(صور ليست من الخيال)
أسـمـاء...


حـنّـا نـور الـحـاجّ


الأديب إميل حبيبي


 

(7)
وقفت الطالبة ريم قرب باب غرفة المعلّمين، وبين أناملها جوّالها الجميل، وسألتْ مَن في الغرفة عن معلّمة اللغة الإنـﭼليزيّة، لأنّها تحتاجها في أمر تدريسيّ. سألها أحد المعلّمين مستوضِحًا عن اسم المعلّمة التي تريد، فمرّت عدّة ثوانٍ حتّى تذكّرت: ..."سامية". استغرب المعلّمُ السائلُ الأمرَ...


(6)
كان الطلبة رامي وعبد الله وجورج وعدنان في ساحة المدرسة صباحًا، يتحادثون قليلًا، ويداعبون شاشات جوّالاتهم الأنيقة بأصابعهم الرشيقة، وفي الوقت نفسه يرصدون مَن وصل مِن بين معلّميهم كي يعرفوا مَن لم يصل بعد، آملين أن...
قال رامي: "أستاذ التاريخ لم يصل بعد. لعلّه غائب"! قال عبد الله: "يا ليته كذلك... ما اسمه مدرّس التاريخ"؟ لم يُجِب رامي (وكيف له أن يتذكّر؟!). أمّا جورج فقال ظانًّا أنّه قد تذكّر: "اسمه... حسن". عندذاك، قال عدنان بيقينٍ مصحِّحًا: "بل اسمه محسن، ياخَرِفون"...


(5)
وقف الطالبان عليّ وإلياس في باب غرفة المعلّمين. سأل إلياس مَن في الغرفة-والجوّال العزيز يطلّ من جيب بنطاله الممزّق الثمين-عن معلّم التربية البدنيّة. سأله أحد المعلّمين مستوضحًا عن اسم المعلّم الذي يريد. بعد مرور ثوانٍ كان إلياس خلالها يحاول التذكُّر،سأل عليًّا عن اسم معلّم التربية البدنيّة، فأسعفته ذاكرة الزميل: "سائد... لا لا... رائد". تعجّب المعلّم السائل...


(4)
وقفت الطالبات رشا وجاكلين وإسراءعند باب غرفة المعلّمين، وبيد كلّ منهنّ جوّال أنيق له بريق.سألت رشا مَن في الغرفة عن معلّمة اللغة العربيّة. سألتها إحدى المعلّمات الحاضرات عن اسم معلّمة العربيّة التي تريد. التفتت بسرعة إلى زميلتيها الواقفتين وراءها وسألتهما:"ما اسمها"؟فأجابت جاكلين بعد ثوانٍ من الحَيْرة والتردّد: "عَـروب". جحظت عينا المعلّمة السائلة وابتسمت ابتسامة لا حياة فيها...


(3)
كانت المناسبة تثقيفيّة توجيهيّة لطيفة جمعتْ رِعالًا تخرّجوا من المدرسة الثانويّة نفسها. بحُبور ومَودّة اقترب الأستاذ المُعِزّ المعتزّ من تلميذه السابق جواد مُحَيِّيًا. حاول الموجِّه المرشد جواد، الشابّ العشرينيّ اللطيف،أن يتذكّر متسائلًا دون أن ينطق أو يتذكّر اسم مَن درّسه علم الأحياء طيلة سنتين: "أنت... ربّما علّمتني؟ أحاول أن أتذكّر"... وعلى محيّا الأستاذ خالد ارتسمت ابتسامة لا ابتسام فيها!


(2)
بعد مرور شهر على افتتاح السنة الدراسيّة، كانت المعلّمة روضة أستاذة الكيمياء تحلّ بعض الأسئلة مع طلبتها. رفع أكثر من عشرة منهم أيديهم استئذانًا ورغبة في الإجابة عن أوّل سؤال، فابتهجت واحتارت ثمّ اختارت:
- سمير. تفضّل.
- ساهر، معلّمتي.
قال ساهر ذلك وقد بدا عليه ضيقٌ ما. أمّا معلّمته روضة، فقالت وأمارات الضيق والانحراج في عينيها وصوتها:
- عذرًا، ساهر. لا تؤاخذني. لا تؤاخذوني. أنا هذه السنة أدرّس أكثر من مئتين وخمسين طالبًا، وليس من السهل عليّ أن أُتِمّ خلال شهر واحد حفظ أسماء مئة وعشرين جددًا من بينهم لم أدرّس أيًّا منهم في السنة السابقة. فضلًا عن ذلك، الذاكرة خوّانة وبمرور سنوات العمر قد يعتريها العطب. سأعمل جاهدةً أن أحفظ الأسماء كلّها قبل انتهاء الشهر الثاني. ادعوا لي بالتوفيق...


(1)
كان ذاك في الجامعة العبريّة في زهرة المدائن، شتاء عام 1984. كنت في ما بين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. المناسبة: ندوة أدبيّة أقامتها لجنة الطلّاب العرب، اشترك فيها الراحلان إميل حبيبي وحبيب بولس وآخرون...
والدكتور حبيب بولس كان قبل ذاك ببضعة أشهر، على امتداد بضعة أشهر لا أكثر، قد درّسنا في مرحلة الصفّ الثاني عشر موضوع الأدب العالميّ (في السنة المدرسيّة 1982/1983)، بحصّتين متتابعتين اثنتين أسبوعيًّا، كلّ سبت، في الحصّتين الأولى والثانية، في مدرسة مار إلياس الثانويّة في بلدتي عبلّين. لم يعمل الدكتور بولس في مدرستنا آنذاك سوى يوم واحد أسبوعيًّا. أتى إليها بعد بداية السنة المدرسيّة، وترك العمل فيها قبل انتهاء تلك السنة. من خلال مجموع حصصه القليلة تلك، حظِينا بدراسة مسرحيّتَيْ سوفوكليس العظيمتين "الملك أوديب" وَ "أنتيجوني".
في تلك الندوة، هناك في إحدى قاعات الجامعة العبريّة في القدس، قدّم المرحوم الدكتور بولس مداخلة حول الأدب المحلّيّ. استمعتُ واستمتعت، وانشغلت كذلك... انشغلتُ في تساؤلاتٍ عذّبتْني طَوال الندوة وقُبَيْلها وبُعَيْد انتهاء آخِر فقراتها: هل أتوجّه إليه مصافحًا؟ هل سيَعرفني؟ أيَذكرني، وهو لم يدرّسنا سوى قرابة عشرين حصّة؟ هل أُحرجُه إن لم يعرفني؟ هل أحرجُ نفسي؟ هل... وطالت وامتدّت أسئلة التردُّد الغبيّة...
انتهت الندوة، وقام القوم. كان هنالك من اقتربوا من الأدباء والدارسين أصحاب المداخَلات متصافحين متبادلين معهم بعض الأحاديث. كلّ ذلك وأنا واقف في داخل القاعة في حَيرة من أمري تتناهبني تخبُّطاتي وتساؤلاتي البلهاء. في لحظة ما، خُيِّل إليّ أنّ عين أستاذنا قد التقت بعيني. لعلّه توهُّم! لا، ليس توهّمًا! بل توهُّم! المهمّ... حبّي لهذا الرجل دفعني إلى حسم الأمر، فدنوت إليه وابتدأت كلامي معه بمقدّمة قصيرة أردت من خلالها عدم تحميله عناء التذكُّر أو مسؤوليّة النسيان! قلت: "مساء الخير، أستاذ. لعلّك لا تذكرني"... ففاجأني مُقاطِعًا بقوله (بصوته العريض الممتلئ الذي أحببناه كما أحببنا صاحبه وفصاحته وأناقته): "طبعًا أذكركَ، يا حنّا"... وصافحني بحرارة وسعادة بدت جليّةً على محيّاه البشوش وصوته الزائر المُحِبّ. سعدتُ جدًّا. سعدتُ حقًّا، دونما إحساس بزهو وخُيَلاء...





الناقد حبيب بولس

الخميس 18/5/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع