الكابري منبتنا وفلسطين قبلتنا


محمد دباجة



في يوم مسيرة العودة إلى الكابري، تحية كبراوية من كبراوي استقبلت قدميه أرض الكابري رضيعا وهجّره الاحتلال منها وشرّده عنها طفلا قبل أن تكتمل لديه ذاكرة كشاهد على ما جرى في مسقط رأسه من مظالم وما دنسها من عدوان غاشم.
أحبتي في الوطن، يخاطبكم الآن محمد دباجة ابن أحمد مصطفى دباجة ودنيا درويش الياسين، المولود في الكابري في 20 آب 1945. توفي والدي الذي حرمت من رؤيته أو رؤية صورة له في العام 1947، وهجّرتني النكبة في العام 1948 مع والدتي وجدتي لأمي خشفة قاسم القط، إبنة قرية أم الفرج، وأخي الأكبر خالد ابن الستة عشر عاما وأختي خديجة ابنة الأربعة أعوام، إلى قرية يارين الحدودية اللبنانية القريبة، ليقضي أخي لاحقا في انفجار قنبلة في قرية المنصوري المجاورة التي كانت والدتي قد انتقلت إليها بعد إعلان قيام دولة الاحتلال على ثلاثة أرباع فلسطين وما تبعه من إغلاق للحدود مع الوطن بشكل دائم.
 وهكذا كان فرض اللجوء القسري علينا كسائر أبناء شعبنا، ولينتهي المطاف بعد سنتين بعائلتنا في مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين، جنوبي مدينة صور وعلى بعد 17 كلم من الوطن، على أمل أن نكون قريبين عند العودة الموعودة، فتكون عودتنا المرتقبة سهلة.
ومرت السنين لأفقد في العام 1976 جدتي في مخيم برج البراجنة في عام 1976 ووالدتي لاحقا في دمشق في العام 2002.
أحبتي، لقد تجرّعنا مرارة العيش في مخيم الرشيدية حيث كان مسكننا خيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف. ناهيك عن اقتلاع تلك الخيمة عند هبوب الرياح والعواصف الهوجاء. فضلا عما كنا نتعرض له من قمع وتنكيل وإذلال على أيدي أجهزة الأمن والاستخبارات في المخيم، وذلك في سياق سياستهم نحونا: دارِهم ما دمتَ في دارِهم وأرضِهم ما دمتَ في أرضِهم.
بعد مدرسة الأونروا في مخيم الرشيدية، أكملت دراستي الثانوية في مدرسة الاتحاد في مدينة صور لأنتقل بعد ذلك للعمل ومتابعة دراستي الجامعية في مدينة بيروت. بقيت في لبنان حتى العام 1979 لأنتقل بعد ذلك إلى الإمارات العربية المتحدة التي عملت فيها حتى العام 2009 إلى أن انتهت بي رياح اللجوء والتشرد في فرنسا التي أعيش فيها من ذلك الحين. تماما كما كان المصير الذي انتهى إليه مئات آلاف اللاجئين من أبناء شعبنا في كل من ألمانيا والدانمارك والنرويج والسويد كمأوى مؤقت جديد، إلى أن يحين موعد العودة الأكيد إلى ربوع وطن الآباء والأجداد، فتستقر فيه الأجساد وتقر فيه عيون الأبناء والأحفاد.
إليكم يا جذورنا الراسخة في الوطن، يا من عانينا من الاحتلال كما عانيتم، عيوننا اليوم تتألم لهفة إليكم وتذرف دموعها دما شوقا لمرافقتكم، وقلوبنا تخفق لوعة وحرقة لنكون بين صفوفكم. ونعدكم بأن تظل بوصلتنا تشير إلى الوطن مستدلة  بنور عزيمتكم ومهتدية بصلابة موقفكم.


(فرنسا)

الأربعاء 17/5/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع