كلمة في تكريم الصديقة عدالة جرادات يزبك


د. بطرس دلة


عاشت الباحثة عدالة حياة المخيمات وعرفت المعاناة التي ترافق أطفال المخيمات وذويهم


صديقتنا الدكتورة عدالة جرادات يزبك ابنة  الناصرة وابنة أخت الشاعر الكبير مطلق عبدالخالق يزبك انسانة حساسة الى  حدود الياسمين! فالكلمة الحلوة تهز كيانها حتى الأعماق واللحن المنساب يجعلها تطرب فتهتز كأغصان الدفلى فرحا وبهجة بالحياة! فبعد خمسة وثلاثين عاما قضتها في عالم التعليم والتفتيش الا أنها لم تتقاعد فعلا بل بالعكس فهي دائمة الحركة لا تعرف الهدوء، يقضّ مضجعها ما يعانيه أطفال المخيمات حول مدينة اريحا وجنين ونابلس وخاصة مخيم عين السلطان قرب أريحا حيث يفتقر الصغار الى أدنى متطلبات الحياة الحرة الكريمة فعملت وتعمل بكل جهدها على تعويض هؤلاء الصغار الذين سلبت طفولتهم وهم محرومون من الكثير الكثير مما يحتاجه الصغار عند نشوئهم كأشبال لا  يعرفون الخوف!ّ
أيها الأحبة! هل رأى أحدكم طفلا صغيرا بعمر الورد يمسكه الجندي المحتل بيده الغليظة ويسوقه أمامه الى المعتقل وهو لم يتجاوز سن تسع سنوات من عمره؟! هل فكر هذا الجندي أنه قد يكون له طفل في مثل سن هذا الطفل؟! أية صورة سترتسم في ذهن هذا الطفل عن هذا الجندي؟! في أي نظام ديمقراطي يكون مثل هذه الاعتداءات على حريات الأطفال ؟! وكيف يهرب ذلك الجندي من صحوة ضميره عندما يحلم بأطفال في سن اطفاله يهاجمونه بالحجارة وهو مدجج بأخطر الأسلحة؟!
لقد عاشت الباحثة عدالة حياة المخيمات وخلصت الى تجارب خاصة جعلتها تذرف الدمع ازاء المعاناة التي ترافق أطفال المخيمات وذويهم!
أصدرت صديقتنا حتى الآن خمسة كتب هي:
1. عطر التراب
2. دموع العدالة.
3. العلاج بواسطة التعبير والابداع.
4. عطش الياسمين.
5. المخيمات مفتاح الأمن والسلام  وهو رسالة الدكتوراة التي نالت عليها شهادتها الأخيرة.
من يقرأ مجموعاتها القصصية وبعض قصائدها لا يمكن الا أن يتأثر كل التأثر عندما سيقرأ عن ذلك البطل الذي فقد رجليه والآخر الذي فقد احدى يديه ودفنت الأطراف في مقبرة الشهداء ويقوم أصحابها بزيارة أعضائهم الشهيدة!  فأي ألم هذا؟!
 في كتابها " عطش الياسمين" مجموعة من الخواطر والقصائد هي نتاج معاناة صديقتنا الدكتورة عدالة، فهي تبدو في كل شطر وفي كل خاطرة   انسانة باكية محرومة كما أطفال المخيمات، لأنه في تلك المخيمات يتراكم الملح فوق جراح الأطفال وينثر غبار الظلام ذاته وضبابه على كل جميل وهي لذلك تكتب في هذه المجموعة كما ينطلق الأقحوان بعد مخاض الفراشات في نيسان! انها محاولة لتكتب ربيعا موعودا يصحّي أحلام الصغار بين ألف سوسنة وألف ربيع، فهي تتمثل عطر الربيع الذي يتساقط كالندى على بتلات الورد الجوري في صبيحة كل يوم. هكذا تبدو كلماتها في هذه المجموعة المنمنمة حديقة غناء فيها أحلام وردية وحنين كبير وشوق للأخ الذي غاب وللحبيب الذي قضى مبكرا وتدعونا لنرتشف معها قهوتها الصباحية مع عطر كلماتها التي تخاطب شغاف القلوب. فالوطن لديها حاضر غائب! لأنها كانت تحلم بوطن مليء بزهور الجلنار والعناب والقطوف الدانيات! كانت تحلم بوطن تسكنه المحبة والطمأنينة فيعيش الجميع فيه بسعادة وهناء! كانت تحلم بوطن مستقل وقادة  مخلصين يضمنون الحرية والاستقلال والوفرة لجميع أبناء شعبنا العربي الفلسطيني. لذلك فهي ترى  عطش الياسمين ومواجع الزعتر والفيجن وصفوف السنابل المهاجرة في تلميح ذكيّ الى عودة اللاجئين لأرض الوطن.
أذكر كيف كانت تقوم بزيارة المخيمات وتحاول اطلاع من يهتم بالانسانية المعذبة علها تجد طريقا أو طرقا لتقليل هذه المعاناة. هكذا كانت في كل زيارة تحاول توثيق ما يجب توثيقه ليس بالسرد البسيط بل  بسرد ينضح بالوطنية الحقة والفكر العميق فجاءت كتاباتها مثيرة لأنها وردت كإعداد لدراسة أكاديمية عملت عليها وحصلت على شهادة الدكتوراة في علوم التربية فكانت تلك رسالتها الانسانية الى  المجتمع الدولي بكافة مؤسساته وقد ترجمت أعمالها الى عدة  لغات لتصل الى العالم الأرحب.
أي عزيزتي عدالة!
عندما يستنير الانسان بنور أحلامه يصبح شعلة من الطاقة فتتحول قدراته من شعلة قمر الى منارة شمس! واذا ما رافق هذه الاستنارة حب حقيقي، فان ذلك الحب يحيي الأحاسيس ويدفئ القلوب بحرارة تشع الى العالم فتزيد الحياة اثارة! هكذا كان شأننا معك على مر سنوات معرفتنا بك!
أنت أيتها الصديقة الغالية، تحملين أوراقك وأقلامك وأحلامك على ظهرك وتبنين لنا بحروفك وطنا. فاذا ما صادروا شمس بلادك فبشعرك سوف تبنين لنا وطنا تعشش فيه السعادة والأحلام الوردية. أنت فنانة! لأنك تعرفين أن الفن الذي لا يحدث ارتجاجا في قشرة الكرة الأرضية لا قيمة له، كما تعرفين أن القصيدة التي لا تشعل الحرائق في الوجدان العام لا قيمة لها، كما أنه لا قيمة لشعر يحترف التبخير والخوف والتستر وعدم الوضوح! لسان حاك في هذا المجال يقول:
نار الكتابة أحرقت أوراقنا  -  فكلامنا الكبريت والأحطاب
ما الشعر ما وجع الكتابة  ما الرؤى – أولى  ضحايانا هم  الكتاب!
السيدة عدالة جرادات يزبك!
أنت ترسمين زهور الياسمين على شفاهنا في كل ما تكتبين وتزينين أمسياتنا بفرح النرجس والتفاح والنبيذ المعتق حتى يثمل كل مشارك في أمسياتك بعطر أحلامه ويحلق في الأعالي ببهجة كبهجة الأطفال في ثياب العيد!
أي صديقتي! وحده الليل يعلم أنني أبحث لك عن وطن ملؤه الحب والأمل فيه الكثير من الحرية والاستقلال الناجز، وطن يحسن للفقير ويواسي الحزانى والمساكين، وطن لا يعرف كثرة الكلام مثلما يعرف كثرة العمل والانجاز!
حين تعرفت على شخصك الكريم غنيت لك فرحا واهتديت الى لغة فيها النجوم تغازل القمر، لغة آتية من خلف قصور الطيب لتصعدي معها الى أدراج الليلك، هناك حيث تعشش الآمال والأحلام في كياننا وكيان اخوتنا في مخيمات الذل والمسكنة فتهب الجميع محبة الحياة كي يرقصوا مع السوسن واللازورد رقصة المحبة والحياة وتحقيق الثوابت الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس!
أقول تعشش الآمال لأنني أعي أن الحزن كظلام الليل كلما طال تسلل اليه النور ليشلّه رغما عنه، لذلك فانني وانك لسنا نصيري الظلام  ولا نطيقه!
عندما نحب مع الأمل تصبح حياتنا أجمل فيزهو في عيوننا بريق من المحبة يسعدنا ويسعد من حولنا فيتبعثر العسل فوق الشفاه وترتشفه حروفنا لتخرج كلماتنا أرقّ وأجمل!! لأنه حيث يكون الحب هناك تكون الحياة والحب هو أحد الفنون التي وظيفتها ازالة غبار الحياة عن الأرواح المعذبة فيمنحها بعدًا بلا حدود!
 فاسلمي لنا  ولجميع محبيك أيتها الصديقة مواسم عطر وياسمين.
لك الحياة!

                                                   (كفرياسيف)


07/08/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع