قصة:
الطوفان


محمد نفاع


"تلال بعيدة تلوح هناك من نواحي بنت جبيل وخلة وردة ووادي حجير" (في الصورة)



سرقوا كنوزنا
لماذا لم يرسم رسامونا العرب في الزمان الذي غرَب فاطمة وعزّة وليلى وبثينة وعائشة وزينب، تشاطروا فنحتوا هُبَل وأساف وودّ ورضا ونائلة، لا تنقص المهارة، هناك فيض منها، توت عنخ أمون وعشتار.... وأبو الهول.. تحرّك أبا الهول فقد تحرّك كل شيء حتى الحجر. سرقوا كنوز العراق والكنانة وبلاد الشام وهذا أبعد ما يكون عن الفِسق، ولا يحتاج الى طوفان.





- 3 –
لماذا طرقت أبواب شولوخوف!! لأنه كتب قصة – ابن حرام – ولأنه ابن حرام في وصفه للأرض ومن ,ما عليها، كأنه مربي دجاج وحلاّب بقر، كأنه راعي غنم، يعرف كل انواع الفِطر، السائغ منها والسام، وحرث الارض وحصاد القمح والجودار، ولأنه قال: عند تقييم الرجل، الأسنان ليست شيئا اساسيا، وضد من يغرف الماء الى طاحونة الأعداء، وأن تضرب البومة بالقُرمة او القُرمة بالبومة نفس الشيء...
أبو حسن من بلاد صبرا وشاتيلا وقانا ومرج الزهور وتل الزعتر، ومن بلاد خلة وردة وبنت جبيل وعديسة ومارون الراس ووادي حجير يقول: فقدتُ أخويَّ الإثنين اللذين استشهدا، وفي سنة 2006 استشهد ابني حسن على بعد نصف متر مني ونحن نقاتل وراح يواسيني ويطلب الاستمرار في القتال، وبعد ثلاث ساعات فقط عرفت عن استشهاد ابني علي، اما ابني الآخر والأخير فقد استشهد في حلب، وبقيت انا وزوجتي وهي بنت عائلة وطنية شريفة، فقدنا ابراهيم في حلب. حطت ذاكرتي على هذه الكلمات الكبيرة مع اطلالة تشرين الاول اكتوبر، الفجر يلثم الليل ويمسد على وجهه، والبيوت نائمة مبعثرة منشورة على التلال والخلات وأكتاف الجبال، والوعر الذي احترق بقسوة مدمرة فظيعة في العام الفائت يتململ من بين الخراب ويتوشح بمشحات خضراء يانعة تقبّ من الأرض المحروقة لتعود الى ما كانت عليه، الى الزمان الاول، بسمات على الوجه الغاضب المتوجِّع، ونسمات تشرينية طرية تهدهد الورق المصفر في مشوار الوداع، بعض الورق لا يتحمل هذه المداعبات والرجات، يترنح ويرتمي، ليعود في الموسم القادم، وشهداء هبّة تشرين يرقدون في الارض، ارض الأم والأب والأجداد والأحفاد، وسيارة يلمع نورها على الخط الشمالي، وطير يرحب بالفجر ويوقظ النيام، وفنجان القهوة يُهبّل والنجوم تغور.
غارت الشُهب بما او ربما
 أثّرت فينا عيون النرجس
وتلال بعيدة تلوح هناك من نواحي بنت جبيل وخلة وردة ووادي حجير، خلة وردة منبوتها الغار، وأبناء شعب الله المختار يحرقون الغار، من الجو والبر وأبو حسن يضم ابنه من خلال النار والدخان، وحرّ تموز وآب، حسن يسلم الروح ليس بحتف أنفه، والغار كذلك، وهذا غير مشمول في باب الفِسق، ولا جحافل المتربصين المنتظرين الداعمين كأنك تحكّ لهم على بيت جرَب من عرب وإفرنج في استقدام الربيع العربي. كلما اغتالوا رئيسا في لبنان يشكلون محاكم دولية ويوجهون الاتهام الى اخوة وأبناء ابو حسن وخلة وردة وهذا ليس فِسقا والعم سام رجل شريف، وصاحبة الجلالة المحفوظة المتضايقة، صاحبة الجلالة نسيت فضل سلطان بني عثمان وصنعت ربيع سايكس بيكو.
ويغني جيلبرت بيكو ابن بلاد الغال للطفل الضائع بلا أم وللقلوب المعذبة:
أيها الصغير... أيها العصفور بلا ربيع... الدنيا باردة حولك... وداخل قلبك الصائم... وأنت أيها العاشق.. الوحيد.. سافرت حبيبتك نحو أقمار جديدة... وتركتك وحيدا.. ومع ذلك... فالمهمّ... هو الوردة!
ولا فائدة من مقاومة الحُب... ان العقل ساعتها يبدو صورة من صور الجنون...
ماذا لو كان جيلبرت بيكو مقربا وقريبا لبيكو زميل سايكس!!
المهم خلة وردة، ولا فائدة من مقاومة الحُب. جيوكندة زوجة فرانشيسكو ديل جيوكندو جلست على الكرسي قبالة الرسام ليوناردو دافنشي طيلة خمس سنوات حتى أكمل اللوحة لأنه أحبها.
"عيناها هادئتان، شفتاها تبتسمان، في تشجيع أم سخرية، يداها رقيقتان تتعانقان في نعومة، لكن جبينها صارم مملوء بالعزم والإرادة، شعرها ينسدل في رقة النسيم، يصافح الوجه ويحتويه من الجانبين، لكن جسدها قوي يفرض وجوده حتى أمام الصخور. أيتها المرأة الغريبة، إن الفنان الذي رسمكِ كان أبرع رجال عصره في الكيمياء والطبيعة والهندسة، وعلى يديه وُلد علم التشريح، وأطلقوا اسمه على مجموعة العضلات التي تنظم حركة البُطين الأيمن في القلب، لكنه عشقك أنت، وأراد أن يستبقيكِ العمر كله الى جواره، وكان الرسم هو حجته الوحيدة، إن حبه انتقل الى لوحتك، ليورث العالم كله هذا الحب العجيب، وأصبحت ابتسامتك أجمل ابتسامة عرفتها البشرية".
لماذا لم يرسم رسامونا العرب في الزمان الذي غرَب فاطمة وعزّة وليلى وبثينة وعائشة وزينب، تشاطروا فنحتوا هُبَل وأساف وودّ ورضا ونائلة، لا تنقص المهارة، هناك فيض منها، توت عنخ أمون وعشتار.... وأبو الهول.. تحرّك أبا الهول فقد تحرّك كل شيء حتى الحجر. سرقوا كنوز العراق والكنانة وبلاد الشام وهذا أبعد ما يكون عن الفِسق، ولا يحتاج الى طوفان.
ويحكون الكثير من الأقاويل والأباطيل عن سيدنا لوط ودور الثوم في الإثم الذي ارتكبه، ان ابنته الصبية تناولت وجبة او وجبات من الثوم فتغيرت خلقتها وصارت من اجمل الصبايا مع خدود وردية فاستحلاها السيد وواقعها، ولسنا ندري ان كان بخاطرها وإرادتها او ان العملية تدخل في خانة الاغتصاب، وكان حكما حكيما، لم يعاقب نفسه مثل النبي داوود، ولم يعاقِب المفعول بها الابنة، بل وقع قصاصه على الثوم، فدعا عليه ان تكون له هذه الرائحة النكدة المنفّرة حتى يبتعد الناس عن أكله، ومن تلك الأيام السحيقة جاء المثل "اللي بوكُل ثوم بتطلع ريحتُه" ويقصدون من يعمل الشائنة والفائنة يُعرف ويُنفر منه، ومن المؤكد ان المقصود هو الثوم البلدي المعروف اليوم بالثوم الشامي. وإقليم الشام واسع وهو من الأقاليم السبعة ويشمل بلد سيدنا لوط، ثوم اليوم المصفّط المرصوص المضغوط في لفّات بيضاء وبقشره الناصع البياض، قد يكون البياع يومها هو الذي أطلق هذه الأقاويل لترويج بضاعته من هذا النبات ذي الفوائد الجمّة بين جمهرة النساء، هنّ يبدعن في إظهار جمالهن والاعتزاز به، ترى ذلك في صوتهن والنظرات، في مشي الغندرة واللباس، أما في هذه الأيام فقد حدثت ثورة في فن التجميل والتهافت عليه أعتى بما لا يقاس من الثورة المعلوماتية واختراعات الأسلحة، لكل منطقة في الجسد متطلباتها لتبدو أحلى، من قمة الرأس الى أخمص القدم، يروح ضحيتها الشَّعر والحواجب والرموش والخدود والشفاه واظفار اليدين والرِجلين. بعض الوجوه فيها ألوان قوس قُزح، قائمة طويلة للروائح والتلوين والتّطرية – أبدع فيها الفرنسيون حتى كان ذلك من أسباب انكسارهم أمام الألمان. قال الألماني للفرنسي: كنتم مشغولين بقياس أفخاذ النساء اما نحن فانشغلنا بقياس قصَلات المدافع.
هذه الأمور ليست من مبرزات القضية كما يتردد هذا التعبير على ألسنة المحامين في المحاكم، القضية هل من المسموح لسيدنا لوط ان يواقع الحلوة الجميلة لو كانت غير ابنته!! هنا يجب ان نُقحم السؤال لنفحمه، ولا نتخذه قدوة ومثلا يشار اليه بالبنان.
الوعاظ يقولون عندنا ان الرجل عورة من ركبته الى زِرِّه، والمرأة عورة من زُمعها الى قمة رأسها، ترى الواحدة شبحا يرفُل في السواد الأعظم او الرمادي، فلا تعرف مَن الهاتف الداعي، وكيف تعرف الواحدة فقط من عينيها!!
تألمت بما فيه الكفاية من الوعر الواسع المحروق ليس فقط بسبب موت الشجر والنبت وما فيه من أحياء لا تعد ولا تُحصى – نمل ونحل وعناكب، سلاحف وحراذين وحيايا وسحليات وقنافذ.. كنت ولدا أرعى المعزى هناك في الأيام الغابرة، نظري لا يحط على المعزى السوداء وشيطنتها، في القاطع المقابل دخل رجل وامرأة الى زردة من الوعر، سيّبت العنزات ورحت أتسلل الى هناك بلا حِس ولا نِس، وشُفت شوفة، نشف ريقي وهرولت دقات قلبي وسخن وجهي، بعدها جاء الرجل وناولني كم مِن كفٍ على رأسي.
- بَهفيك إذا حكيت لحَدَا.. سامع، حُطها خُرس في ذانك.
أما هي فكانت ألطف بكثير، قطعت الى عندي بعدما روّح الزلمة وسألتني عن أهلي...
- تِحكيش قدّام حَدا يا حبيبي، موه!! هِه، ومع الهِهْ باستني في نياعي التنين، وبَس تِكبر...
هي ألطف من الرجل الوحش بكثير، ومُقنعة أكثر، بعدها كل ما لاقيتها أقول: كْبِرت، ضحكتها حلوة وأسنانها بيض وخدودها مورّدة وصوتها ناعم...
ومع لمسات وتمسيد الفجر، والنسمات الواصلة من هناك وغناء العصافير الناهضة المبكرة ولمعات الضوء على الخط الشمالي الآتي من سحماتا والدير القاسي وحرفيش الى غبّاطة وسعسع وإقرث ودشون والصفصاف وميرون ودلاّثا والقيّومة وعين الزّتون وصفد ومفارق العرامشة وبرعم.. قلت قولا جميلا بين سِري وخالقي كْبِرْت.
(يتبع)

السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع