بعض المؤامرات الأوروبية التي سبقت وعد بلفور


الياس خليل نصر الله



سبقت وعد بلفور عدة مشاريع من قبل دول أوروبية والتي يثبت عرضها وتحليلها مؤامرات أوروبية سبقت وعد بلفور بان دوافعها وأهدافها، سيطرة هذه الدول على بلادنا بدعمها عودة اليهود اليها من اوروبا، لكي تصبح لديها قاعدة وقوة لخدمة وحماية مصالحها.


//جذور المخططات
تعود جذور المخططات البريطانية للسيطرة على فلسطين بفكرة العمل لتهجير اليهود اليها الى القرن السابع عشر، والتي بدأت مع دعوة" بينان" (قِس انجليكاني من أصل يهودي) بدعوته لضرورة تواجد نفوذ بريطاني في فلسطين بدعمها عودة اليهود اليها. ويساهم في حينه بتعزيز هذا التوجه المنظر الانجليكاني" ادوارد ستيث" (انجليكاني يهودي الأصل)، بدعوته النشطة والمتحمسة من منطلقات قومية مغلفة بالدين، بتشجيع هجرة بني اسرائيل الى فلسطين، لإقامة " مملكة اسرائيل"، لأنها ستتفانى في خدمة وحماية المصالح البريطانية.


** المشروع الروسي:


شعرت الملكة كاترينا الثانية أن بقاء اليهود في إمبراطوريتها، قد يتسبب لها بمشاكل داخلية، والتي ربما تهدد الاستقرار في دولتها، فدفعها هذا التفكير للتوجه الى أقوى مستشاريها" بوتمكين" ليجد لها حلا لهذه المشكلة. توصل بوتمكين في حينه بأن الحل الانسب لروسيا، إغراء اليهود بالرحيل الى فلسطين ليصبحوا رأس جسر للنفوذ القيصري، الطامح بالوصول الى المياه الدافئة وموطئ قدم في الامبراطورية العثمانية. الا ان هذا المشروع لم يخرج الى حيّز التنفيذ لعوامل متعددة لا مجال لمعالجتها في هذه المقالة.
ومع قيام الحركة الصهيونية، ينجح هرتسل بتفويض من المؤتمر الصهيوني الخامس (١٩٠٢) بالاجتماع بوزير داخلية روسيا في حينه (فون بوليفيه) ليؤدي تداخل المصالح بالحصول على وعد قيصري (موجه من وزير الداخلية الروسي الى هرتسل) جاء فيه: "ما دامت محاولات الحركة الصهيونية تأسيس دولة في فلسطين، وتنظيم هجرة اليهود الروس اليها، فالحكومة الروسية تحبذ ذلك وتدعمه، وستواظب على دعمها معنويا وماديا، اذا استمرت بتقليل أعداد اليهود في روسيا". كما تضمنت هذه الرسالة بأن روسيا، تتعاطف مع الحركة الصهيونية اذا ثابرت على تهجير اليهود الروس الى فلسطين. وستساعدها في حماية ممثليها امام السلطان وستعمل على تسهيل نشاطات جمعيات التهجير، وتقدم لهل الدعم المالي من الضرائب التي ،تجبيها روسيا من اليهود. (التآمر الروسي استمر بعقد المعاهدة السرية "سايكس بيكو، سيزنوف" والتي فضحها مرسوم السلم من قبل الثورة البلشفية – الثورة الاشتراكية العظمى).


**مشروع نابليون *:


أدركت بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، بشكل خاص، في القرن الثامن عشر،أهمية فلسطين على جميع المستويات، فمنها من نظر إليها على أنها طريق مهم يربط المستعمرات ببعضها بعضاً كبريطانيا وفرنسا، ومنهم من وجد فيها أرضا مقدسة يتم من خلالها كسب تأييد المسيحيين في العالم ومنهم من رأى أنها بوابة لعلاقات جيدة مع الامبراطورية العثمانية.
في أواخر القرن الثامن عشر بدأت فرنسا وبريطانيا تفكران مليا في السيطرة على فلسطين، وتوسيع امتيازاتها فيها. وتذكر المصادر التاريخية أن نابليون أول سياسي أوروبي ينادي علانية بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود "ورثة أرض إسرائيل الشرعيين" الذي صدر في نيسان 1799م (اثناء حصاره عكا). وَمِمَّا جاء في هذا البيان: "دعوة جميع يهود اسيا وافريقيا للقدوم والانخراط تحت ألويته، معلنا ان احتلاله القدس قد هيأ لهم الظروف لنيل حقوقهم.... خاصة عندما شاءت العناية الإلهية مع جيشي الذي لا يٌقهر، ان يٌوصلني وإياه الى هذه الأماكن.... يا ورثة فلسطين، إن الأمة الفرنسية العظيمة تناديكم لإستلام ميراثكم، الذي نجحت باسترجاعه، لتبقوا فيه بضمانة الأمة الفرنسية، بشرط أن تصبحوا حٌماتها ومناصريها.....بادروا وعجلوا فقد حانت ساعة خلاصكم."
اختلف الباحثون في موقفهم حول حقيقة هذا المنشور، فمنهم من صدق بان نابليون قام بنشره، ومنهم من أثبت بأنه منحول، وهو ليس الا فبركة بريطانية يهودية تعود لفترة متأخرة. الا ان بعض باحثي هذا الموضوع يفترض ان نابليون قد فكر فعلا بإعادة تجميع يهود الشتات في المنطقة، ليصبحوا رسلا فيها للثورة الفرنسية. ويربطون ذلك بتأثير مقال نشره أخوه"لوسيان"، في نيسان عام ١٧٩٨ (اي قبل الحملة على مصر بعشرة أشهر). واقترح فيه على يهود العالم المشتتين والمظلومين، بالتوجه الى فلسطين.... حاملين معهم ذهبهم وأموالهم، لا لكي يطوروا الاقتصاد والتصنيع فحسب، انما دفعهم ثمن حماية فرنسا لهم في فلسطين، وتحمل عبء مصاريف احتلالها للمنطقة.
 إذًا يمكن ان تكون الدوافع لهذا الوعد رغبة نابليون تجنيد اليهود وأموالهم في حروبه ضد بريطانيا. بعد فشله الحربي في بلادنا وعودته الى فرنسا دعا نابليون الطوائف اليهودية في المستعمرات الفرنسية، للحصول على المواطنة الفرنسية، وايضا عقد السانهدرين (المحكمة العليا للأمة اليهودية)، وإقامة دولة يهودية في المنفى لحين احتلال فلسطين. ويفرض المفكر اليهودي موسى هس، أن فرنسا كانت أمنيتها باتخاذ نابليون هذه المواقف "ان ترى الطريق الى الهند والصين، يسكنها شعب على أٌهبة الاستعداد لأن يتبعها حتى الموت".
كان وعد نابليون لليهود نواة التفكير اليهودي،بإعادة ما يسمونه "الدولة اليهودية".
 فبعد هذه التجربة التي خاضوها مع نابليون وفشلهم في تحقيق أمانيهم أدركوا أن فرنسا لن تقوم لها قائمة بعد هزائم بونابرت فانتقلوا إلى دول أخرى على رأسها بريطانيا.


** المشاريع البريطانية:


تعود جذور المخططات البريطانية للسيطرة على فلسطين بفكرة العمل لتهجير اليهود اليها الى القرن السابع عشر، والتي بدأت مع دعوة" بينان" (قِس انجليكاني من أصل يهودي) بدعوته لضرورة تواجد نفوذ بريطاني في فلسطين بدعمها عودة اليهود اليها. ويساهم في حينه بتعزيز هذا التوجه المنظر الانجليكاني" ادوارد ستيث" (انجليكاني يهودي الأصل)، بدعوته النشطة والمتحمسة من منطلقات قومية مغلفة بالدين، بتشجيع هجرة بني اسرائيل الى فلسطين، لإقامة " مملكة اسرائيل"، لأنها ستتفانى في خدمة وحماية المصالح البريطانية. ان هذه الدعوات في هذه المرحلة جندت قوى استعمارية بريطانية والتي رأت الأهمية لعودة اليهود الى فلسطين لا بدافع خدمة القضية اليهودية، انما بانشاء قاعدة وقوة في بلادنا تخدم استراتيجية بريطانيا. ونجد"بالمرستون " وزير خارجية بريطانيا (وفيما بعد رئيس وزرائها) في القرن التاسع عشر، يؤكد، ذلك،في رسائله، بضرورة تشجيع بريطانيا، تحقيق هجرة اليهود الى فلسطين، وتأسيسهم فيها" ملكية استراتيجية" كإجراء يخدم اولا وأخيرا المصالح البريطانية. ونجده ينفي اي تأثير وإنعكاس للأبعاد والقيم الانسانية والعقائدية لعودة اليهود الى فلسطين. و بعث عام ١٨٤٠ مذكرة الى سفيره في الآستانة يشرح له ضرورة قيامه بإقناع السلطان التركي بالفوائد المالية ومراقبة اليهود للتحركات المعادية للسلطان( خاصة محمد علي) بتشجيعه ودعمه هجرة اليهود الى فلسطين. ونجده يشدد في نهاية مذكرته على ضرورة إقناع السلطان بوجود مصلحة حيوية له في تبني الوعد المقطوع الى يهود اوروبا بالعودة الى فلسطين، لأن ذلك سيؤدي ويضمن التنمية الاقتصادية السريعة، في المنطقة، بفضل هجرة اليهود اصحاب الأموال.الا ان هذه الرغبات لم تكن الظروف في حينه ناضجة لتحقيقها.
بعد فشل محاولات، تحقيق خطوات عملية لعودتهم الى بلادنا، لم يعد يٌذكر هذا الموضوع إلا في الصالونات الاجتماعية، الفكرية اليهودية، واستمر كامنا ردحا،حتى ظهور هرتسل على مسرح الأحداث الذي بدأ بالتحرك سريعا لاستغلال الظروف العالمية وانتهاز فرصة ضعف الدولة العثمانية والمباشرة في إقناع زعماء أوروبا والسلطان العثماني بتشكيل دويلة صغيرة في أي مكان في العالم، ولم تكن فلسطين في حينه في سلم أولياته، انما تخليصهم من شتاتهم.
 فيكتب في مذكراته بهذا الشأن:
"سأتفاوض أولا مع قيصر روسيا بخصوص السماح لليهود الروس بترك البلاد، ثم أتفاوض مع قيصر ألمانيا، ثم مع النمسا، ثم مع فرنسا بخصوص يهود الجزائر، ولكي يكون لي اعتبار في البلاطات الأوروبية يجب أن أحصل على الدعم لمشروعي. نجح هرتسل بإدراك الفكرة الكامنة لدى الزعامة السياسية والمالية في اوروبا، بإقامة دولة يهودية في بلادنا، ستنطلق اولا، بنجاحه تنظيم القوى اليهودية، وخاصة اصحاب الرساميل، وتهجيرها الى فلسطين، لتقوم بتوفير قاعدة اقتصادية وتنظيمية، قادرة على تلقيه اوامر وتنفيذه الخدمة لمصالح الإمبريالية الغربية وزعامة الحركة الصهيونية". فوجد ضالته هذه في أفكار "هشلر" اسقف انجليكاني من فيينا، والذي روج في كتابه "عودة اليهود الى فلسطين" بأن المشروع الصهيوني هو "مشروع إلهي" وان العمل على تحقيقه يستجيل تعاليم التوراة. ونجح هذا باستغلال علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاء لهرتسل مع القيصر الألماني (فيلهم الثاني) وايضا السلطان عبد الحميد الثاني. نجح هذا القس باستغلال علاقاته مع كبار المسوؤلين الألمان بأن يقنع إمبراطور ألمانيا بإرسال خطاب الى هرتسل جاء فيه: "إن صاحب الجلالة، على استعداد تام، لمناقشة قضية توطين اليهود في فلسطين مع السلطان.... وأنه قد أصدر الأوامر لموظفيه لتذليل كل العراقيل التي ستواجه وفدها في اسطنبول.كما يخبركم جلالته انه على استعداد لتولي مسؤولية" الذود عن"محمية يهودية" في حالة تأسيسها."
هدف الإمبراطور الألماني بتدخله هذا من منطلق اعتقاده بأن ألمانيا ستستفيد كثيرا من الرأسمال اليهودي، كتقدير منه لهذه المساعدات التي قدمتها ألمانيا للحركة الصهيونية. نجح قيصر ألمانيا بترتيب لقاء لهرتسل مع السلطاني العثماني عبد الحميد الثاني في الآستانة، عام ١٨٩٦،واقترح هرتسل على السلطان مبلغ عشرين مليون ليرة تركية مقابل الحصول على فلسطين، رفض السلطان هذا الاغراء: لأنه لا يستطيع بيع قدم واحد من فلسطين لانها ليست مُلْكا له، انما ملك امبراطورية الشعب التركي.
رغم فشل هذه المحاولات لم ييأس "هشلر"، فنقل محور نشاطاته لدعم هرتسل الى بريطانيا، حيث نجح عام بترتيب لقاء بين هرتسل وبلفور. وكانت الأرضية لهذا التقارب ناضجة بفعل ازدياد اهتمام بريطانيا بفلسطين خاصة بِعد شق فرنسا قناة السويس، وتوجسها من خطر التقارب العثماني الألماني على مصالحها، وتلبد غيوم حرب عالمية في الأفق. فأصبحت بريطانيا مصممة ومقتنعة بضرورة ضمان سيطرتها على قناة السويس، بإقامة دولة يهودية في فلسطين لأهمية موقعها الاستراتيجي، وبشكل خاص قربها من قناة السويس. وتصريحات اللورد " شافستبري عام ١٨٧٩، المناصر المتحمس لتخليد الاستعمار، تؤكد هذا التوجه إنها ضربة لانجلترا إذا استولت أي من الدول التي تنافسها على سورية.
فإمبراطوريتها التي تمتد من كندا في الغرب إلى استراليا في الجنوب الشرقي، ستُقْطٓع إلى قسمين وعلى انجلترا أن تصون سوريا لنفسها وان تهتم السياسة البريطانية بتنمية شعور اليهود القومي، ومساعدتهم لبناء وطنهم القومي بعد عقد مؤتمر بازل(١٨٩٧) في سويسرا، والتطورات الحاصلة على الساحة الدولية توفرت الظروف التي تفرض على بريطانيا تسريع عمليات التحضير لإقامة دولة يهودية في فلسطين لتصبح أمينة على حماية مصالحها، في الشرق. ومن المستحيل تحقيق ذلك اذا لم تحصل بريطانيا على صك انتداب على فلسطين، وتنفيذ مخطط تمزيق اماني العرب بالاستقلال، بتقاسمه بين إنجلترا وفرنسا بالأساس (جرى تنفيذ ذلك في معاهدة سايكس بيكو السرية" ١٩١٦"، مؤتمر سان ريمو"١٩٢٠"، صك الانتداب، ومصادقة عصبة الامم عليه عام " ١٩٢٢").
 ان نشر بريطانيا عام١٩٥٢وثيقة سرية لبلفور من عام ١٩١٩، تكشف أهداف ومخططات ومصلحة حكومة بريطانيا بدعم قيام دولة يهودية تسهر على خدمة مصالحها مهما كان ثمن ذلك. فيكتب بلفور فيها: "ليس في نيتنا حتى مراعاة مشاعر السكان الفلسطينيين.. ولا يهمنا سواء كانت الصهيونية على حق، أم على باطل، جيدة أم سيئة.... انما المتجذر فينا إهتمامنا، بمصالحنا واحتياجاتنا الآنية والمستقبلية وهذه بالنسبة لنا تفوق رغبات وميول السبعمائة ألف فلسطيني الذين يسكنون الآن هذه الارض القديمة. كما أوصي "اذا كان للصهيونية ان تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم، لإقامة الدولة التي نرغب بها، فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود... كما أنه من الضروري ان نوفر ونضمن لها السيادة على القوة المائية التي تخصها، حتى ولو امتدت لتشمل الاراضي الواقعة شرقي الاْردن.


السبت 11/11/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع