الشعوب هي القادرة على تغيير وتجديد الحياة السياسية


مليح الكوكاني



لعل حادثة سفارة الاحتلال في عمان الاردن، وما نجم عنها من قتل مواطنين اردنيين، من قبل رجل الأمن وحارس السفارة الصهيونية وبدم بارد، حسب الشبهة، يثير التساؤلات ويدخل الشكوك والحيرة والارتباك في طبيعة وجدوى وبقاء واستمرار عمل سفارة المحتل والمعتدي في عمان، ومن كل العلاقات غير المتكافئة والخاضعة للاملاءات والأمن الاسرائيلي، الذي يسرح ويمرح ويعيث فسادا واستهتارا ومخابراتيا في قتل الروح الوطنية والمقاومة للشعب الاردني، الذي رفض ويرفض باستمرار هذا النوع من التعاون والعلاقات المشبوهة بين الراكب الاسرائيلي الرسمي المتغطرس، والمركوب الاردني الرسمي الذي يدور في فلك السياسة الامريكية الاسرائيلية ومصالحها في المنطقة والعالم العربي.
من المؤسف جدا ان الحكومة الاردنية والملك عبدالله الثاني، صاحب الحل والربط في تقرير ورسم سياسة الاردن الخارجية، جعلها تشكل جزءا من التبعية للمحور الامريكي – الاسرائيلي – السعودي في المنطقة، بدل ان تكون في صالح الشعب الاردني وقضاياه الوطنية والتحررية والتنموية، مع محور المقاومة والنضال والتصدي للهيمنة الامريكية الاسرائيلية على شعوب المنطقة، ولو من باب التواضع في المكاشفة والمحاسبة الوطنية والتجاوب مع مطلب الشارع الاردني. ان حادثا من هذا النوع وفي قلب العاصمة الاردنية، وبعد الاعتداء الهمجي واقفال الاقصى ومحاصرة القدس العربية وما رافقه من تصعيد وتوتر وظلم واضطهاد في تسخين مجمل الاجواء العامة، ان لا يمر هذا الحادث مر الكرام وقد رأينا كيف انتصر المقدسيون بصلابة وحدتهم على جلاوزة الاحتلال ومخططاته في الاستيلاء على الاقصى وفرض وبسط الاجراءات الاحتلالية التي افشلها اهل القدس وجموع الشعب الفلسطيني. وليس التدخل من امراء وملوك العرب والمسلمين الذين يملكون فقط الهمة والضريبة الكلامية والتشدق بالوصاية والحماية.
ان اقل ما يمكن ان يقوم به القيمون على اصحاب الحل والربط في المملكة الهاشمية، هو هز شباك السياسة العدوانية لحكام اسرائيل والتصرف بالتجاوب مع القاعدة الشعبية في حجز طاقم السفارة والقاتل، ثم سحب السفير الاردني كخطوة اولى في اعادة النظر في كل ملف هذه العلاقات الاردنية مع دولة الاحتلال والقتل والاعتداء، هذه العلاقة غير المجدية والتي تخدم في جوهرها مصالح اسرائيل، في السيطرة السياسية والأمنية والاقتصادية كشرطي أمين مع المصالح الامبريالية الامريكية خاصة في الشرق الاوسط.
هذه السياسة في جوهرها تهدف الى قتل الروح المعنوية والوطنية للاردنيين وحرفه عن مساره الطبيعي بأن يكون مع اشقائه من الشعوب العربية والصديقة ضد الامبريالية والصهيونية، وجعل الاردن حكومة وشعبا ان يعتاش على موائد وفتات معسكر الاستعمار والصهيونية، ومصادرة الكرامة الوطنية القومية للاردنيين وكبح جماح طموحاتهم وتطلعاتهم في الأمن والاستقرار والازدهار، بما يتناسب مع اشقائهم العرب والتزاماتهم الوطنية والقومية في ضرورة انهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة بقيام دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشرقية.
هذه ليست المرة الاولى التي يجري فيها اعتداء او قتل او تجسس داخل الاراضي الاردنية من قبل المحتلين الاسرائيليين، فقد جعلت اتفاقية وادي عربة بين الاردنيين والاسرائيليين برعاية الامريكيين مسرحا لعملياتهم الامنية والتجسسية في استباحة الاراضي الاردنية لمشاريعهم التوسعية في السيطرة ومد الطريق لبسط نفوذهم على الشرق الاوسط في المجالات كافة. فحماية المصالح الاسرائيلية والامريكية تتطلب التعاون الوثيق من العرش الاردني، ودفع الثمن مقدما بتثبيت وتقوية الولاء الاردني حكومة وملكا للمحور الرجعي بقيادة السعودية وبدعم ومشاركة امريكية اسرائيلية مشتركة، فالسكوت والتهاون الاردني وامتناعه عن اتخاذ مواقف وسلوكيات رادعة وحازمة تجاه سياسة اسرائيل وتصرفاتها وخاصة ما قامت به مؤخرا وفشلت في انجازه وتداعيات الوضع في القدس والمسجد الاقصى (وهي مسؤولية اردنية قانونية عما يجري داخل الحرم القدسي الشريف)، هو ان الاردن حكومة وملكا هم رهن الاشارة للموقف الامريكي والمحور السعودي العربي الرجعي. فامتناع الاردن عن اتخاذ مواقف حازمة تجاه حادث السفارة والوضع المتفجر في القدس والاقصى قد يشعل الشارعين الاردني والفلسطيني والعربي عامة بالغضب الجارف والحازم، مما يلقي بظله على مجمل المشروع الامريكي الاسرائيلي ويحكم عليه بالفشل وهو الآن محكوم عليه من قبل محور المقاومة بالفشل والسقوط، فالاشتعال يفسد المخطط ويفقد الشرعية عن القيادة الاردنية من قبل الامريكيين ويسقط الدعم اللوجيستي الغربي عن الاردن كونه جزءا من مخططات المحور الرجعي الذي لا يرى في سياسات اسرائيل العدوانية ولا بالاحتلال سبب الشرور والعنف في المنطقة.
الابقاء على هذه الحالة جسر للتغطية على السياسات الاسرائيلية الامريكية مدفوعة الأجر، وقاعدة ثابتة لمحور الشر بقيادة الامريكيين، وقد رأينا منذ بداية المؤامرة على سوريا والعراق كيف تحولت الاراضي الاردنية وبالذات منطقة الحدود المتاخمة لسوريا في الجنوب، الى نقطة تجمع لذيول المؤامرة وارهابييها وقاعدة فعالة جدا للانطلاق والاعتداء وارسال وتجنيد وتصدير قوى الارهاب المدعوم امريكيا واسرائيليا وخليجيا، حيث باتت تركيا في الشمال والاردن في الجنوب كمراكز للانطلاق والارهاب على سوريا شعبا وجيشا وقيادة في محاولة لتفتيت وتجزئة الوطن السوري الى كنتونات متناحرة الى ما لا نهاية.
ذلك ليس بجديد في موقف الاردن حكومة وعرشا ان ينفذوا ما يطلب منهم من السيد الامريكي وكل اذيال المحور السعودي الرجعي، مقابل المساعدات المالية والاقتصادية والعسكرية، وبالتالي ابقاء وتعميق تبعية الاردن في استراتيجية المحور الامريكي – الاسرائيلي – العربي الرجعي، وفي رسم السيناريو الذي على القيادة الاردنية ان تقوم به والقبول بالدور الاسرائيلي المهيمن والعابر للحدود في زيادة الهيمنة الامريكية الصهيونية على مقدرات وخيرات شعوب المنطقة.
إن حادث السفارة يضاف الى سجل الجرائم الاسرائيلي على مدار اكثر من نصف قرن بحق الشعوب العربية وعلى وجه الخصوص الشعب العربي الفلسطيني. ان حكام اسرائيل واحتلالهم الدموي وعنصريتهم البشعة وعدوانيتهم التوسعية التي لا حدود لها، هي السبب الأساسي في غياب لغة الحوار والتفاهم ويقرب لغة الحرب بدل السلام ويعمق الحقد والكراهية، مما يجعل الشارع العربي يغلي ويسخط غضبا على سياسات إسرائيل العدوانية وتنكرها لحقوق الآخرين، سيسجل الشعب الاردني في ذاكرته اليومية والوطنية ان الكرامة فوق كل شيء وان تهاون قيادته هو جزء من المؤامرة والتنسيق. إن دم أبنائه لن يكون قربانا بين الراكب والمركوب وسيعرف كيف سيتخلص من هذه العلاقة المفروضة عليه قسرا والأيام والفترات المتلاحقة ستشهد أحداثا حازمة وجديدة، تغير وتعصف بالكثير من موازين القوى لصالح الشعوب. وفقط الشعوب هي القادرة على تغيير وتجديد الحياة السياسية الى الافضل.


 (كويكات – أبو سنان)

11/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع