وليد الفاهوم يؤسّس محليًّا لفكر دينيّ جديد، عماده العلم والعقل والنقد والحريّة والحوار (1-2)


علي هيبي


*مداخلة استقرائيّة في كتاب "دراسات في الدين والدنيا والإسلام السياسيّ*



**للأجيال القادمة
الخوف على الأجيال القادمة يشكّل دافعًا لدى الكاتب، الخوف عليهم من خلال إبعادهم عن أخطاء الماضي، وما في موروث الدين من شوائب، لا يريد لنا البعض التخلّص منها، ويجب التخلّص منها بالعقل والوعي والثقافة وتعليم الفكر النقديّ، والفاهوم ونحن ندرك أنّه لا يمكن فصل الدين عن دنيا البشر ولا عن الحياة الإنسانيّة، فهو مركّب هام في حياة الإنسان الروحانيّة والإيمانيّة على كافّة الأجيال، ولكن ما يجب هو فصل الدين الروحانيّ عن الدولة الوضعيّة وعن برامج التعليم المؤسطِرة  والمؤسطَرة.


** قيمنا المستنيرة
 الغرب "المتنوّر" أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ومن لفّ لفّهم، مصانع الإرهاب الحديث والمنتج الأساسيّ له والمسوّق الأكبر له في بلادنا، ونحن تربة صالحة لجهلنا وتعصّبنا وعدم احترامنا الدين الحنيف والسمح والمتقبّل للرأي الآخر والدين الآخر والفكر الآخر، ولعدم تسلّحنا بالعلم والفكر النقديّ والدمقراطيّة، ولأنّنا لا نحترم الأقليّات والضعفاء والمرأة، ولو تحصَنّا وتسلحّنا بهذه القيم المستنيرة والمشرقة ما استطاع لا الغرب ولا الإرهاب النيل منّا، ولكُنّا بنيْنا حياتنا ودنيانا وديننا ومجتمعاتنا ودولنا وشعوبنا، على اختلاف طوائفهم ومشاربهم وأنماطهم الفكريّة ومستقبلنا الواعي والواعد كما نريده نحن، وليس كما يريده لنا الغرب والإرهاب المرتبط به



"ما أنا بقارئ" أو "لست بقارئ"، لا أحد يستطيع أن يقرّر ماذا قال الرسول حرفيًّا، عندما نزل الوحي عليه في أوّل مرّة، لأنّ الرسول كان وحده، ولم يكن ثمّة ثاني اثنيْن إذ هو في الغار، إذًا ليس المهمّ ما قاله الرسول حرفيًّا، إنّما المهم هو المعنى الذي أراده، وهذا ما أراده وقصده وليد الفاهوم عندما قال إنّ القرآن بجوهره، وليس بظاهر حروفه، وهذا ما يجب أن يكون عندما ندرس النصّ القرآنيّ أو نصوص الحديث النبويّ دراسةً نقديّةً وعلميّة، وذلك بالأخذ بمعانيها وجوهرها العميق وليس بألفاظها ومظهرها الخارجيّ.
هذه العبارة القصيرة أوّل ما نطقه الرسول بعد نزول الوحي لأوّل مرّة، وهي مركّبة لُغويًّا وبإحكام، بحيث لا يمكن لأميّ أن يعرفها على السليقة أو بالبداهة. ويريدون منّا أن نقتنع بأنّ الرسول كان أميًّا، بمعنى أنّه لا يقرأ ولا يكتب، وكأنّه لم يكن القائل: "أنا أفصح العرب"، فهل يكون أفصح العرب أميًّا؟ وأنّ لفظة "أمّيّ" تدل على هذا المعنى الساذج الذي لا يقبله إلّا ذوو العاهات الفكريّة أو المدجّنون عقليًّا والمجنّدون لخدمة هدف غير نبيل، أو الببغاوات المأجورة، أو الذين لُقّنوا كلّ شيء، من أبسطما لُقّنوه، المعنى الساذج لكلمة "أمّيّ" حتّى أخطر وأبشع ما لُقّنوه وعُلّموه، كيف يضربون فضربوا ولقّنوا كيف يقتلون فقتلوا، ولقّنوا كيف يهدمون فهدموا، ولقّنوا كيف يجاهدون بالنكاح فجاهدوا ونكحوا، ولقّنوا كيف يذبحون فذبحوا.
وليد الفاهوم! لماذا تقلق راحتنا وتؤرّق علينا منامنا؟ أيّها المشاكس! لماذا لا تدع البركة -كما هي- راكدةً؟ لماذا تنكأ الجرحَ بالملح؟ ولكنّك حسنًا فعلت، لأنّك تر يدنا أن نفهم الدين عن وعي ودراسة ونقد، لا أن نُلقّنه تلقينًا، وأن نعيَ ونفهم وننقد ونناقش الآراء المغايرة ونغربل قمح العقل ونفصله عن زؤان التعصّب والخرافات والطقوس المقولبة في قوالب محدّدة والمعولبة في علب جاهزة، وتريدنا أن نقتنع بما هو مقنع وصحيح ونافع، ونرفض ما هو غير مقنع وخاطئ ومضرّ، ومن ثمّ تريدنا أن نتعلّم ونعلّم، كي يظلّ الفارق موجودًا بين الإنسان والوحش وبين الإنسانيّة والتوحّش، بين القانون الإنسانيّ بكلّ أبعاده الماديّة والروحانيّة وبين قانون الغاب ببعده الوحيد الذي يؤدّي للوحشيّة الإجراميّة الدمويّة. وليد الفاهوم أنت صورة مصغّرة للثائر الكبير، لقد نكأت جرح التديّن السياسيّ بكتابك المتعدّد الأفكار والمواضيع المتناولة. لقد نكأ الرسول محمّد جرح الجاهليّة برفض أصنام الحجر وأصنام الاستبداد القرشيّ. ونكأ غاليليو جرح الجهل وتسطيح الفكر والأرض بكرويّتها. ونكأ ابن رشد جرح فقه النقل السلفيّ للغزاليّ وغيره من فقهاء النقل بفقه العقل النقديّ والفكر ذي النزعة الماديّة. والذي أنتج الكثير من التطوّر العلميّ والاقتصاديّ في القرون الوسطى، في العالم العربيّ والإسلاميّ.
هذا دافع واحد من دوافع تأليفك للكتاب، أمّا ثاني الدوافع فقد قلتَه بصراحة واضحة في بداية مؤلّفك، تحت عنوان "ما يشبه المقدّمة"، هو إبراز ذلك الفرق بين الدين الإسلاميّ عندما بدأ صدره، وكان يتّسع للكثير من القضايا، في بدايات القرن السابع الميلاديّ في جزيرة العرب، حين كان ثورة تقدّميّة على الكثير من العادات والأعراف والسلوكيّات البائدة والهمجيّة، دين جاء من أجل التغيير السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، وكان دين الفطرة والمرونة وتقبّل الآخر، وبين التديّن المتخم بالكذب، تديّن المظاهر الزائفة وإطلاق اللحى وفرض الحجاب، وقصر الدين بمجمله على الشكل والطقوس والاهتمام بالمظهر وترك الجوهر، وعلى هذا الأساس يقول الفاهوم: "الدنيا ليست بخير"، ولأنّها ليست بخير وهو يريد لها الخير حتّى الثمالة، جاء هذا المؤلّف الكبير.
أمّا الخوف على الأجيال القادمة فيشكّل دافعًا ثالثًا لدى الكاتب، الخوف عليهم من خلال إبعادهم عن أخطاء الماضي، وما في موروث الدين من شوائب، لا يريد لنا البعض التخلّص منها، ويجب التخلّص منها بالعقل والوعي والثقافة وتعليم الفكر النقديّ، والفاهوم ونحن ندرك أنّه لا يمكن فصل الدين عن دنيا البشر ولا عن الحياة الإنسانيّة، فهو مركّب هام في حياة الإنسان الروحانيّة والإيمانيّة على كافّة الأجيال، ولكن ما يجب هو فصل الدين الروحانيّ عن الدولة الوضعيّة وعن برامج التعليم المؤسطِرة  والمؤسطَرة. (كأن نؤمن بقصّة عمر بن الخطّاب بحرفيّتها في زيارته إلى القدس مع الغلام الواحد والبعير الواحد).
والفاهوم كذلك جاء ليؤكّد، وفي أكثر من مرّة أنّه ليس ضدّ الدين بحال من الأحوال، ولذلك يعتبر ونعتبر هذا الكتاب كمنتج فكريّ واجتماعيّ وسياسيّ ونقديّ، يعتبره ونعتبره مجالًا واسعًا لتسجيل موقف تقدّميّ بنّاء ومفيد من الدين والتراث عامّة، وبشكل عامّ أنا أوافقه هذا الموقف، وقد عبّرت عن ذلك بكثير من البيانات التي أصدرتها نيابة عن اتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين بصفتي الناطق الرسميّ له، حول موضوع الفرض الدينيّ والتشويه الناتج عنه، وما يترتّب عنه من اعتداءات يمارسها أناس متديّنون شكلًا،على الفنّ والعلم والديمقراطيّة والحريّات، تحت شعار الإسلام، والإسلام منهم براء، وتحت شعار "الله أكبر" والله لا يحبّ المعتدين، حتّى لو لبسوا دشاديش باكستانيّة أو حملوا المسابح التسعينيّة وأرخوا اللحى وحفّوا الشوارب. ومن الأمثلة القريبة الاعتداء على أحد المربّين من باقة الغربيّة وفصله من عمله لعرضه فيلم "عمر" أمام طلّابه، والاعتداء الأخطر على السوق الرمضانيّ في الطيّبة، والذي كان يؤمّه 5000 آلاف زائر كلّ ليلة من الطيّبة والبلدات المجاورة، وهناك تحوّلت البؤر التي كانت مركزًا وسوقًا للمخدّرات إلى مركز وسوق لورشات فنيّة غنائيّة ومسرحيّة ومعارض للأعمال اليدويّة التراثيّة والوطنيّة واللوحات والرسومات، وغير ذلك من النواحي التثقيفيّة، وأكبر ظنّي أنّ بعض هؤلاء الملقَّنين لو خُيّروا بين الثقافة والمخدّرات لاختاروا أهون الشرّيْن برأيهم المخدّرات! 
عندما كنت منكبًّا على تنظيم ديواني الأخير وعلى إصداره في العام الماضي 2016، والذي يحمل عنوان "اقرأ بسْم حبّكَ" ووضعت تحت العنوان "لا يمسّه إلّا العاشقون"  كان وليد الفاهوم يعمل على إصدار كتابه هذا "دراسات في الدين والدنيا والإسلام السياسيّ" محور هذه الندوة، وأنا من مدرسة وليد الفكريّة والسياسيّة، وفيها تعلّمنا التفكير النضاليّ والتحدّي المنظم لكافّة أنواع الظلم التي تمارسه كافّة السلطات، بما فيها سلطة الدين، في هذه المدرسة للنضال تكسّرت نصال العلم والمعرفة والفكر على نصال الثورة والحريّة والديمقراطيّة والإنسانيّة. نعم المدرسة الماركسيّة، التي قال عنها الفيلسوف الفرنسيّ سارتر: "إنّها تبقى فلسفة عصرنا، لأنّنا لم نتجاوز بعد الظروف التي خلقتها". وقد صدّرت ديواني ذاك بالحديث النبويّ الشريف: "من عشق فعفّ فكتم فمات ... مات شهيدًا"، وبثلاثة أبيات مشهورة للصوفيّ ابْن عربيّ:
لقدْ صارَ قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ         فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ  وكعبةُ  طائفٍ          وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجّهَتْ        ركائبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني
وقد جعلْتُ هذه القطعة الشعريّة مقدّمةً للديوان:
الحبُّ ربْ/ والربُّ حبْ/ والعينُ حينَ تروحُ قلبْ/ والقلبُ حينَ يعودُ عينْ/ صلِّ لربّكَ ركعةً/ صلِّ لحبّكَ ركعتيْن/ فالحبُّ ربْ/ والربُّ حبْ.
لأنّي أرى أنّ هؤلاء الملقَّنين المشوَّهين شكلًا ومضمونًا وقلبًا وقالبًا ضدّ الحبّ والأحاسيس وضدّ الإسلام والنواميس المقدّسة وضدّ الرسول ودينه الحنيف وضدّ الفطرة الإنسانيّة التي فطر الله تعالى عليها الناس، ويرون في الحبّ وهو أسمى المشاعر، يروْن فيه فحشًا، لأنّهم لا يدركون عمقه وصدقه ويروْن في الفحش والزنا جهادًا كتب على الذين آمنوا بالقتل والذبح والمتاجرة بالبترول والدين والعبث بمقدّرات الأوطان والناس والتفريط بالثروات الوطنيّة بثمن بخس، كما فرّط السيّارة بالنبي يوسف الصدّيق لعزيز مصر بثمن بخس. 
لقد كنّا أنا كاتب هذه السطور ووليد الفاهوم نفكّر معًا وكلًّا على حدة، ونعيش حالة الكتابة/ المعاناة/ السعادة، كنّا نفكّر بأسلوبيْن متباينيْن ونكتب بمبنييْن مختلفيْن، وليد يفكّر نثريًّا ومنطقيًّا وبقليل من الانفعال، وأنا أفكّر شعريًّا ووجدانيًّا وبقليل من التعقّل، ولكنّ الهمّ واحد والموضوع واحد، هو ذلك القلق والهدس والحدس، بإلى أيّ منزلق خطر أو منحدر سحيق أو درك سافل من نار جهنم الأرضيّة التي لا تحرق إلّا بلادنا العربيّة، إلى أين سيوصلنا هذا النوع من الإسلام السياسيّ بنموذجه الفاشيّ والقاتل والمتعصب والمتطرّف والإرهابيّ والإجراميّ، والمرتبط بأسوأ وأخطر حركتيْن دينيّتيْن وسياسيّتيْن على مجتمعاتنا العربيّة برأيي، هما الوهابيّة السعوديّة والإخوانيّة المصريّة، وهما حركتان تبغيان السلطة وتؤمنان بالديمقراطيّة حتى وصولها، ومن سدّتها أي السلطة تضرب بكلّ المفاهيم التقدّميّة والمقولات الفكريّة المخالفة، كالوطنيّة والقوميّة والديمقراطيّة بعرض الحائط ونصل السيف وجيش الإخوان، وتعتبرها بضاعة غربيّة وصهيونيّة، وهما الأكثر ارتباطًا بالمشاريع الأميركيّة والصهيونيّة والرجعيّة العربيّة التي تموّل بالدولار وتموّن بالبترول، وهما الحركتان اللتان فقّستا حركات جديدة مثل النصرة والقاعدة وداعش، والتي لا قيام لها ولا صيام ولا جهاد ولا نكاح إلّا من خلال خدمة الغرب ومشاريعه وبرامجه، للاستيلاء على ثرواتنا ومقدّراتنا وتفتيت دولنا وشعوبنا إلى دويلات مذهبيّة متناطحة، حتّى يتسنّى لإسرائيل إتمام مشروعها الصهيونيّ بدولة يهوديّة من النيل إلى الفرات، ومن يدري فقد تصلأ طماعها والحالة هذه إلى الحلم بإنجاز المشروع من المحيط "الهادر" إلى الخليج "الثائر"!؟ فكلّ شيء يبدأ بحلم! هكذا حلم هرتسل بدولة اليهود، وكلّ هادر عندنا يخمَد بالتعقّل الخائن وكلّ ثائر يخبو بالتكفير والتهديد. ومن المهمّ أن نذكر التعاون المبكّر بين الحركتيْن، أي بين حسن البنّا مؤسّس حركة الإخوان المسلمين وبين عبد العزيز آل سعود مؤسّس الدولة السعوديّة الوهابيّة، وارتباط الاثنتين بالدعم الغربيّ وتمويل بريطانيا للإخوان وحسن البنّا. 
الغرب "المتنوّر" أميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ومن لفّ لفّهم، مصانع الإرهاب الحديث والمنتج الأساسيّ له والمسوّق الأكبر له في بلادنا، ونحن تربة صالحة لجهلنا وتعصّبنا وعدم احترامنا الدين الحنيف والسمح والمتقبّل للرأي الآخر والدين الآخر والفكر الآخر، ولعدم تسلّحنا بالعلم والفكر النقديّ والدمقراطيّة، ولأنّنا لا نحترم الأقليّات والضعفاء والمرأة، ونؤمن فقط بِ "أنّ الدين عند الله الإسلام"، ولو تحصَنّا وتسلحّنا بهذه القيم المستنيرة والمشرقة ما استطاع لا الغرب ولا الإرهاب النيل منّا، ولكُنّا بنيْنا حياتنا ودنيانا وديننا ومجتمعاتنا ودولنا وشعوبنا، على اختلاف طوائفهم ومشاربهم وأنماطهم الفكريّة ومستقبلنا الواعي والواعد كما نريده نحن، وليس كما يريده لنا الغرب والإرهاب المرتبط به، لو أنّا احترمنا كتّابنا ووعينا ما كتبته فاطمة المرنيسيّ عن الحجاب، في كتابها "ما وراء الحجاب" وقبلنا طرح المسائل بلا حساسيّة زائفة وبجرأة واعية وفكر نقديّ، لو أنّا قرأنا مفكّرينا وقدّرنا أفكارهم البنّاءة وناقشناهم بهدوء وحريّة وتقبّل، لعرفنا ما قدّمه العفيف الأخضر والصادق النيهوم ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة وجمال عبد الناصر، لكنّنا تعاملنا مع هؤلاء العظماء بالرصاص والسكّين والعصيّ والحكم بفصل الزوج عن زوجته قسرًا وعن طلّابه وعن وطنه ليموت حسرة وحنينًا، لو لم نكفّر الشعراء والحكماء وتقبّلنا أفكارهم وإبداعاتهم ما طُعن نجيب محفوظ وما قُتل فرج فودة وما نُفي السياب ولم يعوِ الخليج وما أُبعد الجواهري ومات مقهورًا مضطّرًا لمدح من لا يستحقّون من المالكين ولشكر الناقصين من ذوي الفضل الزائف والمَكرُمات الملكيّة غير الفاضلة.
فالصادق النيهوم أرادنا أن نصغي إلى صوت الناس لا إلى صوت الفقهاء، ولكنّه أرادنا أن نكون نقديّين في إصغائنا، ولا نأخذ بأيّ شيء كمسلّم به، وهو يريدنا أن ندرس التاريخ العربيّ الإسلاميّ من زاوية رؤية علميّة ونقديّة، وهذا ما يتّفق عليه الفاهوم مع النيهوم، كي نخرج من المحنة الثقافيّة المزوّرة السائدة في عالمنا العربيّ. لأنّ النظرة الحداثيّة المنفتحة والعقلانيّة تجعلنا نميل إلى تأرخة الإسلام لا إلى أسلمة التاريخ، وتجعلنا نتخلّص من النرجسيّة وتفضيل الإسلام على الأديان الأخرى والمسلمين على غيرهم، "فخير أمّة أخرجت للناس" لا تختلف عن المقولة اليهوديّة الصهيونيّة، "شعب الله المختار"، وعلينا أن ننبذ كلّ فتاوى العلماء الفرديّين، لأنّ الإفتاء جهد علميّ جماعيّ، وليس كما يريده المفتي السعوديّ ابن باز او المفتي المصريّ أو أيّ مفتٍ يريد منّا التنازل عن حقوقنا خدمة لنظامه الفاسد والمفسد والمأجور لمشاريع دوليّة مشبوهة، تعيدنا إلى الوراء الرجعيّ، وليس إلى الوراء الجدليّ لنتعلّم أنّ الصلح المنفرد مع إسرائيل الذي أبرمه السادات الخائن لشعبه وأمّته ليس كصلح الحديبية بين المسلمين وقريش، وليس كالصلح في معاهدة بريستبين الروس والألمان، لأنّ الرسول وقّع الصلح خطوة للوراء من أجل عشر للأمام، تراجع وفتح مكّة بعدئذ، ولينين تراجع في هذه المحطّة كي يكمن للعدوّ في المحطّات القادمة وآخرها الانتصار في برلين عاصمة العدو النازيّ. أمّا السادات فوقّع اتفاقيّة للإذعان تكريسًا للهزيمة، التي ما زلنا نعاني آثارها السلبيّة حتّى بعد مضي حوالي أربعة عقود من الزمن. وما زال قطار التراجع السلبيّ للوراء والمدعوم بالدين السياسيّ إخوانيًّا وأردوغانيًّا والبترودولار السياسيّ وهابيًّا وأمريكيًّا يسير ويمزّق ويسير ويقطّع أوصالنا.   
الغرب المتنوّر يفرح لمآسينا ويبيعُنا كلّ ما يميتنا ويعود ليذرف دموع التماسيح مهرولًا للحلّ السياسيّ في سوريا والعراق وليبيا، وأمّا اليمن لا أمل لها بالحلّ الآن، فلينتظر اليمن التعيس! فالسعوديّة الوهابيّة مشغولة بقيادة النساء للسيّارات وبعلاقات البغاء العلنيّ مع إسرائيل، الحليفة السنيّة الجديدة، وعندما يطال الإرهاب فرنسا مثلًا ويموت فيها العشرات من الفرنسيّين، تقوم الدنيا ولا تقعد، أمّا ربع مليون قتيل سوريّ أو عربيّ وربّما نصف مليون وملايين اللاجئين، فذلك لا يُقام له ولا يُقعد. ليس تشفيًّا بالمواطن الفرنسيّ العاديّ، ولا إنكارًا لمفكّري الغرب الذين قدّموا للإنسانيّة الكثير من الإبداعات في مجال الفكر والأدب والعلوم، ولكن فلتذق فرنسا لقمة صغيرة ممّا شاركت في طبخه وتصنيعه وتسويقه. وعلى المواطن الغربيّ أينما كان أن يدرك أنّ حكومات بلاده ليست في مهمّة شريفة ومقدّسة ومتنوّرة في شرقنا، لا لنشر دمقراطيّة ولا لبعث حريّة، بل هي هنا لسلب ثرواتنا واللعب بمصائرنا من أجل إشباع الجشع الرأسماليّ الذي لا يشبع، ولكنّه قادر على تحسين ظروف المواطن الغربيّ على حساب لقمة العيش الصعبة والمريرة للمواطن العربيّ في هذا الشرق الغنيّ بالمال والمشبع بالنفط.
نحترم العلماء والمستشرقين الذين عملوا بإخلاص من أجل إيصال الثقافة واللغة والحضارة العربيّة والإسلاميّة للغرب كجزء من الحضارات الإنسانيّة الهامّة، خدمة لرسالة العلم والمعرفة والتنوير، مع أنّ منهم من كان يفعل ذلك لخدمة مشاريع استعماريّة لبلاده، ومنهم من لا نحترمهم لانحيازهم الأعمى للصهيونيّة وارتمائهم في حضن الكراهية والعنصريّة للعرب، من أمثال برنارد لويس، ولكنّنا نحترم ونجلّ عالمًا من أمثال نولدكه الألمانيّ، الذي كتب كتابه الشهير، "تاريخ القرآن" ومنه نتعلّم كيف نتوجّه لدراسة القرآن كوثيقة من وثائق التاريخ، تقوم على أسس علميّة وعقل نقديّ، ولا ضير علينا كعرب وكمسلمين لو استفدنا من تجارب هؤلاء العلماء الغربيّين. فالحضارات لا تتصارع كما يدّعي بعض جهابذة العولمة، بل تتكامل كما يفكّر كلّ مفكّر حضاريّ وإنسانيّ، وإن كنّا أخذنا واستفدنا من مخزون الغرب الفكريّ في العصر الحديث، فقد أخذوا واستفادوا من مخزون ثقافتنا العربيّة والشرقيّة من ورق وأرقام ومناهج بحث وعلوم وطبّ في العصور الوسطى ما لا يمكن لعلم أن يقوم ولا لمعرفة أن تتمّ ولا لحضارة أن تُبنى بدونها.
لو يقرأ القارئ العربيّ هذا الكتاب بتقبّل وحريّة وإيمان بحقّ الإنسان الأساسيّ والطبيعيّ بحريّة التعبير وحريّة اتّخاذ الموقف والرأي وحريّة الفكر والانتماء، لاستفاد كفرد واستفدنا كمجتمع. ومن هنا ينبع تقديري للكاتب وليد الفاهوم على هذا الجهد الجبّار المبذول، لأنّك أثريت المكتبة العربيّة والإنسانيّة بمؤلّف متميّز، وضعك في مصافّ الكتّاب والنقّاد اللامعين وأسّست لفكر دينيّ تقدميّ يقوم على أسس العلم الحداثيّ والفكر النقديّ المتنوّر وحريّة الانتماء والحوار الهادئ. قيمة هذا الكتاب ليست كميّة، أي بعدد صفحاته الأربعمئة والاثنتين والستّين صفحة، ومن القطع الكبير بل قيمته تكمن في كمّه الهائل من المعلومات والقضايا المطروحة، والأهم بكيفه المضمونيّ الذي يغنيك عن قراءة عشرات الكتب القيّمة والتي تستحقّ القراءة.
(يتبع حلقة ثانية وأخيرة)

15/07/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع