لمحة من تاريخ أيتام الداخل الفلسطيني


تميم منصور


النصب التذكاري في مدينة سخنين لشهداء يوم الأرض الخالد


** دور الحزب
هناك من اعتبر صحيفة المرصاد التي كان يصدرها حزب مبام صحيفة قومية ووطنية، وهناك من اعتبرها ندًا لصحيفة الاتحاد آنذاك، يجب ان نعترف بدور الحزب الشيوعي بالمحافظة على الهوية قدر المستطاع، مع أن رقعته الوطنية كانت أقل حجمًا من الخرق الذي خلفته النكبة والقيادات الفلسطينية المهزومة والى جانبها الأنظمة العربية، كان الصوت الوحيد الذي فضح مجزرة كفر قاسم وكشف نوايا الأحزاب الصهيونية، لا يمكن أيضًا انكار قوى وعناصر وطنية حاولت سلطات الحكم العسكري اخمادها بكافة الوسائل


 
عندما وقّعت حكومات الدول العربية المسؤولة عن نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 على اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل في جزيرة رودس، وهذه الدول هي مصر، الأردن، سوريا ولبنان، أما العراق فقد رفض التوقيع.  لم يعمل حكام هذه الدول أي حساب للمواطنين العرب الفلسطينيين الذين لم يغادروا وطنهم، وقد قدر عددهم في حينه حوالي 150 الف فلسطيني، سمح لهم  الصهيانة بقيادة بن غوريون بالبقاء، ربما كي يثبتوا للعالم بأن العصابات الصهيونية غير مسؤولة عن طرد كل الذين تركوا مدنهم وقراهم من فلسطين، أي أن التهجير كان اختياريا.
هنا يجب أن نعترف بحقيقة هامة، وهي أن هناك الكثير من القرى والمدن اختارت الهجرة دون قتال، لأسباب كثيرة، من أهمها الخوف من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ولعدم وجود قيادة عربية، منظمة قادرة على تسيير الأمور كما كان الأمر بالنسبة للطرف اليهودي، هناك سبب آخر يعود الى استخدام قوات الهاغاناة لعدد من السماسرة والمرتزقة العرب للقيام بإقناع المواطنين العرب بالرحيل عن بيوتهم مقابل حفنة من الجنيهات، وقد ساهم ملك الأردن عبد الله بن الحسين في ترحيل عدد من القرى بالاتفاق مع العصابات الصهيونية، فقد كان يرسل سماسرته الى القرى العربية لإقناع الوجهاء والمخاتير فيها بترك وطنهم والهجرة لشرق الأردن، من هذه القرى الطيرة والطيبة، لأن امارته كانت تفتقد الى السكان، وغالبية سكانها من البدو المتخلفين، فقد كان بحاجة الى سكان فلسطين لإعمار بلاده ورفع شأنها، وهذا ما حدث وقد اعترف بن غوريون في مذكراته بأنه جرى تفاهم مع ملك الأردن وصل الى اعتراف الأخير بأن اليهود شعب بلا وطن، والأردن وطن بلا شعب.
في عام 1949 أغلقت إسرائيل حدودها بالاتفاق مع الأنظمة العربية التي كانت قائمة، أما القيادة الفلسطينية فقد اختفت عن الوجود، وأصبح كل مواطن فلسطيني يعبر الحدود متسللًا، فإذا كان هذا التسلل من قرى ومدن الضفة الغربية أو قطاع غزة، كان مصير غالبية المتسللين الموت، واذا تم هذا التسلل عبر حدود إسرائيل تتم اعادته الى السلطات الإسرائيلية بعد محاكمة في محاكم الأردن او مصر العسكرية، وفي إسرائيل يعاقبونه بمقتضى قوانين الطوارئ، كانت السلطات المصرية تستغل هؤلاء المتسللين الى قطاع غزة للتجسس أو لخدمة مصالحها الأمنية، وقد أبلغني أحد هؤلاء بأن السلطات المصرية أجبرته أن يعود ويتسلل الى إسرائيل رغم المخاطر لشراء قاموس عبري عربي وصحيفة يديعوت احرنوت، وعندما أقيمت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965  انضم العشرات من مواطني عرب الداخل الى جيش التحرير الفلسطيني في قطاع غزة – نريد لأجيالنا الشابة معرفة هذه الحقائق، نريد لهذه الأجيال ان تعرف حالة التغييب والإهمال الى درجة النسيان الذي عانى منه المواطنون العرب -
بعد نكبة عام 1948  باعتنا وفرطت بنا القيادات العربية والى جانبها الفلسطينية في أسواق جهلها وخيانتها، وفي ذات الوقت رأت بنا إسرائيل غنيمة من المكاسب التي حصلت عليها، غنيمة للتنكيل وللتعبير عن عنصريتها ونواياها الحقيقية كما استثمرتنا للعمل الأسود، الأنظمة العربية وشعوبها لم يعرفوا ان هناك رهائن وبقايا شعب يعيشون في وطنهم في ظروف قاهرة، لم يدرج وجودهم وتاريخهم وكيانهم في مناهج التدريس في العواصم العربية، لذلك فوجئ من فوجئ بوجودهم بعد نكسة عام 1967 وبعد اتفاقية السادات مع إسرائيل.
من المواقف المحزنة والمخجلة لمستها خلال زيارتي الى مصر  حين سألوني: كيف انتو عرب ويهود مع بعض؟ وهناك من سأل كيف مسلم ويهودي في آن واحد؟ وكانت هذه الأسئلة من كُتاب وصحفيين كبار ينتمون الى الطبقة المثقفة.
لم يعرفوا بأننا أيتام سياسة الأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية الفاشلة. وان السلطات الإسرائيلية بذلت جهودًا جبارة للعمل على اسرلة هؤلاء الأيتام  الذين وجدوا أنفسهم عراة بدون أب وأم، وشاركت في هذه المحاولات الأحزاب الصهيونية والقيادات العربية التقليدية، حاولوا اقناعنا في يوم من الأيام بأن حزبي مباي وحزب مبام أحزاب عربية وطنية، هناك من اعتبر صحيفة المرصاد التي كان يصدرها حزب مبام صحيفة قومية ووطنية، وهناك من اعتبرها ندًا لصحيفة الاتحاد آنذاك، يجب ان نعترف بدور الحزب الشيوعي بالمحافظة على الهوية قدر المستطاع، مع أن رقعته الوطنية كانت أقل حجمًا من الخرق الذي خلفته النكبة والقيادات الفلسطينية المهزومة والى جانبها الأنظمة العربية، كان الصوت الوحيد الذي فضح مجزرة كفر قاسم وكشف نوايا الأحزاب الصهيونية، لا يمكن أيضًا انكار قوى وعناصر وطنية حاولت سلطات الحكم العسكري اخمادها بكافة الوسائل، وقد اعترف بذلك هليل كوهين في كتابه "العرب الجيدون".
في حالات كثيرة يصعب ضبط السلوك والسيطرة على الايتام، ومنهم الايتام السياسيون ونحن منهم.  في كثير من الأحيان تحول يتمنا السياسي الى انفلات في المحاربات وهذا لا يشمل الجميع، هذا الانفلات باسم التعددية والديمقراطية تجسد بالانقسامات الحزبية، والانقسامات الفئوية والطائفية، رصيدنا الحزبي عشرة أحزاب كبيرة وصغيرة، لا نعرف حتى الآن عدد الحركات الدينية، منها دينية سياسية ومنها دينية بدون سياسة ظاهرة، منها باطنية صوفية، ومنها تكفيرية ومنها اخوانية وغيرها و غيرها.
من نتائج هذه التربية السياسية العشوائية خلق مركب من المفاهيم الوطنية منها ما هو سريع الإشتعال يشتعل بسرعة الفسفور لكنه يناضل من داخل البيوت والفنادق والمقاهي، ساحة نضاله اما الفيس بوك، او بعض الصحف والمواقع الالكترونية بالنسبة لهؤلاء جميع القيادات العربية الفاشلة من قطرية ومتابعة ومشتركة وأحزاب، منهم من يتطاول على محور المقاومة وبما فيه حزب الله، رغم ان هذا الحزب غيّر الكثير من المفاهيم السياسية في المنطقة، وأعاد الى لبنان وجهه المشرق العروبي.
احد المكاسب السياسية التي حققتها الجماهير العربية هو وجود هذه الأطر، حتى لو أخطأت هنا أو هناك، لكن لا يوجد أي مبرر لتجاهل قيمتها وأهميتها المعنوية والتنظيمية والقيادية.

السبت 9/9/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع