توفيق كناعنة - الختيار الذي لا يمكن تزوير تاريخ أجياله


د. علي بدارنة



توفيق كناعنة! أيها الختيار الذي لم تمت أجياله..
أو ربما أيها الختيار الذي لا يمكن تزوير تاريخ أجياله..
أو ربما كما قال رفيقك/رفيقنا محمد نفاع: أيها "الشاب الذي يدعي أنه ختيار" لم تمت أجياله.
علّمنا الديالكتيك انك تستطيع ان تكون كلهم. وهذا التميز في احتواء عطاء الشاب من ناحية وخبرة الختيار من ناحية أخرى،  معا في شخص واحد، ليس مفهوما ضمنا.
رفيقاتي ورفاقي، الحضور الكريم!
قبل ما يزيد عن خمسة وثلاثين عاما اجتمعنا، مجموعة صغيرة من الشيوعيين الشباب، وبادرنا الى عقد  لقاءات فكرية وتثقيفية في نادي الحزب. وكنا بطبيعة الحال بحاجة لمعلم ومرشد.
هذه المهمة أخذها على عاتقه بدون تردد الرفيق توفيق كناعنة.
على مدار عدة لقاءات مسائية اجتمعنا حول طاولة مستطيلة في غرفة الحزب. كان الرفيق توفيق يأتي كل مرة مع تلخيص محاضرة جديدة. تناقشنا بأمور الساعة ونهلنا من تجربته ومن مخزونه الفكري عن  المادية التاريخية وفهمها للمجتمع، وعن المادية الديالكتيكية. تعرفنا على "نفي النفي" و"تحول الكم الى كيف" وفهمنا أن عملية التطور من الادنى إلى الاعلى لا تحدث الا بعد فهم التناقضات في الاشياء والظواهر. " فالتطور هو صراع الاضداد"، كما قال لينين.
عرفنا منذها ما هي البروليتاريا  وأدركنا ان الصراع الأساسي هو الصراع الطبقي وأن الاممية هي أسمى درجات الانسانية.
حتى لا أبالغ، ربما أدركت أنا شخصيا بعض هذه الأمور الفلسفية المعقدة لاحقا، خلال دراستي علم النفس والفلسفة في جامعة موسكو، ولكن البذرة الأولى زُرعت بكل تأكيد في تلك الأمسيات التثقيفية التي حَفرت في الذاكرة صورة جميلة تثير اليوم حنينا وأيضا.. شعورا بالحسرة.
فكم نحن بحاجة اليوم الى توفيقٍ جديد وطاولةٍ مستطيلة يجب اعادة بنائها بالذات الآن، بعد أن تطاولت عليها يد الظلام معتقدة، انها بالحريق المفتعل والمدسوس تستطيع اخماد النار الملتهبة منذ عشرات السنين.
لم يفهم  هذا الظلام،  أننا صرنا  "من لـفحِھا سمرُ".
حول هذه الطاولة المستطيلة صُقلت شخصياتنا كشيوعيين وفهمنا لماذا الأحمر هو نحن والمستضعَف هو رفيقنا والمضطِهد هو عدونا.
فهمنا أن حدود التاريخ والجغرافيا ما هي الا تفاصيل هامشية في هوية فكرية يجب أن يبرز فيها التناقض الاساسي الذي  لا دين له ولا لون ولا لغة. انه التناقض مع الاستعمار بأشكاله.
لكن اليوم وفي ظل التراجعِ الفكري والمد الظلامي، نجح من حاول تحويل الصراع الى داخل البيت، بين أبناء الشعب الواحد، ليولد صراعا يسمى "عنفا". عنف يحصد أكثر من ألف وبعض المئات.. عنف يدمر عائلات وييتم أطفالا ويرمّل نساء ورجالا ولا يميز بين ضحاياه.
حينها أدركنا كم زاد حبنا لهذا الوطن حبا،  وفهمنا أن الحفاظ على الهوية القومية والوطنية وتقوية ارتباطنا الطبيعي بشعبنا العربي الفلسطيني والدفاع عن حقه في التحرر والاستقلال وتقرير المصير، هو نتيجة لتكامل بين الحس القومي والفكر الماركسي اللينيني.
لهذا فان انتماءنا لهذا الوطن اليوم هو قويٌ وصلب وهو حقيقي لا يتغير أو يتلون ولا يتأثر بالدولار.
حول الطاولة المستطيلة عرفنا أيضا ان الفاشية ممكن أن تلبس ثيابا متنوعة، وتتكلم لغات مختلفة، واليوم نعرف انها تنطق أيضا لغات ساميّة.  لغات كان يجب أن تسمو، كاسمها،  بثقافتها وتكون راقية  برسائلها  وانسانية بحسها.  ولكنها باعت نفسها لأطماع أسيادها خلف المحيط وفي المنطقة، وتجردت من عفتها وشرفها وجاءت بمولود  بندوق أطماعُه تحرق أطفالا وتهدم بيوتا وتهجر شعوبا.
نعم.. الكف تلاطم المخرز. هيك تعلمنا منك يا "أبو ابراهيم" ومن رفاق دربك في عرابة عمر سعدي وابراهيم شمشوم أطال الله بعمرهما ومن طيب الذكر المرحوم فضل نعامنة..
الكفُ تنقبضُ وتدافعُ  والكف تحملُ هموم شعب وراية حمراء خفاقة.
وللأمانة.. فالكف عند الرفيق توفيق  تعرف أن تداعب أيضا رقاب الأحبة.
حول الطاولة المستطيلة تعلمنا من الرفيق "أبو ابراهيم" الصدق في المواقف والجرأة في طرحها. تعلمنا منه المركزية والديمقراطية وفهمنا ان لا وجود لشيوعي الا حازم وواضح وثوري ومواجه وصاحب موقف. فـ "الحياة كلمة وموقف.(كما قال تشي جيفارا) والجبناء لا يكتبون التاريخ. التاريخ يكتبه من عشق الوطن وقاد ثورة الحق وأحب الفقراء". فقط هكذا نحافظ على البيت الشيوعي وفقط هكذا يكون الحزب  قويا ومؤثرا ويكون عمودا فقريا صلبا فعلا، لا قولا، لجبهة ديمقراطية واسعة ومتكاتفة.
هل من الممكن السباحة ضد التيار والا تكون سمكة سلمون؟
اسألوا الرفيق توفيق كناعنة،  أبو ابراهيم.
إسألوه حين "أكعب" أول مرة وهو ابن الثالثة عشرة. (وأكعب هذه منه هو).  عندما انتعل أول حذاء حمى كفتي رجليه لتقف  وتصمد وتنتفض على الرجعية وعلى  النفسية المصدومة والمنتكبَة.
فقد "أكعب" حينها أيضا "الاتحاد" و"أكعب" الانتماء للتنظيم الشيوعي ولفكر ثوري طبقي واممي ماركسي لينيني يقوي صموده ونضاله.
وهكذا كان.. أكعب حذاء وفكرا.  رابط كاثوليكي وان شئتم سيامي لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
اسألوه حين انتفض ورفاقه عمر السعدي وابراهيم شمشوم وأخوه ورفيقه أبو هشام سليم الابراهيم وقادوا سنة 1954، وهم أطفال، اضرابا ومظاهرة طلابية مطالبين بالغاء ضريبة الرأس، والتي كانت انطلاقة لنشاطات احتجاجية في عدة مناطق، اثمرت في النهاية عن تحقيق الهدف في نفس السنة.
"كان من الضروري للبقاء في هذا الوطن، رفع حاجز الخوف لدى الجماهير"، يقول أبو ابراهيم. فقد كانت النكبة ما زالت تهدد تهجير من بقي،  والوطن قد أصبح سجنا كبيرا بفضل حكم العسكر.
إسألوه كيف وقف ضد التعصب العائلي والديني والرجعي،  وكيف وقف ورفاقُه  ضد هدم البيوت سنة 57 في عرابة.
إسألوه عن مظاهرة أيار المشهودة سنة 58 وعن سنوات السجن بعدها وعن وصفه بـ "سوس البلا" خلال التحقيق معه في مركز البوليس في عكا بعد أحداث يوم الأرض الأول.
لن أتوقف أكثر على مشاركات الرفيق توفيق ونشاطاته الحزبية والوطنية منذ أن احترف العمل الحزبي سنة 1965، لكني سأتوقف على زواجه من رفيقة دربه سنة 1970.
نعم رفيقة دربه.. فهي لم تقف خلفه ليكون "رجلا عظيما". بل وقفت الى جانبه زوجا وأبا وانسانا ورفيقا متواضعا مناضلا ومعطاء. "في الواقع ان اختياري لشريكة حياتي كان اختيارا موفقا جدا لانها كانت وما زالت تقبل بالواقع الذي نعيشه وبالامكانيات المحدودة التي كنت اعيشها  وقد ساعدني هذا من الناحية العملية كثيرا من اجل القيام بواجباتي الحزبية وفي كل المهام الملقاة على عاتقي في تلك المرحلة المليئة بالنشاط المكثف في مختلف الفروع وكذلك ساعدني بالحياة اليومية ".
الرفيقة سلوى أم ابراهيم.
وثمرة هذه الرفقة وهذا الحب ثلاث زهرات حمراء مستمرة بنفس الطريق: مها وابراهيم  ود. عبد.
"انني اعتز انه منذ سنوات شبابي الاولى ارتبطتُ في هذه المسيرة المشرّفة وما زلت، ولو خُيرت أن أبدأ حياتي من جديد وفي نفس الظروف التي عشتها في تلك المرحلة سوف اختار نفس الطريق المشرّف لهذا الحزب". يلخص أبو ابراهيم تجربته.
لم يكن الحزب الشيوعي في عرابة ليكون كما كان وكما سيكون  لولا الرفيق توفيق كناعنة، في صفوفه.
لم تكن الجبهة الديمقراطية في عرابة لتكون كما كانت في ماضيها وستكون في مستقبلها، لولا وجود الرفيق أبو ابراهيم بين مؤسسيها.
لم تكن عرابة عامة لتكون كما نعرفها الآن لولا الرفيق أبو ابراهيم.
فهو واحد من الذين أثروا وما زالوا على تاريخ عرابة وحاضرها وعلى مستقبلها.
لا بد في هذه الأمسية الا أن نستذكر شاعرنا طيب الذكر  توفيق زياد حين أنشد:
نحن أصحابُك فأبشر يا وطن
نحن عشاقُك فأبشر يا وطن
ننحتُ الصخر ونبني ونعمّر
ونلوكُ القيد حتى نتحرر
نجمعُ الأزهار والحلوى
ونمشي في اللهيب
نبذلُ الغالي ليبقى
رأسك المرفوع.. مرفوعا
على مرِّ الزمن
نحن أصحابك..
عشاقك..
فأبشر،
يا وطن  !!

رفيق توفيق، أبو ابراهيم!
الشعلة التي أضأتموها أنت ورفاقك قبل ما يزيد عن 65 عاما ستبقى،  مهما هدأ لهيبها.
شكرا على من كنت وعلى من أنت وعلى من ستكون.
كل عام وأنت بخير.

(الكلمة ألقيت في أمسية تكريم الرفيق توفيق كناعنة بمناسبة بلوغه الثمانين، والتي أقيمت في مركز محمود درويش الثقافي في عرابة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الاول 2017).

الأربعاء 11/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع