باكورة جاسر داوود الشعريّة: مزج جميل بين الذاتيّ والموضوعيّ والتقليد والتجديد


علي هيبي


بيت لحم – نريد عيد الميلاد بدون احتلال! (أرشيف)


*قراءة في ديوان "عبير شوق السنين"*




** تنويعة واضحة
يلجأ الشاعر إلى تنويعة واضحة في قصائده، فهو يكتب القصيدة العموديّة المبنيّة على بعض الأوزان الخليليّة، وله منها سبع قصائد، وهنا أدعو الشاعر إلى دراسة أعمق لهذه البحور وتفعيلاتها وجوازاتها. ويكتب قصيدة أعتبرُها مزيجًا من الشعر المرسل والشعر المقطعيّ المزدوج، قصيدة "المعذّبة"، وقصيدة مقاطع من الرباعيّات هي "الأمّ المقدّسة"، وله قصيدة باللغة العاميّة وهي "طفل من بيت لحم"، وما بقي من قصائد فهو من شعر التفعيلة أو من قصيدة النثر أو ما بينهما، ما يشبه الخليط من هذه وتلك



** معنًى وطنيّ
وفقًا لما قرأت من الديوان ومضامينه وكتبه السابقة، أنا من الذين يؤمنون بأنّ المسيح ومحمّدًا رسولان عربيّان، وأن الاثنين لنا، وليس المسيحُ للمسيحيّين وليس محمّدٌ للمسلمين، الاثنان وفي المقدار نفسه لنا. وأنّ الكنيسة والجامع كدارين للعبادة وذويْ معنًى وطنيّ عربيّ، الاثنان لنا، وليست الكنيسة للمسيحيّين فقط وليس الجامع للمسلمين فقط، الكنيسة والجامع الاثنان لنا، وإذا أُعتديَ على واحد منهما كان الاعتداء على الآخر تحصيلًا حاصلًا، ويا ويلنا إذا اعتقدنا غير ذلك





نودّع في هذه الأيّام (حين كُتب المقال - المحرر) شهر رمضان المبارك، ونحن لخمس ليالٍ بقين منه، ونقف على عتبات ليلة القدر، ومن ثَمّ نستقبل عيد الفطر السعيد، ننتهز هذه الأمسية المباركة بوجودكم وبهذه الأجواء لنعايد عليكم مسلمين ومسيحيين سائلين الله وأنبياءه: المسيح ومحمّدًا أن يعود علينا وشعبنا العربيّ الفلسطينيّ ينعم بالاستقلال والسلام والأمن في دولته فلسطين وعاصمتها القدس، مهد المسيح ومعراج الرسول. وشعوبنا العربيّة في سوريا وليبيا واليمن والعراق تنعم بالتخلّص من الإرهاب الداعشيّ والسعوديّ والقطريّ والتركيّ والأميركيّ.
أنا من الذين يؤمنون وأعتقد أنّي مثلُ جاسر في هذا الإيمان، وفقًا لما أعرفه عنه في الحياة ومواقفها، ووفقًا لما قرأت من الديوان ومضامينه وكتبه السابقة، أنا من الذين يؤمنون بأنّ المسيح ومحمّدًا رسولان عربيّان، وأن الاثنين لنا، وليس المسيحُ للمسيحيّين وليس محمّدٌ للمسلمين، الاثنان وفي المقدار نفسه لنا. وأنّ الكنيسة والجامع كدارين للعبادة وذويْ معنًى وطنيّ عربيّ، الاثنان لنا، وليست الكنيسة للمسيحيّين فقط وليس الجامع للمسلمين فقط، الكنيسة والجامع الاثنان لنا، وإذا أُعتديَ على واحد منهما كان الاعتداء على الآخر تحصيلًا حاصلًا، ويا ويلنا إذا اعتقدنا غير ذلك، فسيكون الجامع والمسلمون في خطر والكنيسة والمسيحيّون في خطر أيضًا. وما أخطر دعوة ذلك الشيخ الذي دعا من على درجات منبر إلى أنّ أعيادنا لنا وأعيادهم لهم، ليست هذه دعوة رجل دين حقيقيّ وصادق، رجل الدين الحقيقيّ والصادق هو ذلك الذي يقول أعيادنا واحدة، أعياد المسلمين لهم وللمسيحيّين وأعياد المسيحيّين لهم وللمسلمين في هذه الديار. أعيادنا عربيّة والسلام.
وما أخطر دعوة ذلك الكاهن الذي دعا الشبّان المسيحيّين العرب إلى الخدمة المدنيّة في جهاز الشرطة التي تبيح حرق كنيسة الخبز والسمك في الطابغة، والخدمة العسكريّة في الجيش الإسرائيليّ الذي هدم برعم وإقرث وغيرها من القرى وشرّد أهاليها وصادر حقّهم العربيّ والشرعيّ والقانونيّ بالعودة إليها، وهو الآن وبشكل يوميّ يدنّس بالاحتلال كنيسة "القيامة" والمسجد "الأقصى".
عرفت الأخ والمربّي والرفيق جاسر داوود منذ فترة طويلة، ولكنّ العلاقة توطّدت من خلال نشاطنا السياسيّ ضمن إطار الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة. ومن خلال النشاط الأدبيّ والثقافيّ الذي نما وترسّخ وانتشر حراكه بعد تأسيس اتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين قبل ثلاث سنوات بالضبط. وكان الأخ جاسر من أوائل المنتسبين له. ونحن نتشرّف ونعتزّ بهذا الانتساب.
لست ناقدًا للشعر ولا لغيره من الإنتاج الأدبيّ، ولكنّي قارئ عاديّ أمتلك أدواتي من تجربتي المتواضعة وقراءاتي المتأنيّة، وبخاصّة في الإنتاج الفلسطينيّ المحلّيّ الغزير، والذي أعترف أنّه ألهاني عن قراءة الإنتاج الأدبيّ العربيّ من بلدان أخرى، لقد غزُر هذا الإبداع فعلًا، ففي السنوات الثلاث الأخيرة أصدر الأدباء من أعضاء اتّحادنا فقط حوالي مئة وخمسين كتابًا، في ميادين: الشعر والقصّة القصيرة والرواية والمسرحيّة والترجمة والدراسة وغيرها من مواضيع الكتابة الإبداعيّة والعلميّة. ولجاسر باع طويل في هذا الإبداع والتنوّع، فقد أبى إلّا أن يكون كاتبًا شاملًا وقادرًا على الكتابة في كثير من الأنواع والفنون، فهو إذ يصدر باكورة دواوينه، متأكّد أنا أنّ في جعبة مكتبته وذاكرته الكثيرَ من المخطوطات التي تقبع بين طيّات ظلام الجوارير، تنتظر في محطّة سفر الوجدان لتركب قطار النور وتبلغ فضاء الإبداع.
ولجاسر مجموعة قصصيّة بعنوان "خلود جذور الوطن" صدرت قبل عامين، واحتُفِيَ بها في هذا المكان بحضور لفيف من المبدعين والمشاركين، أذكر من بينهم كبيرنا - أعطاه الله الصحّة والعافية والعمر المديد – الكاتب والشاعر حنّا إبراهيم. وله في مجال السيرة كتاب هو سيرة حياة للقدّيسة الجليليّة الفلسطينيّة مريم بواردي، وكتاب عن ستّنا مريم أمّ الكلّ، أمّ يسوع المسيح، "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيّا* فاتّخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرًا سويّا* قالت إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّا* قال إنّما أنا رسول ربّكِ لأهب لكِ غلامًا زكيّا* قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيّا* قال ربّكِ هو عليّ هيّنٌ ولنجعلَهُ آيةً للناس ورحمةً منّا وكان أمرًا مقضيّا*. (سورة مريم)
وأنا أعرف أنّ جاسرًا يقوم الآن بوضع اللمسات الأخيرة على دراسته حول الحسّ الوطنيّ عند الشاعر الكبير، ابن عبلّين الأستاذ جورج نجيب خليل، وأعتقد أنّ ديوانه "بلادي أو إلى بلادي" كان أوّل ديوان شعر قرأته في حياتي، وأنا في صباي، وكانت الكتب شحيحة، وكنّا نعتقد أنّ الشاعر قد يكون بعيدًا يعيش في برج عاجيّ أو في مجرّة سماويّة أو في بلاد خيال بعيد، وما كان ليخطر ببال أحد أنّ الشاعر رجل عاديّ وحقيقيّ، يسكن في عبلّين التي تبعد عن كابول مسافة ساعة سيرًا على الأقدام، وأقلّ من ذلك لو ركبنا الحمير، وربع ساعة لو ركبنا ما بعد بعد الحمير.
وأعتقد أنّ جاسرًا ما زال عاقدًا العزم على إخراج دراسته التاريخيّة حول قريته عبلّين، وهو حائز على درجة الماجستير في موضوع الدراسات الإسلاميّة وتاريخ الشرق الأوسط. فإلى الأمام أيّها العزيز، نغبطك على غزارة الوبل وعلى تنوّع الخصوبة المبدعة.
وإذا كان جاسر داوود الشاعر وديوانه "عبير شوق السنين" هو محور هذه السهرة الأدبيّة، وإذا كان جاسر وأنا وغيرُنا قد شببْنا على النهل من الرعيل الأوّل لشعرائنا الفلسطينيّين الكبار، ومن غيرهم من الشعراء العرب والشعراء العالميّين، فلا بدّ من أن يكون الوطن والإنسانيّة والثورة والحبّ والأرض والنضال والحريّة والألم والأمل مواضيعَ في أشعارنا، وإذا كنّا قد تأثّرنا بهم، وهذا غير مشكوك فيه، فلا بدّ من أن نُراكم تجاربهم ونعتصر من وجداناتهم المضطربة كالوطن، وننهل من حيواتهم ومواقفهم ما يجعلنا نمجّد الحياة الكريمة ونقدّس الموت المشرّف الذي يُبقي صاحبه حيًّا أو يموت واقفًا كالأشجار.
وإذا كان لا بدّ من الحديث عن هاجس رئيسيّ/ موتيف أساسيّ عند جاسر في هذا الديوان، فلا بدّ أنّ هاجس الوطن الصغير عبلّين والوطن الكبير فلسطين، بكلّ تشكيلاته الماديّة وبكلّ مدلولاته المعنويّة والرمزيّة، لهو المحور الموضوعيّ والمعادل الفنيّ لمعاناة الشاعر على المستوى الذاتيّ ولمعاناة الوطن على مستوى الجمعيّ. والوطن ليس دائمًا حلمًا ومعنًى ورمزًا ودلالةً، بل الوطن وفي كثير من الأحيان هو الناس والأفراد والأشياء الماديّة الصغيرة والبيت والشجرة ولقمة العيش والفدّان وتعليم الأبناء وتزويج البنات والأعراس والغناء والموتى والقبور والشواهد ومنارة الكنيسة والشماس والجرس ومئذنة الجامع وهموم الصوم ولقمة الإفطار وبهجة الأطفال في العيد والملابس الجديدة والمدرسة والدفتر، والوطن هو حبّ بنت الجيران واختلاس النظرات إلى الحسان، الوطن هو جهنّم أحيانًا نكون فيه أشقياء ونصلى نار ذوي القربى والحكّام الظالمين من أمثال حكّامنا اليهود والعرب في هذه الأيّام، ولكنّه أي الوطن، مهما اشتدّت علينا حلكته وجثم على صدورنا كجدار عازل يبقى أفضل من الجنّة التي لو وُضع فيها ناظم حكمت لصاح: "آه يا وطني" فالجنّة وأنهارُها الجارية من تحتها والملائكة المحلّقة من فوق أجوائها، كلّ ذلك لا ينسي الشاعرَ وطنَه.
الوطن عند جاسر هو الوحدة الوطنيّة بالمفهوم السياسيّ أيضًا، فلا يمكن لأجراس الكنائس أن تقرع في وادٍ وتكبير الجوامع أن يرنّ في واد آخر، فالثرى والنبع والنسيم والجبال والوديان والقمر والسهر والسعادة والهناء، والتاريخ في عبلّين وهي الوطن الصغير للجميع، والعدوّ المتربّص بهذا الجميع واحد، وقد يكون هذا العدو هو الذئب والغدر وقد يكون من ناكري جميل خيرات الوطن، وقد يكون التفسّخ والتشرذم الوطنيّ والطائفيّة والعائليّة وتغليب المصالح الذاتيّة النفعيّة وتقديم مصلحة الفرد الدنيئة على المصلحة العليا للوطن.
ينعكس هذا المفهوم الإنسانيّ للوطن بلا تعصّب وبلا فئويّة أو طائفيّة عند الشاعر، فعبير شوق السنين، هذا التوالي لثلاثة أسماء يشعّب الصورة لتتشكّل من العبير المحسوس والشوق المعنويّ الذي يدلّ على نقاء الأحاسيس والزمن المجرّد الذي يعطي الوطن امتداده الماديّ والسرمديّ، منذ البدايات أو ما قبلها حتّى النهايات وما بعدها، كلّ ذلك المزيج الجميل يلوّن الصورة الشعريّة ويجعلها ذات نبض وإيحاء يضفيان على القصيدة ظلالًا جماليّة وغنيّة بالحركة والأصوات. هذه الصورة وهذه القصيدة التي لا تنتهي حبًّا وطيبًا وشمسًا هي عبلّين، التي يعتبرها الشاعر أغلى حبّ عرفه، منذ قصيدته الأولى، حيث يتحوّل الوطن نفسه ليصبح قصيدة عشق والشاعر عاشقًا ولهانَ يعاني حالة الفراق، متلوّعًا ومحترقًا شوقًا للقاء الحبيبة الغالية والبعيدة/ الوطن الغائب والبعيد.
جمال الوطن ومعانيه القدسيّة وأشياؤه ومفرداته الحسيّة على جمالها، لا تنسي الشاعر همومه، فالوطن مألوم بواقع احتلال مقيت وبوضع عربيّ مأزوم ومهزوم، والحلم كابوس والأمل لا يلوّح بيديْه من بعيد، إلى أين يهرب الشاعر؟ والمستقبل عاجز عن المجيء لسواد في ليل حاضر جاثم كالمصيبة ذات العيار الثقيل، يبدو كأنْ لا فكاك من جبروته! قد يسعف الماضي/ الهروب إلى الخلف/ إلى عنترة وتغلب وعمرو بن كلثوم. وهل يجدي السؤال إلّا بقليل من قبس اليأس الإيجابيّ، اليأس السيرياليّ. لمن نهرب وإلى أين؟ لخادم الحرمين الوهابيّ/ للرئيس السيسي الربيعيّ/ للإخوان المسلمين الأردوغانيّين/للإخوان الوهّابيّين وثمود/ هل نعود إلى أولئك الذين "فرشوا بقلوبهم حصونًا للغريب وقتلوا رغبات شعوبهم فأذلّوها" على حدّ تعبير جاسر في قصيدة "وا تغلباه"/فاليمن تفرّق أيدي سبأ بعد أن هدمت فئرانُه مأربَه/ والعراق يشكو من هولاكو جديد لا يذر مكتبة ولا متحفًا/سوريا في مهبّ رياح خطير/مشرعة الأبواب المخلّعة نحو الجهات الستّ/ مصر نامت نواطيرها الناصريّة عن ثعالبها وساداتها/ قلنا سيسي سيسي ولم يطلع نور ولم يتنفّس صبح ولم ينبلج ربيعٌ ولم يضحك. ومع ذلك فجاسر يهرب إلى الماضي البعيد مستصرخًا ومستغيثًا "وا تغلباه"، أو إلى الماضي القريب فيعيد إلينا جمال عبد الناصر حيًّا كقائد ورمز للعروبة والوطنيّة والعدالة الاجتماعيّة وكرمز للطهارة العروبيّة. كلّ ذلك تعبير صادق عن حالة اليأس والإحباط والخمول والقدرة المذهلة على اللا فعل،التي تضطرب فيها هذه الأمّة بظلام قتل شبابها وبظلاميّة تقتل تفتُّحَ عقلها. فإلى أيّ درك تأخذنا أيّها التديّن المبشنق بالظلاميّة والأصول المزيّفة/ وفي أيّ قاع صفصف تُلقينا أيّها العصف المدمّر. 
في هذا الديوان ثمانٍ وعشرون قصيدة، لا أعتقد إلّا في قليلها لا يمرّ ذكر الأمّ، لا أعرف سببًا حقيقيًّا لذلك، ولكنّي أكاد أجزم أنّ للأمومة والأمّ والمرأة عامّة دورًا هامًّا في نسيج التجربة الشعريّة والفنيّة عند شاعرنا، فالأمّ هي الغنى الوجدانيّ الطافح بكلّ المعاني المقدّسة، إنّها الوطن والطبيعة والأمومة والطهارة والنقاء، وهي البداية والولادة الدائمة والتجدّد الحيويّ، وهي الصدر الحنون الذي نسند إليه همومنا، والأم هي الحبّ الطاهر الذي لا نستطيع أن نحيا ونزاول حياتنا ونمارس نضالنا دونه، إنّ هذا الموتيف الذي يتردّد في الديوان من أبرز العناصر التي شكّلت العاطفة والحبّ وبصدق داخليّ، وكلّ ذلك من صميم التجربة والمعاناة الذاتيّة للشاعر ولنا، على اعتبار أنّ صوت الشاعر الصادق المجلجل هو انعكاس لصدى أصواتنا الصامتة.
هناك من يردّد في بلادنا، وفي الأوساط الثقافيّة والأدبيّة، أنّنا لم نعد نملك إلّا سلاحًا واحدًا هو الثقافة، والصراع السياسيّ والقوميّ في أحد وجوهه ثقافيّ حضاريّ، هذا إلى حدّ ما صحيح وبشكل نسبيّ، وكلّ إنتـاج أو إبداع أدبيّ هو رصيد لثقافتنا الإنسانيّة ولشخصيّتنا القوميّة ولهويّتنا الوطنيّة، شريطة أن يستوفي الأسس والعناصر الفنيّة والجماليّة، ولا يكفي في هذه الحال الموضوع والمضمون، مهما كان صادقًا من الخارج، لا بدّ من الصدق في داخل الإبداع، وإلّا صار هذا الأدب عالة على مشروعنا الفنيّ والثقافيّ والوجوديّ، فالقصيدة كي تكون سلاحًا تقاتل في المعركة إلى جانب غيرها من الأسلحة، يجب أن تكون على جودة جماليّة، وإلّا تحوّلت إلى سلاح مضادّ.
ولا بدّ من التعريج على أحد الجوانب الفنيّة في الديوان، وأقصد الشكل الشعريّ، وجاسر يلجأ إلى تنويعة واضحة في قصائده، فهو يكتب القصيدة العموديّة المبنيّة على بعض الأوزان الخليليّة، وله منها سبع قصائد، وهنا أدعو الشاعر إلى دراسة أعمق لهذه البحور وتفعيلاتها وجوازاتها. ويكتب قصيدة أعتبرُها مزيجًا من الشعر المرسل والشعر المقطعيّ المزدوج، قصيدة "المعذّبة"، وقصيدة مقاطع من الرباعيّات هي "الأمّ المقدّسة"، وله قصيدة باللغة العاميّة وهي "طفل من بيت لحم"، وما بقي من قصائد فهو من شعر التفعيلة أو من قصيدة النثر أو ما بينهما، ما يشبه الخليط من هذه وتلك. وأعتقد انّ هذا التنويع مكّن الشاعر من أداء تجاربه ومعانيه وفقًا لسلّم ذي طبقات صوتيّة متفاوتة الإيقاع والوقع على الأسماع والأذواق المختلفة بطبيعتها بين القرّاء، وقد لاحظت أنّ صوت جاسر الشعريّ يعلو بنبرته وصرخات قلبه المتصدّع ليصبح خطابيّا مباشرًا حين ينادي ويخاطب العدوّ مستغربًا جرائمه بحقّ الطفل والوطن والناس، وقد نلاحظ هذا الصراخ في بعض القصائد الحديثة حين يثوّر ويحرّض. أمّا في رسالته إلى محمود درويش، فبالرغم من كونها رسالة، والمفروض أن تكون خطابيّة ومباشرة نراه فيها ذا نبرة هادئة وهامسة. شأنه في هذا كشأن معظم القصائد المتحرّرة من القيود الكلاسيكيّة، ومن هنا نستطيع أن نستنتج غير جازمين، أنّه كلّما تحرّر جاسر الشاعر من القيود كان شعره أكثر هدوءًا وانخفض صوته إلى حدّ الهمس، ولكنّه بالتأكيد يصبح أعلى شاعريّة وفنيّة من حيث جودة الصورة الشعريّة والصياغة اللغويّة.
لا يمكن أن أنهي هذه المداخلة دون التطرّق إلى الموتيف المسيحيّ في شعر جاسر، وقد يتبادر إلى الذهن وللوهلة الأولى والثانية أنّ جاسرًا يتقوقع في صومعة دير أو ينطوي في ركن منزوٍ في كنيسة الذات، العكس هو الصحيح، وهو الذي نلمسه لمس اليد ونراه رأي العين ونعيه بأمّ العقل منذ الوهلة الثالثة، فالموضوع المسيحيّ فضاء إنسانيّ منفتح على الآخر، وبخاصّة الإسلاميّ بحكم العامل الدينيّ العباديّ، فالربّ واحد، " لتجدَنَّ أشدَّ الناسِ عداوةً للذينَ آمنوا اليهودَ والذين أشركوا، ولتجدَنَّ أقربَهم مودّةً للذينَ آمنوا، الذين قالوا: إنّا نصارى، ذلكَ بأنَّ منهمْ قسّيسينَ ورهبانًا وأنّهم لا يستكبرون. (سورة المائدة الآية 82). وبحكم العامل الاجتماعيّ، فشرقنا العربيّ ومجتمعنا المحليّ هو ذلك النسيج الفسيفسائيّ الذي يتكوّن من رسالة الحبّ والتآخي والمودّة، بلا تمييز، فعبلّين واحدة للجميع، والقدس بأقصاها وقيامتها، رمزان وطنيّان عربيّان صامدان إلى أن تقوم قيامة المحتلّ ويتحرّر الوطن من أقصاه إلى قيامته، ومن المهد وإلى اللحد، فهذا التراب الطاهر والمعمّد بدماء الشهداء، إمّا أن نعيش عليه بشرف وكرامة أو نموت فيه وندفن بكرامة وشرف.
أليس هذا ما تريد يا جاسر الطيّب؟ وللموضوع المسيحيّ عند جاسر جانب سياسيّ ووطنيّ، وله كذلك جانب روحانيّ رومانسيّ، يسمو بالنفس إلى عليّين، عندما يعطي لنا الشاعر شرعيّة للأحاسيس الإنسانيّة وأبرزها وأسماها الحبّ، وهذه المشاعر لا يمكن أن تتناقض مع الفطرة البشريّة، وهذه لا يمكن لدين أن ينكرها، بل تقرّها كلّ الأديان، فالدين لا يمكن أن يخالف الفطرة، أمّا من يروْن في الحبّ فحشًا، فأولئك هم الفاحشون الذين يجاهدون بالنكاح، المجرمون قتلة الناس والحريّات، الذبّاحون الحارقون، مدمّرو الحضارة والتاريخ والوعي الإنسانيّ، النهّابون الذين يسرقون الثروات الوطنيّة ويبيعونها لأعداء الوطن بثمن بخس. عندنا أنا وجاسر والحاضرين الحبّ هو الطهر والنقاء وصفاء النفس والسموّ بها إلى ملكوت الربّ وسدرة المنتهى.
فالموضوع المسيحيّ يتناقض مع هجرة المسيحيّين وتهجيرهم من شرقنا، لا شرق بلا مسيحيّيه ومسيحه الجليليّ الناصريّ، الذي ولد في بيت لحم ومشى على الماء في طبريا، وعصر من الماء خمرًا في كفركنّا، وجاسر يعتبر في قصيدة "أوّاه يا قدس" أنّ الرحيل عن الوطن يعني الموت والثكل. لأنّ الوطن هو الأرض النابضة بالحياة والربيع الجميل، وهي الشهيدة المعمّدة بطهر التراب والماء المقدّس من عين العذراء الناصريّة ومدن الوطن ومناطقه ومعالمه: عكّا وحيفا وسخنين وعرّابة والشاغور والزابود وجبل حيدر وجامع الجزّار وكنيسة مار جريس وشعر درويش وسميح.
فلنكتب الشعر! فلا خوف علينا ما دمنا ننبض شعرًا ووطنًا، ونحكي لأطفالنا قصّة الذئب الذي افترس ليلى، ونروي روايتنا الصادقة ندحض بها الزيف والكذب.
وإلى الأمام يا جاسر، وإلى مزيد من الإبداع. ولك الحبّ والحياة.


الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع