك الذين يتلقون الأوامر من مشغليهم بعدم تقديم الخدمات للمحتاجين وحرمان المعوقين والمعيلات الوحيدات من المخصصات.
وهنا في إسرائيل، الأمور ليست متشابهة، بل متطابقة تمامًا. من مشاهدة فيلم "طريقة الشكوشكا" ومسلسل "طبق الفضة" حصلنا على لمحة كيف تجري الأمور هنا. وشاهدنا كيف تعمل الكنيست في العقد الأخير على إعادة جدولة ديون يتسحاق تشوڤا، وليڤ ليڤيڤ، ونوحي دانكنر وفيشمان. "جدولة الديون" هي عبارة تسميل (تلطيف) لعملية سرقة أموال التقاعد الخاصة بالمواطنين ومنحها لأصحاب البنوك وأقطاب الاقتصاد. فقبل عقدين سن قانون يلزمنا بإيداع أموالنا في صناديق التقاعد تلك. وبعد نحو عشر سنوات سنجد أنفسنا مضطرين للعيش من الفتات الذي تركوه لنا في تلك الصناديق. وعندها قد نواجه هنا موجة من الانتحارات عندما لا نجد ما يكفي من المال لشراء الطعام وتدفئة منازلنا. وهذا ما يحدث هنا في دولتنا؛ الدولة التي تقرر أنه يكفي 2300 شاقل في الشهر لذوي الإعاقات؛ الدولة التي تقرر أيضًا أنه يكفي 1300 شاقل للمسنين؛ الدولة التي تخصخص جهاز التعليم وجهاز الرفاه. تعمل هذه الدولة وسعها كي لا نتوحد ولا نعارض سياستها عبر سياسة "فرق تسد"، وعبر صرف الأنظار من القضايا الاقتصادية إلى قطاع غزة وإيران. دولة تعمل على هدم كل إمكانية لتضامن المواطنين.
أعلّم في كلية ساپير، مما يوفر لي فرصة كشف أكاذيب المؤسسة الرأسمالية. يتعلم هنا في الأساس طلاب يهود من الضواحي، من عائلات فقيرة، تربوا على أكاذيب الرأسمالية. تعلموا على اتهام الفلسطينيين والعرب بكل مشاكلنا. خلال الفصل التعليمي أنجح بفضح حيل وأكاذيب الرأسمالية، ولكن ثمة صعوبة في الكشف على العلاقة بين تلك الأكاذيب والتحريض على العرب.
كيف نشرح للطلاب وغيرهم أننا نشجع الحرب على غزة باسم تلك الأكاذيب الرأسمالية. سكوتنا يجعلنا شركاء لصنّاع الحروب وصنّاع السياسات الاقتصادية. هم يستفيدون من الحروب ويدبرونها لتحويل أنظارنا كي يتسنى لهم مواصلة استغلالنا واضطهادنا. هم يتمتعون على حسابنا نحن، وبالذات على حساب سكان غزة. أجلس أحيانًا على شرفة بيتي المطلة على خان يونس، أفكر في معاناة السكان هناك خلف الجدار والثمن الذي ندفعه نحن لخدمة مصالح الرأسماليين وأكاذيبهم.
فمتى سيأتي اليوم ونخرج إلى الشوارع لصناعة الثورة؟

السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع