المثل الشعبي كنموذج للابداع في الأدب الشفهي


إلياس خليل نصرالله


** مرآة صادقة

المثل الشعبي هو توصيف وتعبير ونعت شفهي لإحساس، معاينة، تجارب شعب معين في كافة المجالات خلال مراحل تاريخه. يعتبر المرآة الصادقة للثقافة الشفهية المنقولة لشعب معين. انه ملخص ما تحمله الذاكرة والثقافة الشعبية من قيم، أنماط تفكير، معتقدات ممارسات فردية وجمعية. والمثل الشعبي هو آلية تأقلم وتبرير لواقع او تجربة معينة من ناحية،أو توظيف تجارب الماضي المتداخلة مع حاضرنا لتساهم في عمليات تأقلمنا،تسويغنا وتغلبنا على مشاكل، تحديات ومعضلات واقعنا من ناحية أخرى.


المثل هو عبارة عن قول مأثور، يتضمن نصيحة شعبية، حقيقة عامة، أو ملاحظة تجربة، موقف داعم او معارض لعادة، سلوك اجتماعي. المثل الشعبي هو أحد مكونات الثقافة الشفوية، إنه عٌصارة تجارب حياتية عاشها أسلافنا،والتي شكلت صورة صادقة لواقعهم بمركباته، تعقيداته وصراعاته
المثل الشعبي هو توصيف وتعبير ونعت شفهي لإحساس، معاينة، تجارب شعب معين في كافة المجالات خلال مراحل تاريخه. يعتبر المرآة الصادقة للثقافة الشفهية المنقولة لشعب معين. انه ملخص ما تحمله الذاكرة والثقافة الشعبية من قيم، أنماط تفكير، معتقدات ممارسات فردية وجمعية. والمثل الشعبي هو آلية تأقلم وتبرير لواقع او تجربة معينة من ناحية،أو توظيف تجارب الماضي المتداخلة مع حاضرنا لتساهم في عمليات تأقلمنا،تسويغنا وتغلبنا على مشاكل، تحديات ومعضلات واقعنا من ناحية أخرى.
تتميز الأمثال الشعبية، بالتناقض والتضاد، وهذه الظاهرة منوطة بكونها مستمدة من جدلية بالحياة المتغيرة والمتضادة باستمرار. وهذا ما نجد تفسيره في الفلسفة المادية - الديلكتيكية في مقولة وحدة وصراع الأضداد، وبما ان المثل الشعبي هو ابن الواقع،فمن الطبيعي ان يعبر عن الحياة بكل مكوناتها وتناقضاتها، ليصبح رصدا للحياة بكل أبعادها وديناميتها وصيرورتها. وعليه يمكن ان نجد لكل مثل تقريبا نقيضه، لكونه مستمدا من تناقضات الحياة.سأكتفي بطرح مثل شعبي واحد ونقيضه في موضع الخنوع والاستسلام : الكف ما بلاطم مخرز، "ونقيضه،هو الكفاح والتحدي لاطفال الحجارة بتشبثهم بمثل: "ما بِفِلْ الحديد الا الحديد".
الميزات الاساسية للمثل الشعبي: شموله كل مظاهر الحياة الشعبية وتعبيره بإيجاز عن همومها، فكرته واقعية، كلماته سهلة،دقته في التشبيه، وقْعه الموسيقي،، حمْله رسالة وقُدوة، سرعة تداوله، تحدثه بصراحة لكونه على الغالب مجهول المصدر، لغته عامية. لذا صدق ابن المقفع بمقولته: " اذا حصل الكلام "كمثل" كان أوضح للسمع، الحديث والمنطق." اما ابن الأثير، فيؤكد وظيفته وأهميته بذكره:"الحاجة إليه شديدة ولذا لم يضع الشعب الأمثال إلا لأسباب أوجدتها،وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور كالعلامة التي يعرف بها الشيئ لغته عامية.
ستلج وتتمحور مقالتي هذه في موضوع أساسي في خطاب مثلنا الشعبي وهو العلاقة بين الحماة والكنة بحيث زخم وكثرة الأمثال التي أبدعها هذا الموضوع والتي عبرت بعمق عن أبعاد وتناقضات هذه المعضلة، ووظِفَتْ بدقة لتوصيفها بكل تناقضاتها-هناك مواضيع أخرى أفرزت أمثالا شعبية كثيرة وأخص منه بالذكر شجرة الزيتون لكونها من المصادر الاساسية في حياة الفلاح الفلسطيني.
وسأوظف خطاب المثل الشعبي لعرض وتحليل طبيعة، بنيوية وأبعاد صراع الكنة والحماة في مجتمعنا الفلسطيني، من منظور، أن الذاكرة والحنين للماضي وسبر أغواره، يُحفزنا لاسترجاع وتحليل ما كان عليه أسلافنا في حياتهم الاجتماعية، عاداتهم، تقاليدهم وأمثالهم. وتؤكد الأمثال المرتبطة بهذا الموضوع، بأنها كانت انعكاسا لتشكيلة اقتصادية،اجتماعية وتربوية، والتي استمدت صيرورتها وشرعيتها من العيش في مجتمع زراعي، أبوي، فرض حتمية العيش في إطار ودائرة العائلة الموسعة.
وكان من الحتمي أن تفرز بُنية هذا المجتمع وقاعدته الاقتصادية، مفاهيم، قيما،عادات وتقاليد تخدم استمراريته، ديمومته ونجاحه بالقيام بوظائفه.ومن الطبيعي أن ينجم عن العيش في عائلة ممتدة، ظاهرة الصراع الحاد بين الحماة والكنة، والذي لم يترك حيّز وتوزيع الوظائف والسلطة فيه،أية إمكانية لترك العائلة، لتفادي هذا الصراع، لأنه سينجم عن هذه الخطوة، البقاء بدون أرض ومسكن.
لقد أدى احتدام وتأجج الصراع بين الكنة والحماة والسلفات، لإبداع أمثال عكست هذه المعضلة بكل أبعادها واسقاطاتها. ولقد تقلص هذا الصراع وخفت حدته بفعل تغيرات كثيرة حصلت في مجتمعنا، ليصبح الكثير من موروثنا الثقافي، مجهولا للكثيرين. لكن دراسة وفهم ماضينا - وهنا - من خلال الأمثال الشعبية لصراع الكنة والحماة،سيساهم في بناء وبلورة حاضرنا ومستقبلنا. لكن علينا الحذر من الانجراف مع أحلام الماضي والعمل لعودتها، كما هو حال الكثيرين في عالمنا العربي.
أرفض السجود للماضي واستعباده لنا، لكونه يتنافى مع فلسفة ونهج جدلية الحياة، والتي تتميز بديمومة التغيير من الأدنى للأعلى ومن البسيط للمعقد، وأن التراكمات الكمية ستؤدي في مرحلة معينة لطفرة تنفي القديم،لتحل مكانه الظاهرة الجديدة، بفعل أن القديمة قد فقدت مقومات ومسوغات وجودها وبفعل أن الحياة بطبيعتها في تغير مستمر. وهذا العرض والتحليل لصراع الكنة والحماة في تراثنا الشعبي الشفهي هدفه - أن نفهمه ونتفاعل معه - من خلال ربطه بحيثيات مرحلته، ليقنعنا بانعدام إمكانية عودته لفقدان مقومات وجوده من ناحية،وليزودنا ببوصلة تساعدنا في أن ننتقي منه كل ما يساهم في زخم وقوة دفع مجتمعنا نحو التقدم الحداثة والرُقي. مما سيقنعنا بضرورة نفي ونبذ سلبياته من خلال إدراكنا" أنها ناسبت زماننا غير زماننا.فشعبنا مطالب بالتعرف ودراسة ماضيه، تراثه، بعقلانية منفتحة، غير متزمتة ومجترة، لأن ذلك سيعزز وشائج حبه وتعلقه بوطنه، وتضحيته للدفاع عنه والتجذر في ترابه. وأذكر كل الحالمين بإرجاع الماضي بأنهم يرقصون وراء الريح، ولن يجنوا سوى الدمار والتخلف.
إن مضامين امثالنا الشعبية في هذا الموضوع تعكس عمق الصراع المأزوم بين الحماة والكنة.
هذه الظاهرة كانت انعكاسا لطبيعة العلاقات الاقتصادية، الانسانية، الاجتماعية، والأخلاقية الاسرية والظروف المعيشية.
هذا الصراع كوني الا أنه كان مألوفا وشائعا في مجتمعنا التقليدي بفعل وتأثير بُنية مجتمعنا التقليدي، الأبوي والذي ارتكز على العائلة الموسعة، والتي كانت تضم ثلاثة اجيال يعيشون تحت سقف واحد، يأكلون على طبق واحد. وكان الأب في هذه العائلة هو المالك المطلق لكل شيء، الارض، الدخل، السلطة المطلقة، ومن تسول له نفسه عدم الامتثال لأوامره سيجد نفسه مُشردا. وفي مبنى عائلي كهذا ستكون السلطة بين الإناث لزوجة الأب. انه من الطبيعي في واقع كهذا ظهور الصراع بين الحماة والكنة واحتدامه. ان محركات ذلك ترتبط بعوامل: التملك، السيطرة والخنوع والغَيرة والحسد. بما ان الحماة تستمد سلطتها من سلطة زوجها، فإنها تتوقع بل تفرض عَلى كنتها الخضوع الأعمى لها، وستواجه الكنة التأنيب، الإهانة والإذلال من حماتها،لأتفه تصرف لا يُعجب الحماة، وحتى افتعال الخلاف لتجد مبررا للمس بها. وعليه كانت إمكانيات التفاهم والتفهم بينهما ضئيلة وعلى مضض. وتعكس امثالنا عمق هذا التصدع بينهما واستحالة رأبه أو جسره بهذا المثل:" اذا تفاهمت الحماة والكنة،ابليس بدخل الجنة" أو،قول الحماة: "لو كانت الكنة فُلة بتبقى على القلب غمة"( او الكنة غمة،ولو انها نزلت من الجنة). ان المحرك الأساسي لهذا الواقع، احساس الحماة كما نوهت سابقا،بأن الكنة قد سلبتها ابنها فلذة كبدها والتي عانت سهر الليالي في تربيته، وهذا رد فعل له ما يفسره، اذ نجد الابن المتزوج يرجح علاقته مع زوجته، ورغبة زوجته بان يصبح مُلْكا لها. تؤدي هذه التغيرات وخاصة حين تكون في غير مصلحة الحماة للمماحكة، تراشق الاهانات والتنكيد والتحريض وحتى الاعتداء. ونجد الحماة كيدها يقودها، لطلب المستحيل من كنتها بان تشرب "مما يرشحه الإبريق" أو بقولها لها:
"صحيح لا تكسري، ومكسور لا توكلي،وكلي تتشبعي،" او المس بها بطريقة غير مباشرة "بحكي معك يا جارة، تتسمعي يا كنة"، او "الوجه وجه حنة والقفا قفا كنة". او مكتوب على باب الجنة "عُمْر حماة ما بتحب كنة". ونقف ايضا على ظاهرة غيرة الام وبناتها نتيجة تدليل الزوج لزوجته - وكانت تتفاقم تتأزم وتتأجج العلاقات بينهما اذا كانت زوجة الابن جميلة او قوية الشخصية- مما سيؤدي لتعمق المشاحنة بينهما وحياكة المكائد ضد الكنة. فيوظفن كل طاقاتهن لتجنيد كبير العائلة ضد الكنة، بادعاء بانها تمرمر حياتهن تتآمر عليهن وتحط من قيمتهن، ومثلنا الشعبي نقل هذا الواقع بقوله: "الحماة حُمى، بناتها عقربة مسمة، والشيخ الكبير عمره ما بدخل الجنة".
كما ان مثلنا الشعبي عبّر عن هذا التوتر والغيرة والحسد بقوله: "حسدتني حماتي على طولي وقُصر عباتي"".
إن غالبية الأمثال الشعبية في هذا الموضوع، تُرسخ شكلا واحدا للعلاقة بين الحماة والكنة وهو الكراهية المتبادلة والاحتراب المستعر. لكن في حالات معينة كانت تخبو حدة هذا الصراع،أو تُطمس اذا كانت الكنة تنجب الذكور فقط، وأكد ذلك مثلنا الشعبي بقوله: "أُم البنت مسنودة بخيط وأُم الولد مسنودة بحيط". كما نجد إزدواجية قيمية في تعامل الحماة مع كنتها وزوج ابنتها،وينعكس ذلك بقولها لإبنتها: "قومي جنْبْ زوجك دفيه، بينما تقول لزوجة إبنها: إبعدي عن إبني خنقتيه".
كانت تجري محاولات لتسوية الخلاف، حصره، أو التخفيف من حدته بتدخل الوجهاء، فنجدهم يتوجهون للحماة بتغيير مواقفها تجاه كنتها رفقا بتعامل الحماة مع بناتها في المستقبل، اوبتذكيرها بانها كانت كنة وتحملت العناء، فترد عليهم بصلافة " ُنْت كِني ونسيت". لقد كانت الحماة بشكل عام تعامل كنتها باستعلاء وفوقية. فعليه كانت تعتبرها مجرد متعة لابنها، خادمة لها، يتوجب عليها القيام بكل مهام المنزل، وأن تكون مطيعة وخانعة. لذا نجد الحماة توجه النقد لكنتها المقصرة بقولها:"إليّ نايمة على ظهرها ما بتستاهل مهرها".
وجرت طقوس لتؤكد إذلال وخنوع الكنة لحماتها، بأن تقوم ليلة زفافها بالمرور من بين قدمي حماتها، وتقبيل يديها وطلب الرضى منها.
وتؤكد أمثالنا ان الصراع كان أشد حدة، اذا كان الزواج من ابن العمة والخالة، لأنهن قاسيات في معاملتهن لزوجة الابن، بحجة أنها مِش غريبة وعارفة البير وغطاه. ومثلنا الشعبي يعكس ذلك بقوله: "أردأ الحموات العمات والخالات".
رغم القيم التربوية التي كانت سائدة، وهي الطاعة، الاحترام والامتثال، الا أن الكنة كانت تشعر كإنسانة أن للصبر حدودًا. وطبيعي أن ترد على مماحكات ودسائس واستعلاء حماتها .ولقد عبرت أمثالنا الشعبية عن ردود فعلها ومواقفها الدفاعية لمواجهة حماتها بقولها: "الكي بالنار ولا حماتي في الدار". او بلسعها حماتها بقولها" على ابنها حنونة وعلى كنتها مجنونة". كما كانت تحذر زوجها من سلبيات إهانتها بقولها له: "الي بقول لمراتو يا عورة تشمت فيها العميا والعورة"( أو بتلعب الناس فيا الكورة). وآخر سلاح كانت ستستعمله هو اللجوء الى بيت أهلها بقولها: "الي رأسها بجوعها صيت أبوها بنفعها".
لكن امثالنا الشعبية في هذا المضمار تؤكد تفوق الحماة على الكنة بفعل الواقع الذي كان لمصلحة الحماة، ويؤكد مثلنا ذلك بقوله: "مرْكب الحموات سار، ومركب الكناين إحتار".
إن التغيرات التي حصلت في مجتمعنا، خاصة نمط العيش في عائلة نواتية، تغيير مصادر الدخل، الفردية، انخراط النساء في سوق العمل وغيرها من العوامل، حمل معه تقليل تفشي هذا الصراع. لكن يمكن ان يؤثر على تواجده اليوم عدة عوامل منها: السكن في نفس المبنى او الحوش، عدم تفكك ارتباطات القرابة الأعم، عدم نضوج الابن ليتحرر من قيود أمه ( إبن أمه) فتؤدي هذه العوامل لتوتر وتأجيج العلاقة بين الكنة والحماة، خاصة اذا اتسمت شخصية إحداهن بنزعة التسلط، وعدم تجاوز معضلة بقاء الحماة هي الكابوس للكنة، والكنة هي خاطفة أعز ما تملكه الحماة.
واخيرا هذا الصراع طبيعي وله ما يبرره، أدت التغيرات الحاصلة في مجتمعنا لتقلصه. وتنبأ مثلنا الشعبي بحتمية عدم اختفاء وزوال هذا الصراع بقوله:" عمر الحماة ما بتحب الكنة ولو كانت من حور الجنة". ويكون رد فعل الكنة:"دايما حماتي بتتمنى مماتي".

السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع