استذكار حكاية:
كنتم اذكياء لم تقعوا في المصيدة

عمر سعدي




انتهوا من أكْل ما سرقوه في ليلة صيف قمراء عند منتصف الليل من كرم أبو خالد من "خلّة الغضبان" ومن على ظهر كديس القمح على بيدر الحاجة خديجة تفتق ذهن إبراهيم قائد "الشّلّة" وفاضت مداركه فقال بصوت خفيض بدا بائسًا: هذه الحال يا اصحابي ما عادت تطعم خبز، ولا تبني مستقبل ونحن لم نتجاوز العشرين بعد من عمرنا نقضيها يوم سطو على كرم عنب ويوم هجمة على كرم تين مصطفى الحسن. ويوم على توتات محمد علي، وآخر على رمانات دار العبري، وليلة على مشمشات الشيخ ابراهيم، وربما نتحوّل إلى الأسوأ، فضحك الصديقان يوسف وعبد الله بسخرية من حديثه، وتهامسا وقالا: أكل العنب أخذ مفعوله، فردّ على ضحكهما وقال انا بحكي جد بكرا ندخل عالم جديد فازداد الضحك حتى القهقهة وتلامزا وتهامزا وقالا: هات ما عندك نوّرنا يا شيخنا الكريم عن عالمك الجديد الذي تريد ان ندخله، تأوّه وتنهد ونفث زفرة قويّة واطرق قليلًا ثم قال:
من بكرا نحزم امتعتنا وسنتحدى الحاكم والحكم العسكري وقوانينه الجائرة الظالمة التي حرمتنا من الحصول على التصاريح، بكرا على بئر السبع يا شباب وعلينا ان ننتهي من زمن الولدنات والتسكعّ في الليالي والشوارع الذي جرنا للانحراف وهذا يتعارض مع مبادئ تنظيمنا ومخالف لاخلاقياته وغير مقبول عليه بتاتًا، قاطعه يوسف مستهزئًا وقال مرّة وحدي على بئر السبع فرد عليه بهدوء ورويّة لإنو رئيس الحكومة بن غوريون اعلن عن برنامج تطوير النقب وخصّ بالذكر مدينة بئر السبع عاصمة النقب هذا وإمكانية إيجاد عمل قد تكون مُتوفّرة اكثر هذا اوّلًا، وثانيًا بعيدين عن ملاحقة الشرطة والتفتيش عن التصاريح وبعد جدال طويل بين الموافقة والمعارضة انقضت السهرة تحمل في طياتها جدية التحدي والإصرار على المجازفة.
انطلقت الحافلة من تل- ابيب إلى بئر السبع اخذوا أماكن متباعدة وركن الواحد رأسه إلى زجاج النافذة وعلى رأسه قبعة وعلى عينيه نظارة سوداء متظاهرًا بالنوم تلافيًا للحديث مع جاره، دخلت الحافلة منطقة النقب، تراءت للناظر ارض صفراء قاحلة تفوح منها رائحة الصحراء الرملية، وكان صدى صراخ السكان البدو احتجاجًا على اقتلاعهم من أراضيهم لتطوير النقب  "يحوم" فتهادى لسمعهم من سماء النقب، وطئت اقدامهم ولأول مرة ارض بئر السبع في عصيرة ذلك اليوم كانت امعاؤهم خاوية، تتصارع في بطونهم فسارعوا وتناولوا وجبة فلافل من أول كشك شاهدوه وراحوا يلتهمون بنهمٍ وشهية، ترك إبراهيم صديقيه يتحرقان بين حرارة الصحراء وبين الحور العين اللواتي كنَّ يتبخترن كالطواويس حول الكشك يعرضن اجسادهن بما تحمله من مفاتن أخاذة سيقان عارية مخملية كأعواد الخيزران نهود متكورة في الصدر نافرة تمردت على غطائها زاغت عيونهما من النظر إلى تلك المفاتن الأخاذة التي لم يشاهداها من قبل. استعرت بأجسادهم النار وحرقتهم وهاجت احاسيسهم في عروقهما، عاد إبراهيم ليخلصهم من نار المفاتن والتحرق بنار الجمال ليقودهما إلى الفندق دخلوا غرفتهم واستلقوا على الأسرة. واخذوا يتسامرون ويتضاحكون فقال يوسف سبحان مغير الأحوال امس على ظهر الكديس بين السنابل والقش واليوم على سرير وفراش لين وناعم، سرح إبراهيم وراح يتجول في ساحة الفندق ورحابه ليعود بعد فترة وجيزة يزف لهم بشرى إيجاد عمل مع مقاول من اصل بلغاري بيومية خمس عشرة ليرة شعروا كأنه حلم غمرتهم الفرحة والسرور واندفع يوسف واوصد باب الغرفة وتناول منديلًا من جيبه وراح يلوح به ليدبكوا دبكة شمالية وعبد الله يغني جفرا وياهربع.
مارسوا عملهم بجد واجتهاد مع تنفيذ التعليمات والارشادات التي أوصى بها إبراهيم السكينة وعدم الانفلات او الانحراف او الجنوح من خلال عملهم لعدة اشهر تعلموا مهنة بناء الجدران من الحجر الطلياني وحجارة الشك والتبليط وتركوا المقاول وطرقوا أبواب مكاتب الشركات للتطوير في المدينة باسمائهم المنتحلة والمستعارة. ابرم بدل إبراهيم ويوسي بدل يوسف وعوفاديا بدل عبد الله. وجدوا أبواب عمل متعددة امامهم فمرت الأيام والاشهر جابوا خلالها مدن الجنوب من ديمونة وعراد وعومر وعزاتا إلى اشكلون اشدود وشدوروت هناك وكانت ثلاث سنوات سمان إلى ان أعلنت السلطات الإسرائيلية الغاء الحكم العسكري البغيض، هجروا الجنوب إلى تل-ابيب وغادروا بئر السبع وهي تئن تحت كابوس الفقر والبؤس تغرق بالنوادي الليلية للدعارة والمخدرات والسكر والعنف، تركوها دون ان يصابوا بوبأ من اوبائها تركوها وبيوتها من الحجارة الجميلة تبكي أهلها الأصليين الذين هجّروا عنوة يغمرها الحنين والشوق للعودة.
وفي تل- ابيب دخلوا بنفس النمط  للمكاتب بالأسماء العبرية وحصلوا على عطاءات بنفس منسوب بئر السبع، وفي الشارع عرفوا بشباب عرب وذات يوم دخلوا احد المطاعم ظهر صاحبه سموحًا، ضحوكًا فكاهيًا، جلس معهم وتجاذبوا اطراف الحديث اظهر حبه الحميم للعرب وانه يعتبر نفسه عربيًا وهو قادم من مص.ر وفي هذه الجلسة قال لا تنادوني يتسحاق من الآن وصاعدًا أدعوني بإسم زكي، مع مرور الأيام لشدة حبه للعرب اظهر لهم انه يؤيد النازية والهتلرية فعارضوا أقواله بشدة وامميتهم الخالصة النقية و في لقائه معهم عمد دائما التهجم على اليهود وأوغل بذلك، وعندما قال اليهود يستحقون القتل وما فعله هتلر هو الصحيح هاجموه وتنكروا لأفكاره وللنازية، فكان يثور على معارضتهم ويجحظ بعينيه ويبدأ الخبط على المائدة، فلاحظوا انه عندما كان يثير الموضوع كان يجلس على مائدة مجاورة شخصان يتصفحان جريدة يسمعون النقاش الحاد وتصريحاته الخطيرة ويظلون صامتين وكأنهم صمّ وبكم لا يفقهون، اقفل يتسحاق المطعم وغاب بدون سابق انذار.
عاد إبراهيم بعد حرب حزيران وصعد الحافلة من اشدود اذ بيتسحاق الذي كان يجلس على طرف المقعد يشده من يده تصافحا واجلسه بجانبه تجاذبا اطراف الحديث وعن الأحوال الشخصية والصحة والعمل فلم يخجل "زكي" حبيب العرب الذي جاهر برغبته بذبح اليهود ان يعترف انه كان ولا زال رجل مخابرات يعمل في غزة قائلًا: كنتم اذكياء "ممزريم" لم تقعوا في المصيدة.
الخميس 18/5/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع