نجونا من الموتِ حبًّا في قصائدك


د. راوية جرجورة بربارة


مرت هذا الأسبوع (9 آب) الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر الفلسطيني الفذّ محمود درويش


** الأصواتُ عديدةٌ
من أنا لأقولَ لكم كم محمودًا قرأناه؟ وقراءاتُه لا تنتهي، ولا تكفُّ عن مشاكستِكَ ومكاشفتك بأسرارِها يومًا بعد يوم، وقراءةً بعدَ قراءةٍ. من أنا لأقولَ لكم كم محمودًا قرأناه؟ والأصواتُ عديدةٌ في القصيدة الواحدةِ، تلكَ ترتدي قناعًا، وأخرى تتناسلُ، وهذه تنقطع وتتواصلُ، وتلك ترتكب خطيئتَها ولا تعتذر عمّا فعلَتْ، وهذه تتّسعُ إذا تمشّى القمرُ فوق السطوحِ، وتلك تضيق إذا نامت على سرير الحبّ، وتتلوّنُ خضراءَ، زرقاءَ، لازورديّة، عشبيّة، مائيّة، بريّة، سماويّة... 




  لا حقائبَ للنّصِّ ليسافرَ معكم، لكن بما أنّه عن محمود درويش، آمَل أن يسافرَ بكم، فاجتماعنا هنا أتى ليقولَ بأنَّ محمودًا واحدٌ من القادرين على لمّ الشملِ دون وزارات ولا "حقائبَ"!   
  اجتماعُنا هنا لنقولَ للحياةِ هذا مسرحُكِ، ساحة بيضاء لا وظيفةَ للغبارِ فيها، وهنيهات من الفرحِ، لا متّسعَ فيها لغير المحبّة، والأخوّة.
  محمودٌ "يا حظَّ المساكين"، كالحبّ أنتَ، ألم تقل عنه كذلك؟ "من حسن حظّنا أنّنا نجونا مرارًا من الموتِ حبًّا في قصائدكَ"(1)، ومن حسن حظّنا أنّه ما زالت فينا بعضُ الهشاشةِ لندخلَ ثانيةً في التجربةِ...
  محمودٌ يا عزفَ الكمنجات على خاصرةِ نساءٍ لم يقابلنكَ إلّا في أحلام العاشقاتِ فارسًا "في الانتظار"، تعاقب زهرة الأوركيد على غياب كماسوطرا، وتخلق ألف عذرٍ لها لأنّها لم تأتِ، وتنتحل رائحةَ الصندلِ الذكوريّة في مجازاتِ لغتكَ لنشمَّ  طيبَ القصيدةِ المشتهى، ونذوقَ نبيذ القصيدةِ المشتهاةِ...
 كيف لم تسمعْك الحياةُ حين قلتَ لها: "تمهّلي، حتّى تجفَّ الثمالةُ في قدحي"؟ لم تجفَّ ثُمالةُ قدحكَ، ولم ترحل، فأنت حاضرٌ دائمٌ في الغيابِ، أتدري لماذا؟ لأنّكَ عقدتَ لنا هدنةِ صلحٍ معَ ذاتِنا، تركتنا نتأمّلُ معنى وجودِنا وعبثيّةَ رفضِنا للتوصّلِ إلى مفاهيمَ جديدةٍ تركها لنا واقعٌ لم نشأه ولم يشأنا، لكنّنا شئنا أم أبيْنا وُلدناه ونعيشهُ واقعًا متجاوَزًا بمحاورتك إيّاه، لم تعاقبْهُ، لم تحاسِبْهُ، لم تدِرْ له ظهر المجنّ بل ناقشتَ فكرَهُ الوجوديَّ، وفلسفةَ وجودنا الاجتماعيّة، السياسيّة، الحياتيّة، المعيشة، الإنسانيّة، الراقدة الراكضة، الثائرة المستسلمة، العاشقة الخائنة، المغادرة الباقية..
  استبطنت من نفسِكَ ولدًا صغيرًا وأفهمْتَهُ ارتباكاتِ وارتكاباتِ التاريخ، عرّيتَ من عشقك ورقةَ التوتِ وأحببتَ حوّاءَ بمعطياتها الأنثويّة لا بمعطياتها الإثنية والعِرقيّة والقوميّة، فسكنَتْ جنّةُ الله في قصائدِكَ بِحورِها ونورِها وأنهارِها وكوثرِها وسلسبيلِها، تناسلتَ من قصائد أجدادِكَ المعلّقة على جدارِ الكعبةِ إلى جداريّاتكَ المعلّقةِ على كتاب الحياة والخلودِ، والولادة والموتِ والانبعاثِ المتجدّد لطلّتك التي تتمرّد عليها، أنتَ نفسُكَ، كلّ مرّةٍ، لتدهشَنا.
أنتَ الذي يحمل نبوءته ليقطع سيناء والصحراء الكبرى ونيفادا...  يصعدُ فوق الجبل ليُحضِرَ لوحَ الوصيّة الشّعريّة: "تجدَّدوا، تمرَّدوا".. تذبحُ "العجل المذهَّب" كلَّ مرّةٍ، فلا تركعُ لقصيدةٍ.. تُصَلِّي في محراب الحبِّ والوطنِ والإلهام لتُزَحزحَ الصخرةَ الجاثمةَ على بابِ القبرِ، وتُقيمَ قصيدةً جديدةً من تحت الردمِ.. تسري بها ليلا سرنمةً إلى سماءِ الشّعر لتتجلّى معجزةُ نبوءتِكَ.. فتشرقَ على ما تريد ..
كم محمودًا قرأناك؟ وكم محمودٍ لدينا!
قرأناكَ الثائرَ الرافضَ، المتقبّلَ، المفكّرَ، المتعاطيَ الآخِذَ، الرادَّ الصادَّ، الواضحَ العميقَ، المصرّحَ الملمِّحَ، العاشقَ المنتظِرَ، المعاقِبَ المعاقَبَ، الابنَ الضالَّ، الليلكَ، والنرجسَ، والأوركيدَ، والنبيذَ، وربطةَ العنق الأنيقةَ، ابنَ حوريّة، وابن السّفَر، ابنَ ربطةِ الخبزِ المنسيّةِ، وابنَ سائسِ الحصانِ الذي تُركَ وحيدًا، وابنَ الكرملِ الرابضِ على الشاطئِ "كأنفِ غزالةٍ"، ابنَ الريحِ تبني تحت عصفِها خيمتكَ وتستكين، وابنَ القبيلة، ابنَ الصحراءِ التي لن تقول لها: "عمي مساءً"، وأخا الكرديّ، والفينيقيَّ، من بقايا العربِ الراحلين إلى الأندلس، والخارجينَ من الأندلس، قرأناكَ عزفَ الناي وصوتَ الحنينِ الراقص على وقعِ السيناريوهات الجاهزة والمتوقَّعة، المفسِّرَ للأحلام أحلامَها، المعلّقَ للّغةِ مجازاتِها على علّاقةِ الزمن الذي لم يأتِ بعدُ، لاعبَ النردِ، الرابحَ الخاسرَ، المسيَّرَ المخيّرَ، الراسمَ النهرَ على الورقةِ البيضاءِ من نبضِ القصيدة، السامعَ البحر من وقعِ ارتطام الصدَفِ بالموج، الماسحَ مع فيرونيكا عرَقَ الفادي على منديل آلامِنا، الناصتَ لوقعِ النون في "بأيّ آلاء ربّكما تحدّثان"، الشّاعرَ الراميَ سعفَ النخيل تحتَ حبر جوازاتكَ، وتفعيلاتِك، وبحوركَ، وأوزانكَ، وقوافيك الداخليّة المختبئة، وجرْسِ قصائدِكَ الذي يطنّ في الورى، واحتيالِكَ على الأنواع الشعريّةِ، ورفضِكَ وقبولِكَ، ولغتكَ، وسوناتا قمركَ...
من أنا لأقولَ لكم كم محمودًا قرأناه؟ وقراءاتُه لا تنتهي، ولا تكفُّ عن مشاكستِكَ ومكاشفتك بأسرارِها يومًا بعد يوم، وقراءةً بعدَ قراءةٍ.
من أنا لأقولَ لكم كم محمودًا قرأناه؟ والأصواتُ عديدةٌ في القصيدة الواحدةِ، تلكَ ترتدي قناعًا، وأخرى تتناسلُ، وهذه تنقطع وتتواصلُ، وتلك ترتكب خطيئتَها ولا تعتذر عمّا فعلَتْ، وهذه تتّسعُ إذا تمشّى القمرُ فوق السطوحِ، وتلك تضيق إذا نامت على سرير الحبّ، وتتلوّنُ خضراءَ، زرقاءَ، لازورديّة، عشبيّة، مائيّة، بريّة، سماويّة...
أنتَ ارتكبتَ قصائدَكَ، وتركتَنا أكثرَ إنسانيّةً، وأكثرَ صدقًا مع أنفسِنا، وأكثرَ تصديقًا لكذباتِ الشّاعرِ، وأكثرَ ألمًا وفرَحًا، أكثرَ وعيًا اجتماعيًّا، وأكثرَ ذكاءً عاطفيًّا، وأكثرَ نبوغًا سياسيًّا، وأكثرَ تحطيمًا لأوثانِ معتقداتنا، وأكثرَ إيمانًا بدور الشاعر في انتصاره على هويّتِهِ باللّغة، وانتصارِه لهويّته باللّغة، وقدرتهِ على إخماد الحرائق!
(النصّ الذي ألقيَ في الأمسية الحواريّة المشتركة تقديرًا لشعر محمود درويش الكابري- مؤسّسة محمود درويش وجامعة حيفا، معًا ضدّ العنف) 


//هامش
(1) تحريف لما ورد في قصيدته "لاعب النرد":
"ونحن نحبّك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين /
من سوء حظّيَ أَني نجوت مرارًا
من الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشًّا
لأدخل في التجربةْ!"

الأحد 13/8/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع