عودة القصّة


محمّد علي طه


نعى عددٌ من النّقّاد والباحثين، في العقد السّادس من القرن الماضي، فنّ الشّعر وأعلنوا أنّ زمنه انتهى، وعلى الرّغم من هذا الإعلان الصّارخ برز شعراء عديدون في العالم وانتجوا أعمالًا شعريّة رائعة أغنت التّراث الانسانيّ، وأضافت متعة لذائقة القرّاء، وبرهنت على أنّ الانسان لا يقدر أن يستغني عن الشّعر ويستعيض عنه بالآلة والهايتك، كما نعى آخرون، في سنوات سابقة فنّيّ السّينما والمسرح عندما دخلت الشّاشات الصّغيرة إلى بيوتنا إلا أنّ تنّبؤاتهم خابت وتبّدّدت فقد ازدهر الفنّ السّينمائيّ وشاهد روّاد دور السّينما أعمالًا رائعة حقّقت دخلًا ماليًّا خياليًّا كما أنّ المسارح ما انفكّت تقدّم لروّادها مسرحيّات انسانيّة اجتماعيّة تراجيديّة وكوميديّة راقية.
وردّد الكثيرون من النّقّاد في العقدين الآخرين مقولة سيادة "زمن الرّوايّة" فتسابق المبدعون، كتّابًا وشعراء في خوض غمار هذا اللون الأدبيّ وقدّموا للقرّاء روايات كثيرة تراوحت في مستواها بين الذّروة وبين الحضيض، ومن الطّريف أنّ بعض السّياسيّين والرّؤساء قد ولجوا هذا الفنّ كاتبين أو مُستَكتِبين كأنّه لا يكفينا استبدادهم وظلمهم وسرقة خيراتنا فاقتحموا هذا الحيّز الفضائيّ الجميل من دنيانا ليفسدوه مطبّقين نصّ الآية الكريمة: "إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها".
تابعتُ مقالات بعض هؤلاء النّقّاد ودراساتهم وأقوالهم ورفضتها، قارئًا وقاصًّا، لأنّ الفنّ باقٍ خالد في حياة البشر ولا يستطيع الانسان أن يستغني عن غذاء الرّوح (الغناء والموسيقى والشّعر والقصّة والمسرح والرّقص وغير ذلك) حتّى لو غاص من أخمص قدميه حتّى هامته بالعلوم والاختراعات ولا يمكن أن يختفي ويزول فنّ من الفنون.
فازت كاتبة القصّة القصيرة السّيّدة الكنديّة أليس مونرو بجائزة نوبل للآداب في أكتوبر 2013 وكانت أوّل كاتب (كاتبة) قصّة قصيرة يفوز بهذه الجائزة الكبيرة ماديًّا ومعنويًّا والتي لم يفز بها قصّاصون عمالقة مثل موبسان وتشيخوف وادغار الن بو ويوسف ادريس. ويتداول النّقّاد في هذه الأيّام اسم الكاتب اليابانيّ هروكي موركمي مرشّحًا قويًّا لهذه الجائزة وهو قاصٍّ وروائيّ يعتمد أسلوبه على التّشويق والمزج بين الأساليب الغربيّة والطّبيعة اليابانيّة وصدرت له في الأشهر الأخيرة مجموعة قصصيّة اسمها "رجال بدون نساء" ترجمت الى الانكليزيّة ويجد القارئ فيها ذكاء وروح تشيخوف وأجواء كافكا وغيرهما من المبدعين العالميّين.
هل تعيد أليس مونرو وزميلها هروكي موركمي وقاصّون عرب وأجانب عديدون للقصّة القصيرة عزّها ورونقها وبهجتها؟ وهل عصر السّرعة المذهلة الذي نحياه اليوم يتماهى مع عصر الرّوايات الطّويلة مثل "الحرب والسّلم" لتولستوي و"الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي و "ثلاثيّة نجيب محفوظ" و"مدن الملح" لعبد الرّحمن منيف أم هو عصر القصّة القصيرة "وقصّة بحجم راحة اليد" كما قال ذلك الأديب اليابانيّ؟


16/07/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع