ثلاث وخزات أندلسية


محمد هيبي


جبل طارق


** نظرته ثاقبة
خارج أسوار الجامع الكبير التقيت ابن رشد مصلوبا على جدار، نظرته ما زالت ثاقبة. رغبت بمعانقته. فاجأني بسرعة سؤاله عن أحوالنا! وقبل أن أنبس بحرف، قرأ الجواب في عينيّ اللتين جحظتا ثم ذبلتا، وفي وجهي الذي اكفهرّ وتكدّرت قسماته. "فهمت، ما زال أحفاد أبي حامد يئمّون فيكم مصرّين على أنّكم في ضلال"، قال ودمعت عيناه، ثم أدار لي ظهره رافضا مصافحتي.


1. وجع أندلسي


مررت بإشبيلية، فلم يقبلني واديها الكبير. مكتئبا عرّجت على قرطبة! استقبلني فيها ابن زيدون شاكيا ظلم المستكفي وابنته. قلت في نفسي: "وهل استكفى المستكفي؟! وهل كفّت ابنته عن تماديها في تيهها وتمكين عشّاقها من كل صحونها وصحون وصيفاتها، وعن توزيع قبلاتها وكل خيراتها على من يشتهونها مرعى عابرا، لا على من يستحقّونها شرعا".
قصدت جامع قرطبة الكبير. هل تكون العظمة ذليلة؟ أيّ عظمة وأيّ ذلّ ماثلان في كل زاوية؟! لأول مرة، أرى وأسمع أعمدة تُغنّي لبانيها "جادك الغيث"، ولأحفاده "متى يُعلنون وفاة العرب؟".
خارج أسوار الجامع الكبير التقيت ابن رشد مصلوبا على جدار، نظرته ما زالت ثاقبة. رغبت بمعانقته. فاجأني بسرعة سؤاله عن أحوالنا! وقبل أن أنبس بحرف، قرأ الجواب في عينيّ اللتين جحظتا ثم ذبلتا، وفي وجهي الذي اكفهرّ وتكدّرت قسماته. "فهمت، ما زال أحفاد أبي حامد يئمّون فيكم مصرّين على أنّكم في ضلال"، قال ودمعت عيناه، ثم أدار لي ظهره رافضا مصافحتي.
لم استغرب ما بدر منه! تذكرت أنّه لم يكن حالي أفضل، حين مررت بالجامع الأبيض تدوسه أقدام مغتصبي الجبل على حافة المضيق. ولمّا حانت منّي التفاتة إلى القمّة، رأيت طارقا طيفا يطلّ عليّ من أعلى الجبل مستغربا وجودي هناك. لوّحت له محيّيا. تجاهل تحيّتي، واختفى عابسا.
تردّدت كثيرا قبل مروري بغرناطة، ولكنّي مررت. سرت في شوارعها القديمة. لم يضحك لي نيلوفرها العبق رغم كونه ما زال "وسنان نبّه منه الصبح أحداقا". دخلت قصرها مطأطئ الرأس، خشية أن يراني أحد بني الأحمر، صُناع ذلك التاريخ البائد والحضارة التي ما زالت ماثلة، تلعننا!
داخل القصر، مررت بقاعتين أدخلتا وجع القلب إلى قلبي. على جدران القاعة الأولى طغت "ولا غالب إلّا الله"، آية ما من أحد من ولاة أمرنا هذه الأيام، يذكرها رغم إصرارهم على إنقاذنا من الضلال. عرفت أنّنا صدقنا الله وأنفسنا فغلبْنا، ولما افترينا عليه وعلى أنفسنا كذبا، حذف آيته، بل آياته، من لغتنا وتاريخنا. لذلك لم استغرب حين دخلت القاعة الثانية، أن أرى سباعها تبصق دما وتُدير لي أقْفِيتها المحمرّة.
حين خرجت من القصر، رأيت الناس في شوارع إسبانيا فرحين، وسمعتهم يهتفون: "نحن الغالبون ... نحن الغالبون". ولولا الحزن الذي سكن قلبي حين خرجت من الأندلس الحزينة، لهتفت معهم. ولكنّي خرجت حزينا كما دخلت، لا أشعر في شوارع إسبانيا بشيء يرغب بي هناك، إلّا يافطة تُرحّب باللاجئين، معلّقة على واجهة أحد القصور، "REFUGEES WELCOME".
بلعت ريقي وطأطأت رأسي ولسان حالي يقول: "ألا تشبع هذه النار؟ وهل ظلّ في نفسي مكان للجوء؟!".



2. الرابطة - La Rabita


مدينة صغيرة، جميلة وهادئة، حسناء من حسناوات الأندلس، تنام حالمة على شاطئ من شواطئ المتوسط الغربية التي تعجّ بالفرح. يُقبّل البحر أقدامها كل صباح. في الأيام الأخيرة زرتها مرارا. لا أدري لماذا كان شاطئها قذرا حين وصلت، وتلفّه رائحة عفونة ليست جديدة عليّ. لم ينبض قلب الحسناء لي! ولم تُعانقني! ولم أشعر أنا بشيء يجذبني نحوها رغم الفتنة الباهرة، أو رابط يربطني بها رغم صراخ التاريخ؛ إلّا اسمها والشمس التي تهرب منّا إليها كل صباح!
فتحت قاموسها لأرى إذا ما زال اسمها يحمل معناه القديم، فلم أجد له معنى إلّا الانفصام.
تذكّرت ابن الخطيب وأندلسيته الجميلة الحزينة:
جادك الغيث إذا الغيث همى ... يـا زمـان الوصـل بالأنـدلـس
لـم يـكـن وصـلـك إلّا حلـمـا ... في الكرى أو خلسة المختلس
من يومها، اختبأتُ داخل ثيابي الرثّة، وتعلمت كيف أختلس النظر بصمت، حين أمرّ بجانب الحِسان، ولا آبه للروائح الخبيثة، فقد تكون منبعثة منّي!



3. ... محاصرًا!

سرت ...
في الشوارع الغريبهْ
أبحث عن ظلّ ...
وجدت سيّدة الظلال سبيّهْ
بسلاسل الروم منقادهْ
... ... ...
قصدت قرطبة ...
قدماي تئنّ تحت نزف جروحها
دخلت جامعها الكبير
لعلّي من تقيّح أشفى ...
منذ دهر يُلازم أوردتي
وجدت أعمدة التاريخ نائمة،
وأعمدة الروم
مخضّبة بلون دمي
تصهل خيلُها
على صدر ولّادهْ
خرجت إلى الشارع المهزوم منكسرا
والدم يقطر ...
من سيفيَ المنغرز في صدري
واللسان جفافَ الحلق يشكو
والخطيب المفوّه، قسرا،
ملّ إنشاده
... ... ...
قال رفيقي أرى يزيدْ ...
وقلت أرى ابن رشد
وجدته مُكبّلا ...
خارج الأسوار مرميّا
وأبو حامد ...
على نار جدّ هادئة
يقلّبه ...
واعدا جيوش الروم
بأشهى أكلة عربيّة
وما العربيّ إلّا أبيّ أبيّ
يُكرم السيّدات والسّادهْ
... ... ...
لعلّ المستكفيَ يكفيني
- قلت في نفسي -
وجدته ثملا على فرس ...
بفناء قصر يعرض لحم كريمته ...
ويخرج ...
بموكب إمبراطوريّ
قاصدا مكّة
يسوق قطيعا من الغنمِ
يحجّون طوعا ...!
وحمدا للإله على النعمِ
... ... ...
انكفأت على نفسي...
وما الانكفاء من شيمي ...
ولكنّ طيفكِ كان معي
وقلبي المقهور...
في الملمّات يُعتمدُ ...
وفي الظُّلَمِ

السبت 7/10/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع