بين اليوتوبيا والواقع


د. فياض هيبي


الكاتبة كلارا سروجي - شجراوي




*طواف (مجموعة قصصية) للكاتبة كلارا سروجي - شجراوي*



**التقنيات الأدبية
قامت هذه النصوص على محورين، يصوّر الأول الحياة وتحوّلاتها الرهيبة، التي لم يعد الفرد قادرا، ولا الأسرة ولا المجتمع حقيقة، على "لجمها" أو ردّها لأصلها وأصولها، فقد عظُمت المغريات وقلّت السبل والإمكانيات. بينما يهتم المحور الثاني برصد الجدلية الأزلية بين المرأة والرجل، في نصوص تدخل ما بات يعرف بالكتابة النسوية، من أوسع أبوابها بكلّ جدارة واستحقاق، كما سنبيّن لاحقا.يزخر كلّ محور من المحورين السابقين بجملة من التقنيات الأدبية التي تبرز المستوى الساتيري لهذه النصوص


**الحالة المستعصية
اللجوء إلى الفلاسفة والأدباء والشعراء من القرن والقرون الماضية، يكشف عن حالة الواقع المستعصية والعصية على الفهم والتفسير.  هذا "اللجوء" يدلّ على هروب من الواقع المشوّه ومحاولة إيجاد الجواب الدالّ والشافي عند شخصيات وأماكن لا جود لها، وهذا تعزيز للنزعة المثالية السابقة. ومن مظاهر اليوتوبيا في هذه المجموعة نلاحظ كذلك اعتماد الأدب الشعبي على مستوى السرد واللغة والشخصيات، العالم المثالي (غير الواقعي في كثير من الحالات) يشكّل أساسا فيه. هكذا يرتد النص زمنا وشكلا إلى الماضي والتاريخ، إلى ما كان، ليسقط على الواقع ويعلن رفضه له


**مقدّمة
تقدّم الكاتبة د. كلارا سروجي – شجراوي في باكورة أعمالها الأدبية "طواف"، طبقا مشكّلا من المواضيع والمضامين والأفكار. ولا يمكن أن تقرأ بعض النصوص في هذه المجموعة، دون أن يحضر أسلوب الكاتب السوري زكريا تامر بشكل عفوي تلقائي، شكلا ومضمونا .تقول نصوص هذه المجموعة الكثير وتغوص في عوالم كثيرة ومتنوعة، كما تتفاوت في أسلوبها وفنيّتها. ولكنها بتقديري تستحق القراءة والكتابة في آن معا، ولهذا لن أكتفي بالقراءة فقط. اتفقت مع الكاتبة في كثير من النصوص واختلفت معها في بعضها. اتفقت معها في الأسلوب والشكل والمضمون، واختلفت معها، في بعضها، للأسباب نفسها. وأقول هذا الكلام" مبكرا" لأنّ الكاتبة صدقت حينما قالت، في نهاية المجموعة، وان كنّا نتحفظ من هذه "الرسالة" بعض الشيء، إنها قد سئمت المواربة والتلاعب باللفظ والكلمة، والواقع يلزم المباشرة لا أكثر ولا أقلّ! وهكذا يجب أن يكون النقد والممارسة النقدية، مباشرا"دون مقدمات" وتملق ومواربة. في هذا نتفق، بتقديري، أنا والكاتبة تماما. تعدّد المواضيع وتنوّعها يثري النصّ بشكل لافت، وتؤكّد صلة الكاتبة بمحيطها ومجتمعها عامة، وهذه مسألة غاية في الأهمية لأنها تثبت، بما لا يقبل الشك، تورّط الكاتب بواقعه، وهو الشرط الضروري والحتمي لكلّ نشاط أدبي.
قامت هذه النصوص على محورين، يصوّر الأول الحياة وتحوّلاتها الرهيبة، التي لم يعد الفرد قادرا، ولا الأسرة ولا المجتمع حقيقة، على "لجمها" أو ردّها لأصلها وأصولها، فقد عظُمت المغريات وقلّت السبل والإمكانيات. بينما يهتم المحور الثاني برصد الجدلية الأزلية بين المرأة والرجل، في نصوص تدخل ما بات يعرف بالكتابة النسوية، من أوسع أبوابها بكلّ جدارة واستحقاق، كما سنبيّن لاحقا.يزخر كلّ محور من المحورين السابقين بجملة من التقنيات الأدبية التي تبرز المستوى الساتيري لهذه النصوص، كالمفارقة والجروتيسك والتضخيم واليوتوبيا التي تحتل المساحة الكبرى بين هذه التقنيات، وهي ما سنلقي عليها الضوء في هذه القراءة بصفة خاصة.


1. الحياة وهمومها
تحرص الكاتبة كلّ الحرص على تنوّع المواضيع والأفكار، وإن كانت المواضيع الاجتماعية- اليومية تتفوق على غيرها من المواضيع، وهذه مرّده لأمور كثيرة تتلخص، بتقديرنا، بتحوّل الفرد (الفلسطيني والعربي عامة) إلى المسائل الاجتماعية - اليومية هربا من الزيف السياسي العام من ناحية، والثورة التكنولوجية المرعبة التي باتت تحصر اهتمام الفرد في اليومي والعادي على حساب العام أو حتى الوطني. فمن علاقة الجيرة المشّوّهة (الحقّ كلّه على جوزي مثالا)، والعلاقات الاجتماعية الخجولة (أنا والنافذة)، إلى الصراع من أجل تأمين لقمة العيش (إيهاب الصغير مثالا) إلى بعض المفاهيم الاجتماعية التي لا يأبى المجتمع التخلي عنها، كالعنوسة (الصورة مثالا). الاهتمام باليومي والعادي كأنه مركز الحياة (قلبي من حجر مثالا)، وهذا ما يوضّح، أولا، حالة التردي والتراجع الحاصلة في حياتنا كما أسلفنا. ويعلن، ثانيا، عن رفض العام بكلّ تعقيداته وزيفه، ليحلّ محله الهامشي والعادي واليومي.
الموت حالة يومية متكرّرة، والدم لا يتوقف، والجغرافيا والأماكن مستباحة كما الأعراض تماما. هذه الكم الهائل من "المستفِزات" لا تحرّك سبابة سلطان ولا ضمير حاكم. وهكذا يرتدّ الفرد إلى الهامشي واليومي والعادي كإعلان موقف رافض لهذه الاستباحة، وهذا أضعف الإيمان. لذا نلاحظ أن النصوص التي يمكن تأويلها تأويلا سياسيا، في هذه المجموعة، نادرة عددا و"خجولة مضمونا (ياردينا،مجرد حرف مثالا).كما لم تخلُ بعض النصوص من النزعة الفلسفية الواضحة (أنا وشوبنهاور، روح فاسوطايوس، عودة ديكارت، هيا نرقص معا، طواف) كمحاولة لتفسير الواقع أو اتهامه ونقده، أو فهمه على أقلّ تقدير.


2. جدلية المرأة والرجل
تحظى هذه الجدلية بحصة الأسد من النصوص ومن اهتمام الكاتبة كذلك. هذه الجدلية التي باتت تشكّل محورا أساسيا تقوم عليه الكتابة النسويّة عموما. والكاتبة بذلك لا تحيد عن المعهود والمألوف في هذا النوع من الكتابة. كما حرصت الكتابة على اعتماد الكتابة النسوية قبل الثورة وبعدها. نقصد بذلك النصوص المتقدمة في الكتابة النسوية التي كانت تصوّر المرأة ضحية لظلم الرجل وبطشه، فهو المضطهِد والعنيف من ناحية. هي التابعة له في أعراف المجتمع البطريركي وتعريفاته من ناحية أخرى.
أما النصوص الحديثة نسبيا فتعلن ثورة صريحة مباشرة دون خوف أو تأتأة، تتلخص في تصوير الرجل هذه المرّة بالضعيف والذليل اللاهث وراءها دوما، في محاولة للثورة على الهيمنة الذكورية وإعلان "فض" التبعية والشراكة، وقدرتها على أن تكون كائنا كاملا متكاملا دون حاجة لوجود الرجل في حياتها. تهتم الكاتبة كلارا سروجي باعتماد كلتا الحالتين السابقتين في نصوص مجموعتها. صورة الرجل العنيف والمضطهِد مقابل المرأة الضحية تظهر في النصوص: هيّا إلى النكاح، الخيار باللبن، طبخة الكوسا مع ورق العنب (الدّوالي)، ميادة ذات الشّعر الطويل المبلول، عندما أحبت نورا ذات الأعوام الخمسة، انكماش، ارتداد، النشوة، الملك العاشق، غرام. تقوم هذه النصوص مجتمعة على تشريح "الرجل" كمفهوم سلطوي مضطهِد. كما هي محاولة لنقد الواقع وفضحه. فيها اتهام ورفض في آن معا. اتهام للرجل ودوره المباشر في حالة التردي التي يشهدها المجتمع، بفعل ممارسته القمعية والرجعية. بالمقابل هي رفض لهذه السلطة وكلّ ممارستها التي تقدّم ذكرها. ففعل النقد والتشريح يحوي داخله الموقف الرافض، كما هي الحالة في الساتيرا تماما. أمّا صورة الرجل الثانية، الرجل الذليل والضعيف، فتظهر في النصوص: الحقّ كلّه على جوزي، وجهة نظر، كراهية، من النظرة الأولى، الجرذ، عيد زواج سعيد، انتظار، انبهار، يظهر الرجل في هذه النصوص ضعيفا ذليلا، ترفضه المرأة غير آبهة به وبسلطته، بل تحرص بذلك على تقويض هذه السلطة تماما. فهي المرأة التي لا تضعف وتستسلم لغياب الرجل أو هجره لها، بل تنطلق بكامل قوتها وأنوثتها لتستعيد ما خسرته من حرية ومتعة في ظل سلطته.
يصل الحدّ في بعض النصوص إلى اعتماد الشخصيات غير الآدمية (الكلب، قصة من النظرة الأولى) بأسلوب سردي أساسه المفارقة. يتضح في نهاية النص أن قرارها بهدم الجسر الوهمي بينهما واستعدادها للاقتراب منه ما كان إلا لكلب لا أكثر، لا لرجل كما يُظن عادة. هذا التصادم الذي تحدثه هذه المفارقة يكشف عن واقع كلّه حرقة وألم وتراجع. لولا العلاقات المشوّهة بين طرفي هذه الجدلية (المرأة والرجل) ودوافعها التي لا تنتهي، ولولا الواقع المشّوه أصلا، الذي لم يبق ولم يذر في "تعزيز" الشرخ وتعميق الانسلاخ، ما كان السرد ليصل إلى هذه الحالة من الغرائبية والتطرف.
تعجّ نصوص الكتابة النسوية عادة بألفاظ فاضحة تنزع عن نفسها، واعية، كلّ "قشور" الحشمة والحياء. تأتي مباشرة سافرة فاضحة، "تسمّي المولود باسمه" هكذا دون رتوش ولا تجميل. والكاتبة ما ترددت في اعتماد هذا النوع من الألفاظ في هذه المجموعة (هيّا إلى النكاح مثالا). الحقيقة إن هذه الألفاظ لم تقحم عنوة، بداعٍ ومسوغ أدبي أو بلا داعٍ، إنما كانت موافقة لروح النص وإيقاعه العام. وعلى العموم تسعى هذه الالفاظ، إلى جانب ما تقدّم، إلى إضافة لبنة أخرى هامة في تدعيم أسس الثورة المعلنة على الرجل وسلطته البطريركية.  في نظرة إحصائية سريعة ماسحة لعدد النصوص في الصورتين (الرجل المضطهِد والعنيف والمرأة الضحية، مقابل الرجل الضعيف والذليل والمرأة القوية الثائرة التي لا حاجة لها به أكثر) نلاحظ أن عدد نصوص الصورة الأولى يفوق عددها في الثانية، عشرة نصوص مقابل ثمانية في الصورة الثانية.
لم يكن التفوق صدفة بأي حال من الأحوال، ومردّه إلى الواقع أولا وأخيرا. تؤدي هذه النظرة الإحصائية السريعة فعلا نقديا لا يستهان به بتاتا. الواقع ما زال ذكوريا بطريركيا، رغم كلّ محاولات الثورة والخروج الصريح والمباشر على سلطة الرجل. صورة المرأة الضحية لا تزال أكثر حضورا في هذا الواقع المأزوم. هذا يعني أن الحالة ما زالت تستدعي جهودا وطاقات جمّة، وأنّ تحقيق "النصر التامّ" وإقامة "المرحلة الوردية "، في الانعتاق والتحرّر من سلطة الرجل، يحتاج لمزيد من الوقت والمواجهة والنضال. وفي هذا الباب نجحت الكاتبة في ضمان مكان، لعدة نصوص في مجموعتها هذه، ضمن النصوص المحسوبة على الكتابة النسوية.


3. بين اليوتوبيا والواقع
تعتمد الكاتبة في هذه المجموعة، جملة من التقنيات، التي تهدف إلى الفضح والتشريح والنقد (الساتيرا) والرفض كذلك. تمثّل ذلك بحضور لافت للمفارقة والجروتيسك والتهكم من ناحية، واعتماد كثير من النصوص على اليوتوبيا Utopia – المثالية من ناحية ثانية. أصابت الكاتبة عندما اعتمدت التوجه الساتيري لمعالجة الواقع الإشكالي، نظرا لقدرة الساتيرا على الجمع بين أكثر من هدف يسعى إليه الكاتب عادة، النقد والتشريح وتبني الموقف الرافض، الدفاع والهجوم في آن معا، تعزيز المناعة النفسية (عند الضعيف خاصة) وتحرير الكم الهائل من الضغوطات النفسية. كلّ هذه الحالات، النفسية وغيرها، يحتاجها الكاتب في معالجته للمرجعي المشوّه والسوداوي. ولأنّ النص بتقديرنا يتكئ على اليوتوبيا أكثر من غيرها في هذه "المواجهة"، فإنّنا سنولي هذه التقنية مساحة أكبر من التقنيات المتبقية، التي لا تقلّ أهمية في تشكيل النص الساخر عموما.
اليوتوبيا– المثالية تعني في دلالتها الحرفية (اليونانية) اللامكان، بمعنى المكان المثالي الذي لا وجود له في أر ض الواقع، وهي الفلسفة التي تحاول أن تبني للبشرية والإنسانية عامة عالما مثاليا يقوم على السعادة المطلقة والكمال Perfection. وهكذا تسعى هذه الفكرة لتشكّل بديلا للواقع البشري. ولأنّ الواقع البشري، في ظروفه وتحولاته المتطرفة،لا يتيح بناء عالم كهذا في الواقع، ولأنّ وجوده مرهون بشروط قبلية شبه مستحيلة، فإنّ هذه الحالة تؤدي إلى تصادم بين الموجود والمنشود. هذا التصادم هو بالضبط ما يفضح ويشرّح ويعلن الرفض، بكلمات أخرى أبسط، يسخر! تدرك الكاتبة كلارا بحسّ الأكاديمي والباحث قدرة هذه التقنيات، والمساحات الكامنة في اليوتوبيا دون غيرها، فتتكئ عليه كثيرا في هذه المجموعة. تشكّل اليوتوبيا الخيط الذي يجمع الكثير من النصوص. اعتمدت الكاتبة أشكالا متعددة لتأكيد النزعة اليوتوبية في النصوص. بدأتها الكاتبة مع استحضار الشخصيات الفلسفية الأدبية المعروفة، غربية وعربية على حدّ سواء ( شوبنهاور، الرازي، نجيب محفوظ، فريد الدين العطار، ديكارت) وهذا الالتفات إلى الوراء، الماضي أو التاريخي يهدف إلى محاولة فهم الواقع والتدليل على تحوّلاته الغريبة. (تحدث أ.د. إبراهيم طه بالتفصيل عن هذ الظاهرة في حوار بعنوان: " الأدب الفلسطيني في مرحلة تجميل السياسة". أجرى الحوار: أنطوان شلحت، لصالح موقع "الضفة الثالثة" الثقافي، بتاريخ: 8 نيسان 2017، ويُنشر في هذا العدد).
اللجوء إلى الفلاسفة والأدباء والشعراء من القرن والقرون الماضية، يكشف عن حالة الواقع المستعصية والعصية على الفهم والتفسير.  هذا "اللجوء" يدلّ على هروب من الواقع المشوّه ومحاولة إيجاد الجواب الدالّ والشافي عند شخصيات وأماكن لا جود لها، وهذا تعزيز للنزعة المثالية السابقة. ومن مظاهر اليوتوبيا في هذه المجموعة نلاحظ كذلك اعتماد الأدب الشعبي على مستوى السرد واللغة والشخصيات، العالم المثالي (غير الواقعي في كثير من الحالات) يشكّل أساسا فيه. هكذا يرتد النص زمنا وشكلا إلى الماضي والتاريخ، إلى ما كان، ليسقط على الواقع ويعلن رفضه له، كما هو الحال في النصوص: شجرة الزيتون، الملك العاشق، غياب. إنّه الهروب من واقع لم تعد مستجداته، السياسية وغيرها، قادرة لأن تستفزّ الكاتب بخطاب ثوري تقليدي. الواقع بات معقدا على مستوى الأسلوب والتقنية الأدبية كذلك، فكان اللجوء للمثالية من باب الشخصيات الفلسفية والأدبية والأدب الشعبي كما تقدّم.
يشكّل الحلم أهم مظاهر المثالية واليوتوبيا في النصّ الأدبي، فيه هروب واضح وإعلان أوضح إلى حاجة الشخصية كما هو الواقع، لفضاء أفضل وأنقى وأطهر. الحلم من أهم التقنيات التي تؤكّد بؤس الحالة وتردي الواقع، كأنّها بذلك تعلن عن عجزها المطلق لبديل مطلوب، فتلجأ إلى "وهم" واعية أو غير واعية في كثير من الحالات. لكنه (الحلم) إلى جانب ما تقدّم، يُبقي على شيء من الأمل، لأنّ الواقع مهما كان مترديا مشوّها سوداويا لن يستطيع "مصادرة" قدرة الشخصية وحقّها بالحلم والخيال، وذلك أضعف الإيمان. يظهر ذلك في نصين، هما: نبوءة، غرام.
نختم الحديث عن هذه التقنية الساتيرية الفاضحة الناقدة بإشارة إلى الفضاء اليوتوبي، كرافد أخر من روافد اليوتوبيا عموما في هذه المجموعة، أو ما يعرف في عالم المثالية "المدينة الفاضلة"، حيث تتحقق السعادة المطلقة والكمال، حيث لا وجود لمفاهيم أرضية إشكالية دموية في معظمها، ومن هذه النصوص: حكاية مدينة، حرب الكواكب. وماذا يكون "الحلم" بفضاءات كهذه، إن لم يكن مثاليا وهروبا من الواقع، حيث ملّ الفرد ألم الحياة البشرية، وسئم تعقيداتها التي تعزّز خيبته وهزيمته في كلّ المستويات. وفي ذلك كلّ الرفض والنقد والسخرية.


**الإجمال
نعود إلى أول الكلام ونقول إنّ خاصية التنوّع في نصوص هذه المجموعة (شكلا ومضمونا) تحسب للكاتبة لا عليها. وإن كانت بعض النصوص مفضوحة إلى حدّ يتجاوز الممكن والمتوقع في معادلة التواصل والاتصال بين النص والكاتب (عندما أحبت نورا ذات الأعوام الخمسة، بوظة على صاروخ). توظيف التقنيات الأدبية المعتمدة في نصوص المجموعة، يدلّ على وعي الكاتبة نظريا (باحثة – أكاديمية) بها وبقدرتها على النقد والتشريح، فتكون بذلك قد خبرت أهميتها وضرورتها في النص الأدبي عموما. لكن بين هذا وذاك لا بد من الوقوف عند حالتين تثيران التساؤل وتلزمان النقاش:
الأولى تصدرت صفحة الغلاف وجاءت كعنوان فرعي أو مرافق للعنوان الرئيسي للمجموعة "طواف. ذكرت الكاتبة بعد العنوان المذكور، ما يلي: "خربشات قصصيّة بحجم راحة اليد". السؤال الأول والطبيعي: لماذا هذا الالتفاف على التسمية الطبيعية المألوفة؟ هذا الالتفاف والضبابية في التسمية لا تتماشى بتقديري مع نصوص فضحت و"شرشحت" ووضعت أصابع لا اصبعا واحدا على جروح كثيرة. سّمت المولود باسمه، كما أسلفنا. ولما كان المولود "أعور" لم تجامل ولم تهادن!وقد أسلفنا أن هذه النقطة حسبت للكاتبة لا عليها. لذا لا مكان "للخربشات" ولا للخربشة، هي فعل كتابة وسرد واعيين تماما ومتورطين حدّ الألم في هذا الواقع المشوّه. وإن كانت التسمية المستحدثة هذه من باب الحداثة وما بعدها، بمعنى انعكاس لواقع "مخربش" مضطرب في أساسه، يلزم بالتالي سردا لا يقلّ "خربشة"، فإنّ الأولى والأجدر أن ينعكس ذلك في الأسلوب والتقنيات لا التسمية. لأنّ التسمية مسألة "تجنيس" لا نراها منطقية واقعية في هذه المرحلة على الأقلّ. فعل "الخربشة" يحيل القارئ إلى حالة من عدم الانضباط والفوضوية، فالواقع في أوج "خربشاته" (إن صحّ ذلك) يستدعي كتابة واعية متأنية قادرة على رصد أدق تفاصيله وتحوّلاته.
أمّا الثانية، سؤالان يلحّان في نهاية هذه الورقة، وفي نهاية المجموعة ذاتها: لماذا جاء الإهداء متأخرا (مكانا) إلى هذا الحدّ؟ وما هو مسوّغ الوصية التي تختم بها الكاتبة المجموعة؟ الإهداء، كعتبة من عتبات النص، أو ما يعرف "بالنصوص الموازية" عند جيرار جينيت، أصلها التقديم لا التأخير. هي مرحلة قبلية تعين القارئ على بناء جهاز من التوقعات (كالعنوان مثلا) قبل البدء بفعلي القراءة والتأويل. أما الوصية، الموجهة للقارئ أولا وأخيرا، فإنّها تحدث نوعا من الضبابية في "الاتفاق المبرم" بين النصّ والقارئ في عملية التواصل والحوار بينهما. الأصل أن نترك الحكم للقارئ، دون داعٍ "لاستباق" هذا الحكم بهذه الوصية. منح الثقة للقارئ والايمان بقدرته وقدراته أصحّ وأجمل لهذه العلاقة، والكاتبة ممن خبروا هذه العلاقة حتى النخاع! على العموم قرأت واستبشرت خيرا بكاتبة جديدة قادرة أن تورّط القارئ في نصوص لن يملّها بعد المعاشرة الأولى بأي حال من الأحوال.

13/05/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع