مع كتاب رسائل حب للأديبة رنا أبو حنا:
أعظم الثوار هم المحبون الحقيقيون


بطرس دلة



يعتبر أدب الرسائل أحد الفنون النثرية أو الشعرية التي عرفت قديما وكان بعض الدول يخصص لهذا النوع من الأدب ديوانا خاصا يطلق عليه اسم ديوان الرسائل ويسمى رئيس هذا الديوان صاحب الديوان، وهو متخصص بكتابة الرسائل الرسمية باسم الحاكم او السلطان او الحكومة وذلك قبل ظهور التطور التقني الجديد في ادب الرسائل بواسطة الهاي تك كالفيس بوك والتوي تر والواتس أب والانستغرام  والواي فاي وغيرها . وقد لعب النوع من الرسائل دورا كبيرا ومؤثرا في الساحة الأدبية قديما وحديثا أيضا . ومع ذلك فان هذه النوع من الأدب في طريقه الى الاندثار بسبب هذا التطور التقني.
في نهاية القرن الماضي أخذ هذا الجانر الأدبي أشكالا مختلفة فبدلا من الرسائل الورقية ظهرت الرسائل الالكترونية ولكن قبل ذلك بعشرات السنين ظهر أدب الرسائل الديوانية ذات الصيغة الرسمية والرسائل الاخوانية أي بين الأصدقاء مثل رسائل ابن المقفع والجاحظ وكتاب الأيام لطه حسين وهو عبارة عن مجموعة رسائل بعث بها الى ولده ورسائل أدونيس السوري الى أصدقائه خصوصا يوسف الخال وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم .
 ونحن ما زلنا نذكر مجموعة "الشعلة الزرقاء" وهي مجموعة الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة و "رسائل الأحزان" التي تبادلها مصطفى صادق الرافعي مع توفيق الحكيم في زهرة العمر  ورسائل الروائي المصري عبد الحكيم قاسم ورسائل غادة السمان الى أنسي الحاج او غسان كنفاني وكتاب "ورد ماد" المشترك بين محمد شكري ومحمد براق ثم رسائل الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم بين شقي البرتقالة .
يعتقد الناقد العراقي عبد الغفار العطوي أن أدب الرسائل كان متعدد الأشكال فمنه الدواني والاخواني والسّرّي والديبلوماسي وغيره !
أما الناقدة العمانية عزيزة الطائي فتقول : ان فن الرسائل من أبرز الفنون النثرية القديمة  ولكن هذا الجانر الأدبي لم يحظ بالنقد الحقيقي حتى اليوم وذلك بسبب اشكالية نشر مثل هذه الرسائل قديما .
أما الآداب العالمية الغربية فقد حظي هذا النوع من الأدب بدراسات مستفيضة تحت اسم "أدب الحياة" أو "الأدب الشخصي". هكذا بات أدب الرسائل الرقمية بديلا عن نظيره الورقي وبات هذا الأدب الرقمي مهددا للأدب الورقي أي مهددا للكتاب وطباعة الكتب.
ما هي هذه الرسائل ولماذا وجدت طريقها الى الكتاب الآن وماذا تحمل في طياتها بالرغم مما ذكرناه عن دور الرسائل الرقمية وأفضليتها على الرسائل الورقية . رسائل حب هو اسم الكتاب الذي نحن بصدده والذي أصدرته الأديبة رنا أبو حنا  هو عبارة عن مجموعة رسائل كان والدها المرحوم المحامي أنيس رشيد أبو حنا قد أرسلها الى والدتها السيدة جولييت أبو حنا وذلك عندما كان طالبا في الجامعة العبرية في القدس في سنوات الخمسين  أي قبل الزواج وهي رسائل من طرف واحد وبدون ردود الطرف الآخر .
تقول الصديقة رنا أبو حنا: ان هذه المجموعة التي تضمنها هذا الكتاب عبارة عما كان يحلم بها والدها نحو الحرية والسلام العادل والثوابت الفلسطينية كحق تقرير المصير وحق العودة والقدس عاصمة فلسطين الدائمة حيث كان المحامي الاستاذ أنيس ابو حنا ذا فكر تقدمي وواع كصديق للمستضعفين وكحامل لهمومهم  وحانٍ عليهم وساعٍ دؤوب لمساعدتهم ومدافع عنهم بقوة وبحكمة المحامي القدير وهادي الحائرين الى حقوقهم السليبة .
كان الاستاذ أنيس انسانا دؤوبا مطالعا نهما واسع الاطلاع ويؤمن أن أعظم الثوار هم المحبون الحقيقيون! كان لديه بعد عميق في تفكيره العميق لا ازدواجية لديه في أي موضوع لأنه كان يختار طريق الصواب بدون مواربة وكانت رسائله العديدة أدبا رفيعا يصل الى عتبة الشعر لما كان لديه من نصوص نثرية تتماوج كما الشعر بين السطور. كانت رسائله الى فتاة أحلامه نادرة الصدق مفعمة بالحب بعيدة عن الجسد والجنس. وكانت علاقته بها خافية مضمورة وخاصة جدا الا أن رنا وهي ثمرة هذا الحب أرادت أن تنقل هذا الأدب من الخاص الى العام لما فيه من الروعة الانسانية المسكونة بالعشق حتى العظم!
هذه الرسائل ترد الآن كتوثيق لتاريخ فترة عاشها جيل كامل من الشباب العرب المتطلعين الى الدراسات الجامعية يحثهم في كفاحهم المستميت نحو الحياة الأفضل يحمل هذا الكفاح نبض القلوب الذي تصلح قراءته في كل زمان ومكان . وتضيف  عزيزتنا  رنا : ان هذه الرسائل عبارة عن مساهمة متواضعة في التأسيس لجنس أدبي في فن الاعتراف والبوح ربما كان أدبنا المحلي خاليا منها  ولعلها ستعيد اسم الوالد الى الساحة الأدبية بعد أن كان واحدا من أعلامها  ( راجع صفحة 9 من التقديم للكتاب) .
وتعلق في آخر تقديمها بقولها : الحب محفز للوصول الى المستحيل والى فرح الناس في كل الفصول !
مضمون الرسائل: قلنا ان هذه الرسائل جاءت من طرف واحد كتبها الاستاذ المحامي أنيس أبو حنا لفتاة أحلامه جولييت والتي كان يختصر اسمها ويدللها بخطابه لها باسم : جوجو  شقيقتي جوجو في بداية الرسائل ثم جوجو الحبيبة بعد أن وافق أهلها على تزويجها بانتهاء دراسته الجامعية . فقد كانت شقيقته أولا من أجل التمويه خاصة لأنه كان يعتقد أن الأهل قد لا يوافقون على أن يكون لابنتهم عاشق محب قبل الخطوبة او قبل الزواج ثم لأن المجتمع   مجتمع الناصرة في تلك الفترة لم يكن بعد مستعدا لقبول مثل هذه العلاقة بسبب ارث المحافظة الذي كان يغلب آنذاك على العلاقات الفردية بين الشباب والصبايا في سن المراهقة!
اذا فقد كان المضمون الأول في جميع الرسائل يدور موضوعه على الحب العذري النقي  الحب الذي يعني الاحترام المتبادل والوعد بأن تنتهي تلك العلاقة بين الشاب والفتاة بالزواج . ولذلك فالهجة الحبيب العاشق كانت هادئة لا تطرف فيها وتحمل كل أسباب الحذر وعدم البوح بمكنونات القلوب الا لماما!
أما الموضوع الثاني والرئيسي فقد تنوعت أبوابه وفصوله. ففيه حديث عن العلاقات الاجتماعية اولا ثم عن الحياة السياسية وعن الصراع العربي الاسرائيلي وعن القضية الفلسطينية وعن قضايا الدراسة الجامعية ومشاكل الطلاب العرب وكانت كثيرة!
كاتب هذه السطور عاش نفس الفترة منذ العام 1954 وحتى العام 1958 وتم تعيينه مدرسا بوظيفة جزئية في كلية اللغة العربية خاصة في تعليم الكبار وحصل على اللقبين الأول والثاني وعاد بعد خروجه للتقاعد عام 1996 لمتابعة دراسته للقب الثالث طوال أربع سنوات. لذلك فان هذه الرسائل عن الحياة الجامعية كانت شبه مذكرات له أيضا عاشها  بحلوها ومرها  بفرحها وأحزانها وتجاربها التي أغنت حياته وحياة كل الطلاب العرب الجامعيين الذين عايشوا تلك الفترة.
او ان أهم ما يذكر في هذه الرسائل هو تلك التي كرسها الأديب أنيس ابو حنا للحديث عن الطلاب العرب ومشاكلهم ودراساتهم في سنوات الخمسين المتأخرة وحتى مطلع الستينات ولذلك فان هذه الرسائل والمقالات التي ظهرت في الصحافة المحلية آنذاك بقلم الاستاذ أبو حنا تعتبر توثيقا ممتازا للحياة الجامعية للطلاب العرب في مراحلها الأولى بعد النكبة وكان عدد الطلاب في مطلع الخمسينات ثمانية عشر طالبا عربيا فقط ولم تكن هناك جامعة أخرى غيرالجامعة العبرية في القدس . اما المضمون الأساس في هذه الرسائل فكان المستوى الأدبي والفني الرائع الذي تميزت به معظم هذه الرسائل.
ان المشكلة التي قد تواجه بعض القراء في هذا الكتاب تعود الى أن الصديقة رنا أبو حنا أدخلت رسائل والدها هذه بخطه تماما كما هي. هذه الرسائل الخاصة تبدو جميلة بخط والدها المنمنم الجميل الا أن قراءتها ستتعذر على البعض في بعض الأحيان فتصبح عصية على القراءة .
مما يلفت النظر في هذه الرسائل تلك التي نشرتها مجلة المجتمع التي كان يصدرها الأديب ميشيل حداد آنذاك في الناصرة وفيها العديد من المقالات عن تاريخ الجامعة العبرية وعن الطلاب العرب فيها حيث تضمنت بعض التفاصيل الهامة جدا عن الطلاب العرب وقضاياهم . من الملاحظ أيضا أن الاستاذ أنيس ابو حنا لم يتطرق في مقالاته الى انشاء  أول  لجنة للطلاب العرب في القدس وذلك عام  1955 وكان من بين أعضائها المؤسسين الطلاب الآتية أسماؤهم في حينه وهم : بطرس أبو منه  هشام الناشف، هدى الناشف  والطالب فريد الحاج من حيفا والياس معمر واميل نصير وكاتب هذه السطور بطرس دلة . قامت هذه اللجنة في حينه بتأسيس صندوق لمساعدة الطلاب المعوزين ماديا الا أن اللجان التالية أهملت الموضوع .
في القسم الثاني من الرسائل باتت اللغة أكثر جرأة في التعبير عن الحب  ففي رسالته الى جوجو من يوم 17/12/ 1958 كتب ما يلي: ان كتابة الرسائل هي أمر حيوي وضروري جدا بالنسبة لنا فلقد شعرت وأنا أقرأ رسالتك الأخيرة لخامس او سادس مرة أن الحب يسيطر على الكتابة فالروح هي التي تكتب دائما  اذا فالروح التي تجمع الطرفين تقوي روابط هذا الحب.  (ص- 72 )  .
وبما أن صاحب هذه الرسائل المشوقة كان انسانا شديد الاطلاع على أدب مبدعي تلك الفترة فانه يقتبس  هنا وهناك بعض الابداعات التي كانت تروق له . منها ما كانت قد كتبته الشاعرة فدوى طوقان فيقول مخاطبا فتاة أحلامه بهذا النص: "سافرت سبع ساعات  يا جوجو وأنت سافرت ولكن اسمعي ما تقوله فدوى طوقان :
يا حبيبي
نادني من لآخر الدنيا ألبي
صوت حبي
 كل درب لك تفضي
هو دربي
 أنت تحيا  لتنادي
أنا أحيا  لألبي    ( ص- 87 )
وفي رسالة أخرى أرسلها لجوجو الحبيبة يوم  2 شباط 1959 يدخل مع حبيبته في نقاش فلسفي صريح وصادق كل الصدق حيث يقول :
" صحيح أن كلامنا يتمم الآخر ويكمله ... ولكن يجب أن نكون ضدين في المشاكل والأمور الصعبة ... فان كنت أنا مخطئا عليك أن تأخذي بيدي للصواب! ... وعليّ أن أكون كذلك بالنسبة لك والا فما معنى الحب والاحترام والتقدير ؟؟ !! (ص – 89).
ويضيف في تقييمه لمهنة التعليم قوله : " ان وظيفة التعليم هي وظيفة تحتاج الى ضمير واخلاص ... وأنت عندك الاثنان فحافظي على الخط الذي سرت عليه "  (ص  85) . وتختتم صديقتنا رنا هذه الرسائل بقصيدة كان قد أرسلها الاستاذ أنيس أبو حنا الى حبيبته جوجو يقول فيها :
لا    تحسبي    أني     أحبك    -  تتصورين مشاعري فوق  الورق
أنا شاعر في كل شيء انما      - عند  الكتابة  عن   هواك   أحترق
لا تحسبي أن الكتابة عبّرت     - هي  ليس  الا  بعض   دخان  قلق
لو أنني أفنى ولا يبقى  أثر     - سيفوح  طيبك  من حطام  حطامي
أنا لست أعرف كيف أختم ما بدا - فهل الختام  يكون بعض مماتي؟!
أخيرا  أيتها الصديقة رنا أبو حنا جريس لك أقول :
أنت تدعين أن هذه الرسائل الرائعة ليست من هذا العصر ! وأنا أعترض على ذلك لأن هذه الرسائل معاصرة جدا وموثقة وجريئة كل الجرأة ! فهي الى جانب خصوصيتها عبارة عن تاريخ موثق بشكل أدبي فني رائع لا يمكن لأي مثقف الا أن يجد فيها ضالته المنشودة فهي درس للشباب الناهض وهي موعظة لمن يتعظ وهي شفافة الى حدود الياسمين ولا ترهل فيها ولا ابتذال لأنها جاءت صادقة كل الصدق ولا عيب فيها سوى أنها جميلة كل الجمال !
بورك قلمك وفكرك أيتها العزيزة  فقد كنت أتحفتنا فيما مضى بكتابك الأول " عندما يذبل الحبق " والذي كان له اثر بالغ في الحياة الثقافية الأدبية في حينه واليوم أنت تفاجئيننا بهذا النشر المميز فلك منا كل التقدير والاحترام !
لك الحياة !
(كفرياسيف)
09/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع