ملاحظات على الهامش (2)


إبراهيم طه


** يختصر تاريخًا
كنت أسمع القصيدة تلو القصيدة يلقيها وقلبي لا يسعفني في الثبات.كان صوت الجواهري الجهوري، الذي يختصر تاريخ العراق كله في إيقاعاته المتراقصات ونبراته العميقات، كان يمسك بيدي ويأخذني إلى شارع الرشيد في بغداد العامرة بناسها الطيّبين الشامخين. وأراه هناك محمولا على الأكتاف يلهب الجماهير بشعره المفخّخ ضدّ الغزاة المحتلّين الغاصبين الذين زحفوا من وراء البحار طامعين...


تربّينا على محاورات الحداء الجميلة فوق بيادرنا العامرة حول السيف والقلم... ما زلت أذكر صولات الديراوي والميعاري والريناوي وجولاتهم، كانت جميلة لا تخلو من أصالة... على العموم، إذا احتاج السيف إلى قلم فإنّ القلم لا حاجة له بسيف لأنه في ذاته أحدّ من سيف وأنفذ من مخرز.


**الشهادةالأولى:
قال يوسف إدريس مرّة: "الكتّاب لا يسعون إلى الحكّام، الحكّام هم الذين يسعون إلى الكتّاب". يبدو أنّ هذا الكلام قد وصل إلى مسامع الرئيس حسني مبارك.وحين كان الرئيس السوري حافظ الأسد في زيارة لمصراصطحبه مبارك وفاجآ إدريس بزيارة إلى مصيفه، مثلما تشهد بذلك نسمة ابنة إدريس التي تظهر في الصورة (على هذه الصفحة) وهي تصبّ الشاي.


**الهامش:
إذا كان الكتّاب لا يسعون إلى الحكّام، فهل يحقّ لهم أن يسارعوا في مدحهم إذا فتحوا مدرسة أو أنشأوا متحفًا أو عبّدوا شارعًا؟! عفوًا، إذا قصّوا الشريط! كرّس موروثونا العظيم من "الآداب السلطانية"، التي بدأت تظهر بقوّة بعد انقلاب الخلافة إلى مُلك وتحوّلها إلى مفهوم الدولة العربية الإسلامية، ثقافة "النصح"، نصيحة أولي الأمر وترشيدهم في إدارة شؤون الدولة على الوجه الصحيح. النصح والترشيد هو المبدأ وليس الضرب بسيف السلطان. ليست حاجة الشاعر إلى سلطان كحاجة السلطان إلى شاعر!


**الشهادة الثانية:
يقول محمد الماغوط في "سأخون وطني": "أليس من العار بعد كلّ هذا التطوّر الحضاري والعلمي الذي حقّقته البشرية وبعد مئات الجمعيات وآلاف المدارس التربوية والفنية والأدبية والمسرحية والفندقية التي تغطي أرض الوطن العربي أن تظلّ لغة الحوار الوحيدة بين السلطة والمواطن هي الرفس واللبط وشدّ الشعر؟"


**الهامش:
لم أكن أعلم أنّ الماغوط في لسانه الحادّ الصريح قد يصل إلى هذا الحدّ من الرقّة والسذاجة! ولماذا لا تقول إنّ لغة الحوار تمتدّ إلى فعل السحل والسلخ وقصّ اللسان وضرب الأعناق؟! خُن وطنك وقل الحقيقة كلها غير مقسومة بل مضروبة بنفسها!



**الشهادةالثالثة:
يقول محمود درويش:"أنا أشكو من الإفراط في التأويل السياسي لشعري، على حساب الانتباه إلى المسألة الجمالية التي ينبغي للنقد أن ينشغل بها أكثر من خطاب القصيدة. لا يغضبني ناقد يشير إلى عناصر سلبية في شعري، بقدر ما يغضبني غضّ الطرف عما ينبغي أن يُقرأ في شعري: ماذا أضاف؟ وما هي مكانته في الشعر العربي الحديث؟ وغيرها من الأسئلة التي أرجو أن يساعدني النقد على معرفة نفسي من خلالها. أشكو أيضًا من تصنيفي وطنيًا لا شعريًا. إذا كنت "شاعرًا فلسطينيًا"، فإنك لا تكتب سوى موضوع واحد هو فلسطين، ونصّك مقروء مسبقًا حتى قبل أن تكتبه. لا يطلب الناقد شيئًا محددًا من الشاعر السوري أو العراقي أو المصري، أما عندما يصل إلى الشاعر الفلسطيني فيقرّر ما ينبغي عليه أن يكتبه".



**الهامش:
هذه شكوى قديمة ظلّ درويش يردّدها باسمنا جميعًا حتى آخر يوم في حياته.
إنّ ضغط القضيّة على النصّ يرهقه ويحبط انبعاثه ويطفئ توهّجه بغضّ النظر عمّن يمارس هذا الضغط الكاتب أم الناقد.
شاعر كبير بحقّ... لا يغضب الكاتب من ناقد يقول كلمة حقّ إلا إذا كان ذاك الكاتب صغيرًا!



**الشهادةالرابعة:
يقول شمعون بلاص، الكاتب اليهودي العربي، ردًا على سؤال: هل على الكاتب أن يكون مجندًا بأيّ شكل؟: "صحيح أنّ الأديب المجنّد يعبّر عن أفكار كبرى. وهذا كان الجدل حول التناقض بين الخطّ الشيوعي الواقعي الستاليني الصلب والعالم الغربي الذي واصل الدعوة للكتابة الذاتية...لقد عانيت أنا وجيلا [زوجة شمعون بلاص] من علاقة الحزب بنا لرغبتنا في الفنّ الحرّ والمتحرّر. كان هذا بؤرة صراعات غير قليلة مع ميكونيس وزوجته، على سبيل المثال، وكانا يناديان بخطّ ثقافي دوجمائي... عندما ظهرت روايتي "المعبرة" لم أكن قد انضممت للحزب، ولكنني كنت على صلة بالرفاق. جريدة "كول هعام" نشرت نقدًا إيجابيًا عن الكتاب، ولكنها تحفّظت وحكمت بأنّ العمل يفتقد القائد الشيوعي، وأنه من غير المحتمل أن يتمّ تنظيم رجال المعبرة وحدهم هكذا عرضًا. العمل يفتقد رجل الحزب الذي عليه أن يأتي من الخارج ويقوم بقيادتهم. الشيوعيون لم يكونوا راضين عن الشخصية الساحرة للقائد المحلي يوسف شابي".



**الهامش:
لا تعنيني علاقة شمعون بلاص بالحزب الشيوعي بصفة حصرية. تعنيني علاقة الأدب بالحزب أيّ حزب. وهي علاقة دقيقة يجب أن يظلّ الأدب فيها فوق التنظيم والنظام على حدّ سواء. أشهد شهادة حقّ بحقّ هذا الرجل وزوجته. عرفت شمعون وزوجته منذ عقود طويلة. كنت أراه مع المرحوم دافيد صيمح في كلّ مظاهرة للطلاب العرب في الجامعة في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. ظلّ دافيد في حربه ضدّ الصهيونية ثابتًا لا يترنّح حتى النفس الأخير وسيظلّ شمعون!



**الشهادة الخامسة:
قالت نوال السعداوي وهي تعني بصفة خاصّة أنور السادات الذي أدخلها السجن: "منذ التاريخ القديم يظلّ الشعب المصري أكثر ذكاء وإبداعًا من ملوكه وحكامه، فالعقل المبدع لا يهدر وقته في السعي للحكم، ولا يغيّر التاريخ الا العقول المبدعة، يستخدم أغلب الحكام إبداع الشعوب للتسلّط والإثراء، ثم يموت الحاكم، وتبقى الشعوب أقوى من جيوشها وحكامها الطغاة".



**الهامش:
صحيح!

**الشهادة السادسة:
قال نجيب محفوظ: "في جميع ما أكتب ستجد السياسة، من الممكن أن تجد قصة خالية من الحبّ أو أيّ شيء إلا السياسة، لأنها محور تفكيرنا... حتى في أولاد حارتنا التي يمكن أن تصفها بأنها ميتافيزيقية ستجد الصراع على الوقف... لاحظ أنا كنت أنقد الواقع نقد المنتمي إليه، أنا لم أرفض ثورة يوليو مطلقًا ولم أكتب أيّ عمل ضدّها. أنت تعلم أنّ هناك روايات معادية للثورة، كنت أوجّه النظر إلى سلبيّات تسيء إلى الثورة. لن تجد كلمة بالإشارة أو التلميح ضدّ الإصلاح الزراعي أو مكاسب العمّال والفلاحين".



**الهامش:
أليست هذه هي وظيفة الكاتب في الأصل، أن ينقد الواقع نقد المنتمي إليه وأن يوجّه النظر إلى سلبيّاته؟! لم يكن محفوظ مغرمًا بالسعي إلى الحكام وإقامة علاقات معهم. وهكذا ظلّ يحافظ على مسافة واضحة مع عبد الناصر والسادات ومبارك. ولهذا لم ترشّحه الدولة لجائزة نوبل مثلما يخيّل إليّ. كان ترشيحه للجائزة من قبل أحد أساتذة الأدب العربي في جامعة ستوكهولم على أساس فردي لا علاقة للدولة به. ولا علاقة لساسون سوميخ بالأمر... كلّ محاولات التقزيم والمسّ بعظمة الرجل تنزلق إلى مستنقع العيب!



**الشهادةالسابعة:
قال الجواهري،وبه أختم، ردًا على سؤال: يتّهمك بعضهم بأنك تجامل أحيانًا بعض الحكّام فتمتدح هذا الزعيم أو ذاك... "اسألهم هم لماذا يمدحونني! أنا لم أمدح واحدًا لم يمدحني من قبل. هو الذي ابتداني وابتدأ يمدحني ويكرّمني ويرشّحني للأوسمة الرفيعة... فأقدّر من يقدّرني. ولم أخرج عن هذه الدائرة ولو شبرًا واحدًا ولو مع شخص واحد... الأمر معكوس لم أكن مادحًا قبل أن أكون ممدوحًا. ديوان المتنبي كله أماديح، فما سرّ صيته المدوّي إذن؟! السرّ أنّ هؤلاء [الممدوحين] كانوا هم الذين يمدحونه، يتلمّسونه أن يأتي إليهم ليقول فيهم ما يقول... ما كان المتنبّي مدّاحًا بقدر ما كان ممدوحًا!"   



**الهامش:
سمعت وما أطعت! إن دخل كلامه القلب فإنه لا يقرب العقل، والأمر قد ينعكس... كان الجواهري، متنبّي القرن العشرين، يسحب المعنى الذي لخّصه أبو الطيّب من قبل في لاميّته الشهيرة:
لا خيلَ عندك تهديها ولا مالُ    فليسعدِ النطقُ إن لم تسعدِ الحالُ
يقول الجواهري دفاعًا عن نفسه: هم الذين يشرفون بشعري. هم الذين يكرّمونني لغاية في أنفسهم فأشكر صنيعهم معي بقصيدة هنا وهناك، من باب "فليسعدِ النطقُ إن لم تسعدِ الحالُ"... ورغم ذلك، لا يحقّ للشاعر ما قد يحقّ لغيره!



**هامش على هامش:
على كلّ حال، يموت الممدوح ويظلّ الشعر شاهدًا لا يموت على قامة قائله وشاعريّته. استمعت إلى شاعر العراق، عراق الشعر العربيّ العريق، محمد مهدي الجواهري، وهو يلقي شعره المطلق والمقيّد بنبرته العراقية المشبعة بالفخامة. استمعت إليه بكلّ جارحة من جوارحي، كنت بكلّ دفقٍ في شراييني أرهف السمع. وهل يظلّ رابط الجأش من يجري في عروقه عشق لسان العرب وآدابهم وهو يسمع شاعر العرب بصوته العراقي الأصيل يغوص في بحور الخليل، هل يظلّ؟!



يا دجلةَ الخيرِ
حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البستاتينِ
حييتُ سفحَك ظمآنًا ألوذُ به لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطينِ
يا دجلةَ الخيرِ يا نبعًا أفارقُهُ على الكراهةِ بين الحِينِ والحينِ
إنِّي وردتُ عُيونَ الماءِ قاطبةً نَبْعًا فنبعًا فما كانت لتَرْويني


وها أنا أعترف أمامكم بكلّ ضعفي وانكساري، كنت أسمع القصيدة تلو القصيدة يلقيها وقلبي لا يسعفني في الثبات.كان صوت الجواهري الجهوري، الذي يختصر تاريخ العراق كله في إيقاعاته المتراقصات ونبراته العميقات، كان يمسك بيدي ويأخذني إلى شارع الرشيد في بغداد العامرة بناسها الطيّبين الشامخين. وأراه هناك محمولا على الأكتاف يلهب الجماهير بشعره المفخّخ ضدّ الغزاة المحتلّين الغاصبين الذين زحفوا من وراء البحار طامعين... سحب السلاطين عراقيّته من جيب معطفه لكنهم لم يستطيعوا سحبها من قلبه الخافق الدافق... إنهم لا يقدرون. وفي توالي العمر، في أرذل العمر، جرّبوا تمريغه لكنهم خابوا وتمرّغوا هُمُ بكلّ ما في الأرض من طينِ... حاولوا أن يصادروا تاريخه المقاوم، حاولوا أن يبدّلوا هويّته النضالية، حاولوا جرّه من شعر الشارع إلى شعر البلاط فانقرضوا همُ وعاش شعره خالدًا!

السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع