رحيل شموئيل موريه صاحب "بغداد حبيبتي: شجون وذكريات":
مسكون بنسيم دجلة ووشوشات نخيله


سمير حاجّ


**"عزّ بغداد"
يتحدّث موريه عن مغادرته العراق قسرا، وهو في الثامنة عشرة، عام 1951 ومجيئه إلى إسرائيل وعن معاناته، أسوة باليهود الشرقيين، حين وصوله إسرائيل، وانتقاله من حياة "عزّ بغداد" إلى العيش في الخيام والمعبرة والوقوف في طوابير الماء والخبز، والعمل الشاق في نقل أكياس الإسمنت والحصى للبناء، وكما يكتب: "وعندما حطّت الطائرة في مطار اللد بعد أن أنهكت أعصابنا برجاتها وهبوطها وصعودها جوّا في الدوامات والجيوب الهوائية فوق الأردن، استقبلنا موظفو الهجرة وبأيديهم رشاشات الدي دي تي، يرشونها على رؤوسنا وداخل سراويلنا.."


غيّب الموت الباحث وأستاذ الأدب العربيّ الحديث في الجامعة العبرية بروفيسور شموئيل موريه عن 84 عاما والذي بقي يحاضر، رغم خروجه للتقاعد حتى وفاته، وهو الحاصل على جائزة إسرائيل (أعلى وأرفع جائزة رسمية في إسرائيل) العام 1999.
كتب موريه الشعر والقصّة باللغة العربية التي رأى فيها الأمّ، بينما رأى في اللغة العبرية وهو اليهوديّ الزوجة، وردّد دوما أنّ الزوجة لا يمكن أن تحلّ محلّ الأمّ.
يعتبر موريه منجما غنيا من الأبحاث وهو من كبار الباحثين في الأدب العربيّ الحديث والمسرح العربيّ، خاصّة في حقل الشعر العربيّ الحديث، ففي كتابه موضوع أطروحة الدكتوراة في جامعة لندن:
Modern Arabic Poetry 1800-1970
The Development of its Forms and themes under the Influence of Western Literature.Leiden: E.J.Brill
الصادر عام 1976، والذي قام بترجمته إلى العربية الدكتوران محمّد شفيع السيّد وسعد عبد العزيز مصلوح وأصدراه بالقاهرة عام 1986 تحت عنوان "أثر التيارات الفكرية والشعرية الغربية في الشعر العربيّ الحديث 1800-1970" التفت موريه قبل غيره وكان سبّاقا في الاستنتاج أنّ الشعراء المهجريين العرب في أمريكا الشمالية بشكل خاصّ، فيما استحدثوا من أساليب وأشكال شعرية قد تأثّروا بترجمة التسابيح والمزامير والترنيمات المسيحية الإنجيلية المترجمة إلى العربية، التي طبعت منشوراتها في الجامعة الأمريكية، وكذلك بترجمة التوراة والإنجيل والشعر الأوروبي.
لقد صدر الكتاب ثانية بنسخة منقّحة عام 2004 عن دار كل- شيء في حيفا، راجعت ترجمتها وأشرفت عليها د.لبنى صفدي -عباسيّ. كما صدر بطبعة ثالثة منقّحة العام 2014 عن دار الجمل.
يشار أنّه في عام 1969 قام الأستاذ سعد مصلوح بترجمة مبحثين لموريه عن الإنجليزية
وهما "الشعر المرسل Blank Verse في الأدب العربي الحديث" و "الشعر الحرّ Free Verse في الأدب العربيّ الحديث: أبو شادي ومدرسته 1926-1946"، نشرا في مجلة معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن،وأصدرهما عن دار عالم الكتب في القاهرة، تحت عنوان "حركات التجديد في موسيقى الشعرالعربيّ الحديث". وقد أشاد مصلوح في مقدّمة الكتاب إلى عمق البحث وحداثته وموضوعيته، كما أشار أنّه لم يعرف بداية هوية المؤلف، ولكن حين استفسر وعرف أنّه باحث يهوديّ وأنّه محاضر في الجامعة العبرية ودرس في جامعة لندن أصرّ على إصدار الكتاب، معلّلا ذلك "ولكني قد ازددت إيمانا بضرورة تجنّب هذا الموقف السلبي الذي يكتفي بالهروب، كما ازددت حرصا على أن يظهر هذا الكتاب،ليتاح للمشتغلين بالدراسات الأدبية في العالم العربي أن يطلعوا على نموذج من الدراسات التي يقوم بها الباحثون اليهود في مجال الثقافة العربية.وإذا كان هؤلاء يحاولون التعرّف علينا،واستكشاف ملامح شخصيتنا بالمثابرة على دراسة ثقافتنا وأدبنا، فلا أقل من أن نتعرّف على طريقتهم في التعرّف، وأن نستكشف طريقتهم في الاستكشاف وهذا أضعف الإيمان.
وإنّي لأتطلّع مخلصا إلى اليوم الذي يتولى فيه المتخصّصون منا إخراج دراسات عميقة وشاملة عن ثقافة أعدائنا وفكرهم وأدبهم، فهذا هو الطريق العلميّ الذي لا بديل له للنصر عليهم ".
وفي دراسته حول المسرح الحي والأدب الدرامي في القرون الوسطى في البلدان العربية الصادر باللغة الإنجليزية تحت عنوان
Live Theatre and Dramatic Literature in the Medievel Arabic World, Edinburgh and New York, 1992
والذي ترجم إلى العربية من قبل عمرو زكريا عبدالله، وصدر عن دار الجمل عام 2014،تحت عنوان " المسرح الحي والأدب الدراميّ في العالم العربيّ الوسيط "، فنّد شموئيل موريه رأي المستشرقين والباحثين العرب القائل بأنّ العرب لم يعرفوا المسرح البشريّ في العصور الوسطى بل عرفوا خيال الظلّ، وأثبت موريه أنّه كان للعرب مسرح حي في القرون الوسطى. وقد علّل موريه استنتاجه أنّ المستشرقين لم يفهموا النصوص العربية في المسرح العربي، فمثلا لم يميّزوا بين المصطلحين :
1. خرجوا في الخيال : أثبت أنّ معناها " قاموا بتمثيلية قصيرة مرتدين ملابس تلك الفترة".
2. وضع خيال الظلّ : وجد موريه أنّ مصطلح " خيال" كان منذ العصر الإسلاميّ الأوّل يعني تمثيل أو ركوب "الكرج" أي الحصان الخشبيّ،الذي كان الممثّلون يقلّدون فيه كرّ الفرسان وفرّهم. وحين جاء المسرح الظلّي من الصين وأندونيسيا والهند، أضاف العرب إلى كلمة خيال التي تعني تمثيل كلمة ظلّ، أي ظلّ الدمى التي تنعكس على الستارة، وهكذا نحتوا هذا المصطلح "التمثيل الظلّي"، ولم يفهم الباحثون العرب هذه المصطلحات و "ردّدوا كالببغاوات " كلام المستشرقين.
في هذا البحث يكون موريه قد قام بحلّ أحد ألغاز الحضارة العربية في القرون الوسطى. كما اتهم موريه المستشرقين الأوروبيين بالعنصرية تجاه العرب، لقولهم بعدم وجود مسرح عند العرب من منطلق السامية التي رأت بالعرب أنّهم محدودو العقلية. وقد أشار موريه أنّه بدأ بدراسة يعقوب صنوع فوجد أنّه يذكر "المحبظين" كما أنّ الجبرتي، ذكر "المحبظين" بأنّهم كانوا يقومون بتمثيليات في القرن السابع عشر.
لقد كتب الدكتور عطية العقاد حول إثبات موريه أنّ العرب عرفوا المسرح البشريّ في العصور الوسطى " والحقيقة أنّ موريه ببحثه هذا قد عرّى عورتنا النقدية وأظهر قصورنا واستسهالنا التعامل مع مصطلحاتنا النقدية القديمة، فمحدثونا الذين تعرضوا لهذه المصطلحات لم يحاولوا إدراك غير المعنى العام الذي توحي به،ولذلك ذهبت معظم تلك المجهودات أدراج الرياح لأنّها أوقفت نشاطها على المعاجم اللغوية التقليدية فقط " (جريدة مسرحنا 14 مارس 2011).
وفي كتابه عن المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، حياته،أعماله، المخطوطات التي خطّها بيده، ومكانته في التاريخ المصريّ، الصادر عن جامعتي أكسفورد ومانشستر عام 2014 تحت عنوان:
The Egyptian Historian 'Abd al-Rahman al-Jabarti:His
Life,Works,Autographs,Manuscripts and the Historical Sources of 'Aja'ib al-Athar ,Oxford University Press,2014
يقوم موريه بتحقيق تسجيل وقائع المؤرخ المصريّ عبد الرحمن الجبرتي للأشهر الستة الأولى من الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798.اعتمد موريه في تحقيقه وتمحيصه هذا، المخطوطة الأمّ لكتاب الجبرتي " عجائب الآثار في التراجم والأخبار " التي تصل صفحاتها حوالي 2600 صفحة والتي خطّها الجبرتي بيده والمحفوظة في مكتبة جامعة كمبردج،كما قارنها مع طبعة بولاق المعروفة من عام 1879،ووجد أنّ طبعة بولاق تختلف عن نسخة الجبرتي الأمّ بحيث إنّ النسّاخ قاموا فيها بـ "تصحيح قواعد اللغة" وتغيير بعض نصوصها من النقيض إلى النقيض،وانّها نسخت بعد وفاة الجبرتي. وقام موريه في تحقيقه، بإضافة فهرس عام للأعلام والرتب الإدارية والعسكرية والمباني والعلوم والمصطلحات الحربية والإدارية والدينية والاجتماعية والأدبية والجغرافية،كما وضع قاموسا خاصا بالمصطلحات،لأنّ كثيرا من الكلمات لم تعد مفهومة.
كما اهتم موريه بأبحاثه بالنتاج الشعريّ والنثريّ ليهود العراق بشكل خاص، واليهود في البلدان العربية، واعتبره غصنا من شجرة الأدب العربيّ، وقام بنشره عن طريق "رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق" التي رأسها، كما قام مشاركة مع الباحث الأستاذ فيليب سادجروف من جامعة مانشستر،بتأليف ونشر كتاب عن دور اليهود في المسرح العربي في القرن التاسع عشر.
كما كتب بالإنجليزية مشاركة مع بروفيسور بتريشيا كارون من جامعة برينستون، كتاب الغرباء The Book of Strangers,Medieval Arabic Graffiti on the Theme of Nostalgia،الذي يتمحور حول النوستلجيا في الأدب العربيّ إبان العصور الوسطى.
يتحدّث موريه في مقدّمة ديوانه" تلك أيام الصبا" (1998) الذي كتبه بالعربية، عن مغادرته العراق قسرا، وهو في الثامنة عشرة، عام 1951 ومجيئه إلى إسرائيل وعن معاناته، أسوة باليهود الشرقيين، حين وصوله إسرائيل، وانتقاله من حياة "عزّ بغداد" إلى العيش في الخيام والمعبرة والوقوف في طوابير الماء والخبز، والعمل الشاق في نقل أكياس الإسمنت والحصى للبناء، وكما يكتب:
"وعندما حطّت الطائرة في مطار اللد بعد أن أنهكت أعصابنا برجاتها وهبوطها وصعودها جوّا في الدوامات والجيوب الهوائية فوق الأردن، استقبلنا موظفو الهجرة وبأيديهم رشاشات الدي دي تي، يرشونها على رؤوسنا وداخل سراويلنا وينظرون إلينا بوجوه جامدة غير مبالية بتحياتنا باللغة العبرية وبلهجة عراقية، ولا بتقبيل بعضنا الأرض المقدسة، في مطار اللد، سرورا بعودتنا إلى أرض الميعاد. ثمّ نقلونا بشاحنات الحمل إلى معسكر الحجر الصحيّ في "شاعر هعليا" (ص14). كما يشيد بدفاع الجيران المسلمين في العراق عن اليهود إبان أحداث الفرهود "وكان الفرهود قد أظهر معدن النبل لدى كثير من الأصدقاء المسلمين الذين دافعوا عن جيرانهم اليهود، ويرى البعض أنه لو لم يحم هؤلاء المسلمون الكرام اليهود البغداديين مخاطرين بحياتهم من أجل حماية جيرانهم اليهود، لكان عدد القتلى أضعافا مضاعفة. وكان من بين هؤلاء المسلمين الأفاضل أبو علوان بائع الحليب الذي كان يربّي البقر في البستان الواقع أمام دارنا في البتاويين، وهو الذي حذر والدي في يوم الفرهود من مغادرة دارنا إلى مكان عمله، في مركز بغداد التجاريّ قرب شارع السموأل وبذلك أنقذه من القتل. ثمّ جاء إلينا أبو علوان،الذي كان يعمل بستانيا عندنا ويتعهد حديقة دارنا، في ظهر يوم المذبحة وكرر تحذيره من مغادرة الدار وقال : "لا تخافون ترى آني محاميكم". ثم أبرز سكينة كبيرة كان يخفيها في عبّه ليؤكّد لنا حرصه على سلامتنا ودفاعه عنا. ولحسن الحظ لم يهجم الرعاع على محلة البتاويين التي كان معظم سكانها من اليهود الأغنياء" (ص 21).
كتب موريه الشعر والقصة باللغة العربية وبدأ ينشر نتاجه وهو في العراق، في الصحف العراقية. كما أصدر مذكراته،التي نشرها على حلقات في صحيفة "إيلاف"، عن مكتبة كل – شيء في حيفا عام 2012 في كتاب حمل عنوان "يهود العراق- بغداد حبيبتي..ذكريات وشجون" بأسلوب غنائي عاطفيّ وبأسى شفيف،عبر فيه عن شوقه وحنينه الذابح إلى بغداد ونسيم دجلة ووشوشات النخيل، وافتتح مذكراته المكتوبة بالعربية، بقصيدة من تأليفه، بعنوان "قالت لي أمي، والأسى في عينيها" يقول فيها:
قالت لي أمي: ظلمونا في العراق،
وضاق المقام بنا يا ولدي،
فما لنا و "للصبر الجميل"؟
فهيا بنا للرحيل!"
وعندما بلغنا الوصيدا،
قالت لي "يا ولدي لا تحزن،
اللي ما يريدك لا تريده"
همست: "يا حافر البير"
"بربك قل لي لهذا سبب ؟"
ورحلنا...
وقبل رحيلها الأخير،
قالت لي أمّي،
والقلب كسير :
"أحنّ إلى العراق يا ولدي،
أحنّ إلى نسيم دجلة
يوشوش للنخيل،
إلى طينها المعطار
إلى ذيّاك الخميل،
بالله يا ولدي،
إذا ما زرت العراق
بعد طول الفراق
قبّل الأعتاب
وسلّم على الأحباب
وحيّ الديار
وانس ما كان منهم ومنّا!"


السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع