- الذبحة الصدرية – ANGINA PECTORIS


د. خليل اندراوس



"الجلطة القلبية" و "الذبحة الصدرية" و"الخناق الصدري" مجموعة اسماء لمتناذرة واحدة حيث اصبحت حوادث تسمع عنها وتهتم بها كل أسرة من خلال وقوع أحد الأصدقاء او المعارف او زملاء العمل او الجيران او احد افراد الأسرة فريسة لها.
ما هي المتناذرة؟ وما أسبابها ومدى خطورتها؟ وهل يمكن علاجها؟
يعرف الخناق الصدري بمجموعة اعراض تظهر نتيجة نقص مؤقت في تروية عضلة القلب، قد لا يدوم سوى فترة وجيزة، سواء ترافقت هذه الأعراض مع تغير عابر يطرأ على مخطط القلب الكهربائي او لم تترافق.
يختلف الخناق الصدري عن احتشاء القلب وبأنه نقص مؤقت في تروية عضلة القلب، بينما يؤدي الاحتشاء الى انسداد دائم والى حجب التروية عن قسم من عضلة القلب، وبالتالي الى موت هذا القسم من العضلة. من هنا كان التغير في مخطط القلب الكهربائي يتخذ شكلا نهائيا في حالة احتشاء القلب، مما يوضح اهمية تخطيط القلب الكهربائي (ECG) لمريض اصيب بعارض قلبي، لتحديد نوع الإصابة.



* تروية عضلة القلب:
القلب هو العضو المسؤول عن دفع الدم الى اعضاء الجسم كافة بطريقة ميكانيكية ناتجة عن تقلص عضلته. وتحتاج عضلة القلب مثل سائر عضلات الجسم الى تروية دموية تؤمّن لها الاوكسجين والمواد العضوية اللازمة لانتاجها الطاقة الضرورية لأداء وظيفتها التقلصية هذه، وتحتاج الى التروية الدموية ايضا، للتخلص من الفضلات الكيميائية الناتجة عن استقلاب خلاياها والتي تصبح مواد مخرشة ان هي لم تتمكن من طرحها عبر الدم فتعيق قيام انسجة العضلة بوظيفتها.
شبكة الأوعية الدموية التي تتولى التروية القلبية تُعرف بالأوعية التاجية، وتتألف من الشرايين التاجية والأوردة التاجية. تؤمن الشرايين التاجية الدم المحمّل بالأوكسجين والمواد العضوية، الضرورية لقيام عضلة القلب بعملها الوظيفي، بينما تنقل الأوردة التاجية الفضلات وثاني اكسد الكربون التي تتخلص منها العضلة القلبية.
تتألف شبكة الشرايين التاجية من ثلاثة شرايين رئيسية متصلة بعضها ببعض بحلقة شريانية تجمع الأوعية الثلاثة فتتشكل منها الشبكة التاجية، تعرف هذه الشرايين الثلاثة بالأيمن والأيسر والخلفي وتتفرع عنها أوعية دموية اصغر حجما وأوعية اخرى متناهية في الصغر تدعى الشعيرات، التي تغذي الخلايا العضلية.
يؤدي انسداد أحد الشرايين التاجية او بعضها بشكل جزئي او مؤقت الى اضطراب عملية وصول الدم المحمل بالأكسجين الى خلايا العضلة القلبية، فتظهر اعراض نقص التروية القلبية، وتتجلى في اضطراب نظم القلب الذي ينتج عنه ضيق في التنفس وأعراض اخرى تعرف باسم متناذرة الخناق الصدري، ويولد اضطراب وصول الدم الى خلايا عضلة القلب اضطرابا في عودة كمية الدم، المليء بالفضلات وغاز ثاني اكسيد الكربون، من خلايا هذه العضلة. فتتراكم هذه المواد داخل الخلايا وتخرش النهايات العصبية المغذية للقلب، فتنعكس آلاما على امتداد الأعصاب المعصبة لعضلة القلب وتصل الى جذوعها الرئيسية، وخصوصا العصب المبهم وبعض اعصاب الدماغ الرئيسية الاخرى.
وهذا يفسر انتشار الآلام الناتجة عن نقص تروية العضلة القلبية في مناطق بعيدة عن القلب كالظهر والقسم الأنسي (القريب من الجسم) من الذراع اليسرى.



* الأسباب
ينتج الخناق الصدري عن خلل في التوازن بين حاجة العضلة القلبية الى الاوكسجين والمواد الغذائية وكمية الدم الواصلة الى هذه العضلة. ويمكن ان تتأثر كمية الدم هذه بعوامل عديدة منها:
1. انسداد جزئي في الشرايين التاجية قد ينتج عن خثرات دموية صغيرة الحجم (جلطات) لا تسد الشريان التاجي تماما بل تسمح بمرور جزئي للدم فلا يعود يفي بحاجة خلايا القلب العضلية.
ويمكن ان ينتج نقص التروية عن زيادة لزوجة الدم فتخف سرعة مرور الدم عبر الشرايين التاجية وتنقص بالتالي كمية الدم الواصل الى القلب، ويمكن ايضا ان تتوضع ترسبات دهنية في الشرايين فتؤدي الى تصلب هذه الأخيرة او اصابتها بعائق مرضي ينقص مرونتها ولُمعتها (اللمعة هي جوف الشريان او فتحته التي يمر الدم داخلها).
الخناق الصدري الناتج عن مجمل الاصابات التي تعود اسبابها الى اضطراب في الشرايين التاجية ذاتها يدعى الخناق الصدري الأولي.
2. خلل في التوازن بين حاجة خلايا عضلة القلب الى الاكسجين وكمية الدم الواصلة اليها لأسباب خارجة عن الشرايين التاجية، منها ارتفاع ضغط الدم، وضخامة عضلة القلب نتيجة امراض قلبية او رئوية مختلفة. هذا الخلل يؤدي الى ازدياد حاجة العضلة القلبية الى الدم.
وحين تفشل الشرايين التاجية في تلبية هذه الحاجة يحصل الخناق الصدري. ومن الأسباب الأخرى تقلص الشرايين التاجية لأسباب عصبية او نفسية او خوف مفاجئ او لتعرض الصدر لهواء بارد شديد ومباشر، عندها تضطرب التروية القلبية وتظهر اعراض الخناق الصدري الثانوي.
3. قد يظهر الخناق الأولي والثانوي معا في حال ازدياد حاجة خلايا العضلة القلبية الى الدم المغذي لدى مريض اصيب سابقا باضطراب في شرايينه التاجية، أي في حال قيام المصاب بتصلب الشرايين بجهد كبير كتسلق سلم او سلوك طريق صاعد او التعرض لهواء شديد بارد او لصدمة عصبية عنيفة.
4. تمهد بعض العادات للإصابة بالعوامل والأمراض المسببة للخناق الصدري، كالتدخين وشرب الكحول وتناول الأطعمة الدسمة، فالتدخين يخرّش الأوعية التاجية ويوجِد أرضا خصبة للترسبات الدموية وتشكل الخثرات، ويقلل ايضا كمية الاكسجين الواصل الى خلايا عضلة القلب.
أما الكحول ومشتقاتها والمأكولات الدسمة فهي تساعد على تصلب الشرايين وتكدس الدهن وتضيق لمعة الأوعية التاجية، وتقوم الكحول ايضا بدور المُخرش للأوعية.


* أعراض الذبحة الصدرية (الخناق الصدري)
العَرَض الرئيسي للخناق الصدري هو الألم الذي قد تتنوع صفاته تبعا لنوعه ومدته، ومركز بدايته ومناطق انتشاره، وسرعة تجاوبه مع الأدوية الموسعة للأوعية (وهي ذات مفعول سريع جدا).
- منطقة الألم: يبدأ الألم عادة في منطقة الصدر خلف عظم القص (يقع عظم القص تحت الجلد في مقدمة الصدر وهو على شكل خنجر ويمكن تحسسه ابتداء من اسفل العنق حتى نهاية الصدر (اعلى البطن).
ويجمع عظم القص النهايات الأمامية لأضلاع القفص الصدري عدا الضلعين الحادية عشرة والثانية عشرة) والمنطقة المحيطة بالقلب. وقد يبدأ في أعلى البطن كأنه ألم معدي.
- انتشار الألم:
يتميز ألم الخناق الصدري بانتشاره الى الظهر حول لوح الكتف والذراع واليد اليسريين وخصوصا الطرف الأنسي من اليد اليسرى على امتداد الخنصر والبنصر والرسغ الأيسر. وقد ينتشر في الذراع اليمنى ايضا ويتصاعد الألم في انتشاره فيبلغ قاعدة العنق والفك الأيسر.
- نوع الألم:
قد يشعر المريض بثقل يتزايد ضغطه على صدره او بانقباض في قلبه يبدأ خفيفا ولا يلبث ان يكبر ويتحول هذان الألمان الى ضيق نفس واحساس بالاختناق، عند انتشار الألم الى الذراع واليد اليسريين يحس المريض بحرقة وتنميل فيهما، وقد يحصل الألم بشكل وخز الإبر او الآلام الضاغطة.
- مدة الألم:
تختلف مدة الألم من مريض الى آخر، فقد تتراوح بين ثوان قليلة وعشر دقائق تقريبا، وتتميز بكونها تخف عندما يستلقي المريض او يخلد الى الراحة، او فور تناوله الأدوية.
بعض حالات الخناق الصدري تتجاوب بسرعة مع موسعات الأوعية وبعضها الآخر يكون اقل تجاوبا، وهذه الاخيرة أشد خطرا، لأنها قد تؤدي الى احتشاء جزئي في القلب، من هنا وجوب احتفاظ مرضى القلب المعرضين للاصابة بنوبات الخناق بحبوب من مشتقات النتروجين في منازلهم واسراعهم الى وضع حبة منها تحت لسانهم فور حدوث النوبة.
- الأعراض المرافقة:
يرافق الألم الذي يعتبر العرض الرئيسي لنوبة الخناق، تعرق شديد وضيق وزلة تنفسية وخفقان في القلب وأحيانا شعور بعدم انتظام ضرباته. ويزيد تأثير هذه الأعراض من الخوف الذي ينتاب المريض، نتيجة شعوره بالألم وضيق في التنفس، فيبدو شاحبا متعرقا يتوسل فتح النوافذ طلبا للأكسجين.
- مسببات النوبة:
غالبا ما تحدث نوبة الخناق الصدري بعد جهد كبير او انفعالا نفسي او تعرض مباشر للهواء البارد او بعد وجبة طعام ثقيلة او عسر هضم او اضطراب نظم القلب او تعقب ارتفاعا مفاجئا للضغط الدموي او ضغطا نفسيا مستمرا في العمل او الحياة اليومية، ويمكن ان تنتج النوبة عن تناول بعض الادوية التي تجهد عضلة القلب، لكن هذه النوبة قد تصيب ايضا انسانا غير معرض للأسباب المذكورة اعلاه ويعيش في ظروف مريحة.
تبين مما سبق انه ليس من سبب رئيسي واحد لنوبة الخناق، بل هي نتيجة لتجمع عوامل خارجية وأخرى داخلية (تتعلق باستعداد الأوعية التاجية للتضيق او الانسداد). ويمكن تمييز نوعين من الخناق الصدري: الأول مفاجئ يحدث بلا سبب والثاني يعقب واحدا او اكثر من المسببات السابقة الذكر.
- أسباب اخرى:
بعض الأمراض التي تصيب عضوا آخر غير القلب، قد تكون سببا لحصول نوبة الخناق. من هذه الأمراض التهاب المرارة المزمن، والقرحة المعدية وقرحة المريء وفتق الحجاب الحاجز، والتهابات المفاصل المزمنة خصوصا في المفاصل الرقبية الظهرية من العمود الفقري ومفصل الكتف، وتفسر آلية تأثير هذه الأمراض على الخناق الصدري بأن المريض الذي لديه اساسا استعداد للإصابة بالخناق، ينتابه الخوف لدى اصابته بأعراض هذه الأمراض الحادة، فتحدث النوبة كرد فعل من القلب، ينتج عما يبذله من جهد لمجابهة الألم او عن تقلص الأوعية التاجية بسبب خوف المريض من خطر هذه الأعراض. كما ان بعض الأمراض تهيئ لحدوث الخثرات الدموية التي تسد جزئيا الشرايين التاجية وأحيانا قد تؤدي الى حدوث احتشاء في القلب.
(يتبع)

الأربعاء 13/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع