ليلة صيف ماطرة


د. فؤاد خطيب


**يافا وأغامبيا
حدثتها  عن كروم الزيتون في الجليل  وبرتقال يافا الحزين وعن أسوار وشوارع القدس العتيقة وعن نابليون وأسوار عكا وبحرها وعن قلب عاشق لشمس افريقيا وشمس الحرية معا من الصحراء شمال الاستواء الى رأس الرجاء الصالح. خَبرتني عن النَخاسين البيض الذين ركبوا البحر من أمريكا الشمالية وسرقوا شباب الغابون واغامبيا ودول افريقيا الأخرى وباعوهم عبيدا في حقول القطن في أمريكا. حدثتها عن العراق وسوريا واليمن وليبيا وعن وحشية الارهاب الامريكي الذي يعبث ويدمر دول العالم بعنجهية استعمارية لا حدود لها


اغدودن الليل وخَطف الشمس قبل ميعادها. هَطلت أمطار صيفية  كثيفة غسلت الشوارع وأطبقت على الدنيا التي سلمت أمرها. لم أعد أرى أمامي الا انعكاسات أضواء فوانيس الشوارع التي تركت خيالات راقصة عابثة بي وبالسيارة التي شَقت الشوارع وكأنها سفينة بلا شراع في خضم بحر غاضب. تيقظت حواسي كلها وأنا أمسك مقود السيار أبحث عن بقايا الشارع الغريق.
وَصَلت موقف السيارات في المطار، تركت السيارة وأخذت حقيبة سفري الوحيدة وقطعت الشارع الى ردهة المطار التي خبا وهج أنوارها بين قطرات المطر الكثيفة الغاضبة. لم يبق على موعد الطائرة الا ساعة أو بعضها. العقارب على ساعة الردهة تَجاوزت الثالثة بعد منتصف الليلة التي كانت خالية الا من خيالات متفرقة صامتة تَنظر هنا وهناك الى المطر الهاطل بعد أن فَتحَت السماء كل مزاريبها وقصفت وبرقت ورعدت. بدا لي واضحا أن الطيران في مثل هذه العاصفة ضَرب من الخيال والجنون معا.
حاولت أن أعود الى نفسي حتى تعود هي لي بعد أن شردتها الظنون ومخاطر الطريق. انفرجت أساريري بعد أن سَمعتُ مُكبرَ الصوت بصوت نسائي ناعم وشجي يُعلن عن تأخير مَوعد طائرتي ثلاث ساعات بسبب العاصفة التي تُعربد في الخارج في أواخر آب في ذاك البلد الأوروبي الجميل.
بدت الردهة خالية الا من بعض المسافرين الذين تابعوا العاصفة بصمتِ مُريب عَبر زجاج الشرفة الزجاجية الكبيرة التي تَشرف على قسم كبير من المطار وعلى بعض الطائرات الرابضة هناك تنتظر شارة الاقلاع. جَلسَت وحيدة وجَلستُ صدفة قبالتها وأنا أحاول أن أجفف شعري واعادة الهدوء الى عالمي المجنون منذ ثلاث ساعات قضيتها سائقا تحت العاصفة نَظرت الي وهي تراقبُ هيئتي المُبللة وابتسمت وكانت ابتسامة رائعة من امرأة خلاسية جميلة جدا في العقد الرابع من عمرها وهي تحاول اخفاء بسمتها لي بين صفحات كتاب بيمينها وبها دلال وغنج ألف غادة جميلة. طَغت ابتسامتها علي وعلى المكان وجَعلت العاصفة في القلب عزفا لموسيقى أوتار سماوية لم أسمع مثل جمالها  من قبل. بعد تحية عادية قالت الجميلة أنها مُسافرة الى مدريد ومنها الى الغابون وهو بلد افريقي صغير نسبيا  على ساحل الاطلسي. قدمت نفسي ودَعوتها الى مشروب حار في المقهى الوحيد الساهر في المطار. وقفت وغَدت بالحال امرأة جميلة العيون العسلية والبشرة الخلاسية والشعر  الآبنوسي وقد مَياس تماوج على أجمل وقع رقصت عليه كل قطرات المطر في الخارج مع دقات قلبي. أخبرتني أن اسمها راشيل وأنها استاذة تُدَرسُ في بلدها الافريقي في معهد الفنون الجميلة هناك وأنها هنا في هذا البلد الاوروبي منذ ثلاثة أشهر تَعمق دراستها ومَعرفتها بفن عصر النهضة الاوروبية، وأن طائرتها  ايضا تأخرت على الأقل خمس ساعات.
تناولت بيد الفتنة كأس النبيذ المَغلي بالقرفة وغرقت أنا في هذا الجمال الطاغي الذي أنساني مكاني وزماني ومواعيدي كلها.لم أتابع الا شفتيها وهي تتكلم بطلاقة وبهدوء عن عالمها وأحوالها وعن بلدها البعيد تحت خط الاستواء الى الغرب من كليمنجارو على شفا الأطلسي الكبير.طارت الطائرات وحَطت الطائرات. غادرنا قاعة المطار مع خيوط الشمس الطالعة التي بددت لتوها العاصفة. بدقائق معدودة كُنا في ساحة  العاصمة التي بدأت  تنهض الى يومها الجديد نظيفة تتنفس أبخرة المطر النقية المنعشة التي تَركها الليل وسَافر. عقد الحب ثماره مع اول شعاع قبلتها وقبلتني وضممتها الى صدري وارتويت من شفاهها الناضجة التي اكتنزت كل شمس افريقيا وفلسطين والغابون. 
أخبرتها عن شقائق النعمان وأخبرتني عن زهر اللوتس، أخبرتها عن النوارس على شاطئ الناقورة التي تبحث عن عشها منذ سبعة عقود وأخبرتني عن موج الأطلسي وعن سواحل عذرية لا تنتهي. أخبرتني عن الرينيزانس وعن لوحات  فان كوخ وغويا وعن لوحة الموناليزا وعن عباد الشمس الذي عشقه  كوخ وعن شمس افريقيا حول الاستواء وعن أدغال ماطرة لا نهاية لها وحدثتها  عن كروم الزيتون في الجليل  وبرتقال يافا الحزين وعن أسوار وشوارع القدس العتيقة وعن نابليون وأسوار عكا وبحرها وعن قلب عاشق لشمس افريقيا وشمس الحرية معا من الصحراء شمال الاستواء الى رأس الرجاء الصالح. خَبرتني عن النَخاسين البيض الذين ركبوا البحر من أمريكا الشمالية وسرقوا شباب الغابون واغامبيا ودول افريقيا الأخرى وباعوهم عبيدا في حقول القطن في أمريكا. حدثتها عن العراق وسوريا واليمن وليبيا وعن وحشية الارهاب الامريكي الذي يعبث ويدمر دول العالم بعنجهية استعمارية لا حدود لها. ضَمَمتها للوداع بعد أيام خاطفة لم تكن في البال وضَمتني حتى حَرَقتني شمس افريقيا. ذرفت دموعا في صفائها وجمالها فتنة كل العصور. رَحلت وطارت كالحلم ورَحلتُ ووعَدَت ووعَدت ُ أن نلتقي مرة في فلسطين أو الغابون أوتحت  شمس افريقيا السمراء ولو على ضفاف النيل. ذكراها حية في لواعج القلب، كتاباتها تأتيني حينا فحينا من خلف كل العصور وتتعمشق نياط قلب لا يرغب في النسيان.



(شفاعمرو)

السبت 9/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع