قانون القومية، قانون خطير!


النائب د. عبد الله ابو معروف



*لا يهدد الوجود الفلسطيني فحسب بل سيكون سوطا يجلد اليهود قبل العرب، هذا القانون سيهدِّد الأمن والاستقرار للأقلية العربية الفلسطينية في البلاد ويتعامل معهم كأعداء*


بعد أن تم تمرير قانون "القومية اليهودية" في هيئة الكنيست العامة بالقراءة التمهيدية، تحاول حكومة نتنياهو إنجاز هذا القانون الخطير، رغم أنه طرح في الماضي، وكانت صعوبة تمريره مرتبطة بعدم قانونيته، وبالرغم من ذلك يسعى نتنياهو لإقراره بالقراءة الأولى وبسرعة قبل خروج الكنيست للعطلة الصيفية في أواخر الشهر الجاري، وكذلك يحاول نتنياهو استباق خطوته المحتملة بحل الكنيست والذهاب لانتخابات مبكرّة بهدف التخلص من ورطاته وأزماته، قبل البدء بنبش ملفات الفساد القضائية الموجهة ضده وخاصة فضيحة صفقة الغواصات الألمانية وغيرها.
عندما لاحظ نتنياهو بأن هناك نقاشات وخلافات حادة داخل الائتلاف الحكومي تتضمن اقتراحات عديدة على تعديل عدد من بنود القانون، والتي تحول دون إمكانية تمرير القانون الذي قدمه رئيس الشاباك السابق عضو الكنيست الليكودي (آفي ديختر) بنصِّه، كما يصبو إليه المجلس الوزاري اليميني، وعندما رأى نتنياهو أن تحويل إعداد القانون للجنة الدستور والقانون والقضاء سيدخله في مطب سيعيق عملية إعداده بسرعة، أراد البحث عن أساليبه الثعلبية القديمة بخلق توازنات تخدم مصالحه، خاصة وأن هناك من يعارضه في الائتلاف الحكومي ولكن في نفس الوقت يوجد من يدعم القانون في أوساط المعارضة، ولكي يقصي عضو الكنيست (بنيامين بيغن) الذي يرفض القانون ويضعف معسكره بطريقة غير مباشرة، أصدر "فتوى" تضليلية ودعا لتحويل الموضوع للجنة الكنيست البرلمانية من أجل تحديد اللجنة التي ستعمل على إعداد القانون.
هنا تجدر الإشارة بأن المستشار القضائي للكنيست كان قد أعلن بأن قانون الكنيست يلزم ببحث وإعداد اقتراح قانون كهذا في لجنة الدستور والقضاء والقانون فقط. ولكي يلتف نتنياهو على هذه القيود قام وبحسب تخطيطه تحويل القانون للجنة الكنيست البرلمانية لتحديد شكل إعداده من خلال تشكيل لجنة مشتركة مكوّنة من لجنتي "الكنيست" و"الدستور والقانون والقضاء"، وتعمل هذه اللجنة المشتركة على إعداد قانون ديختر (قانون يهودية الدولة).
وخلال جلسة صاخبة للجنة الكنيست البرلمانية التي عقدت الاربعاء الماضي، وبضغوطات من أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة الذين شاركوا في الجلسة دوف حنين وعبد الله ابو معروف واسامة السعدي وأحمد الطيبي، تم إرغام لجنة الكنيست بضمّْ النائب عبد الله ابو معروف عن لجنة الكنيست البرلمانية، والنائب اسامة السعدي عن لجنة الدستور والقانون والقضاء كأعضاء في اللجنة المشتركة لإعداد القانون، وبالطبع من وجهة نظرنا السياسية والمبدئية كان علينا أن نفرض أنفسنا في عضوية هذه اللجنة ليس لنكون شريكين في تشريع هذا القانون الجائر، بل لإعاقة وعرقلة تشريعه، تماما كالدور الذي لعبناه خلال الأبحاث التي جرت لإعداد قانون كامينتس العنصري.
بعد عبارته المشهورة "المواطنون العرب يهرولون إلى صناديق الاقتراع"، يواصل نتنياهو وحكومته من خلفه ابتكار أساليب تحريضية عنصرية جديدة، فمن خلال قانون القومية سيحاول أن يمتطي مجددا موجة التحريض على الجماهير العربية بتسريع تشريع قانون القومية وبذلك سينجح بنقل حلبة الصراع على الساحة السياسية لتصب في صالحه للبقاء في الحكم في الانتخابات البرلمانية المرتقبة. هذا من جهة، ومن ناحية أخرى للتعتيم على الشبهات التي يتعرّض لها والتي ممكن أن تحدد مصيره السياسي ومصير حكومة أكثر يمينية مرتقبة، وخاصة بعد فوز مرشح المعارضة آفي غباي في البرايمرز الأخير. ولذلك ومن أجل احتواء الخلاف داخل حكومته سيحاول نتنياهو جاهدا تمرير القانون دون تفاهمات بالقراءة الأولى في الاسبوع الأخير قبل خروج الكنيست لعطلتها الصيفية ومن ثم العمل على إجراء تسويات مع المعارضين لاحقا وإقراره نهائيا.
نتنياهو في سياسته هذه يخلق أجواء متوترة جديدة، فهو بسياسته اليمينية المتطرفة يشرع قانون اساس فاشي يقرّْ بأن دولة اسرائيل هي دولة لليهود "البيت القومي للشعب اليهودي"، يتناقض مع أية معايير دمقراطية لضمان الحقوق والمساواة للمواطنين العرب في اسرائيل ويتنكّر لأكثر من 20% من المواطنين العرب كأقلية قومية في هذه البلاد، ولهذا لا يمكن لفحوى ومدلولات القانون وعدم قانونيته وشرعنته لاحقا كقانون يصنف دولة اسرائيل كدولة لليهود، في حين لا يعتبر الدين مركبا من مركبات الدولة بحسب مفهوم الدولة، فهذا التحليل يقود إلى اسئلة شائكة أخرى، فهل المسيحيين في العالم من قومية واحدة، وهل المسلمين في العالم من قومية واحدة، وهل يصح أن نطلق على اليهود في العالم مصطلح شعب؟!، لذلك يجب أن يعطى لهذه القضية اهتمام واسع لاستخلاص النتائج والعبر. نتنياهو يتسابق في تطرّفه مع البيت اليهودي، وأكثر من ذلك فإن إقرار هذا القانون البائس يتناقض مع "وثيقة استقلال اسرائيل". إسرائيل دولة قائمة يعترف بها المجتمع الدولي بحسب المعايير الدولية وقرارات هيئة الأمم المتحدة، وحتى اتفاقية السلام المبرمة مع الفلسطينيين (اتفاقية اوسلو) تتضمن اعترافا فلسطينيا بقيام اسرائيل، ولكن جوهر الصراع اليوم هو على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولهذا فإن قانون القومية يعيدنا إلى الدائرة الأولى "بناء وطن يهودي في فلسطين" وينفي قرارات الشرعية الدولية ابتداء من قرار التقسيم 181، والقضاء على حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولة الفلسطينية، وبالمختصر، القضاء على مبدأ حل الدولتين.
لقد ناضل حزبنا الشيوعي منذ نكبة الشعب الفلسطيني وقبلها من أجل حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وكان لرفاقنا الأوائل البصمات الواضحة في رسم خارطة السلام العادل بين الشعبين من منطلق حق الشعوب في تقرير مصيرها ومحاربة التفرقة والتمييز على أساس قومي، ففي ظل المخاطر المحدقة جراء السياسة الاسرائيلية بقيادة الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ هذه البلاد، يتطلب من حزبنا الشيوعي وجبهتنا الدمقراطية أن ترتقي لمستوى المخاطر التي تتربص في مصير المنطقة برمّتها. وفي الذكرى الـ50 للاحتلال الاسرائيلي عام 1967 للأراضي الفلسطينية، فإن واجب الساعة العمل على بناء معسكر سلام يهودي عربي – عربي يهودي مشترك مناهض للسياسة الغوغائية المتطرِّفة لحكومة نتنياهو، والنزول بالألوف المؤلفة للشوارع وفي قلب مدينة تل أبيب للتظاهر مطالبين بإسقاط حكومة نتنياهو، وضد تشريع قانون القومية العنصري الذي لا يهدد الوجود الفلسطيني فحسب بل سيكون سوطا يجلد اليهود قبل العرب، هذا القانون سيهدِّد الأمن والاستقرار للأقلية العربية الفلسطينية في البلاد ويتعامل معهم كأعداء.

14/07/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع