الجزء الرابع
نينار ومارد البحر الأعور


رياض خطيب


بحر غزة (توضيحية)


**ضد الحرب
بريخت ينتمي للطبقة البرجوازية الألمانية التي احتلت مكانة خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك مع التطور الاقتصادي والاجتماعي في المانيا، خدم بريخت في الحرب العالمية الأولى كمعاون صحة في احد المستشفيات العسكرية وقد أثر في نفسه رؤية الجرحى والمشوهين، ومنذ هذه اللحظة بدأت نزعته نحو السلام وضد الحرب والتي أصبحت هي النزعة المهيمنة على معظم مسرحيات بريخت فيما بعد، درس بريخت الفلسفة الماركسية دراسة عميقة ونحن نرى تأثير ذلك في نزعته اليسارية التي اتسمت بها معظم مسرحياته.



**تقديم
عبر مسيرة المسرح العالمي هنالك محطات أساسية وعلامات فارقة في مسيرة الفن المسرحي، وما لفت انتباهي وبشكل خاص هو تجربة المسرح الملحمي للمؤلف والمخرج المسرحي الألماني بيرتود بريخت، فهذا العملاق يحتل مكانة خاصة في المسرح العالمي المعاصر لما تميز به مسرحه واخراجه المسرحي من جدية ورغبة أساسية في التغيير الشامل لآفاق الفن المسرحي وأبعاده الاجتماعيه والسياسية وخاصة، أن بريخت ظهر في فترة عصيبة ومميزة في الحياة السياسية العالمية والألمانية بشكل خاص.
بريخت ينتمي للطبقة البرجوازية الألمانية التي احتلت مكانة خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وذلك مع التطور الاقتصادي والاجتماعي في المانيا، خدم بريخت في الحرب العالمية الأولى كمعاون صحة في احد المستشفيات العسكرية وقد أثر في نفسه رؤية الجرحى والمشوهين، ومنذ هذه اللحظة بدأت نزعته نحو السلام وضد الحرب والتي أصبحت هي النزعة المهيمنة على معظم مسرحيات بريخت فيما بعد، درس بريخت الفلسفة الماركسية دراسة عميقة ونحن نرى تأثير ذلك في نزعته اليسارية التي اتسمت بها معظم مسرحياته.
محطة مفصلية في حياة بريخت هي 30 كانون الثاني سنة 1933 حيث استولى ادولف هتلر على السلطة والنازية كانت العدوة اللدود للماركسية التي اعتنقها بريخت وقد ادرك فيما بعد أن لا مقام له تحت ظل الحكم النازي فاضطر الى مغادرة المانيا واللجوء أولا الى براغ ومن ثم فيينا وسويسرا والاتحاد السوفييتي، وحط به الترحال في الولايات المتحدة الامريكية ومن هناك كتب بريخت معظم مسرحياته التي شكلت سمة العصر وضد الممارسات النازية، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية رجع بريخت الى جمهورية المانيا الشرقية وبرلين بالذات، حيث أقام مسرحه الخاص والذي ما زال هذا المسرح قائما حتى اليوم يقدم انتاجات بريخت.

**
(نفس مشهد شاطئ البحر تسمع صوت الأصوات الصاخبة وهي تصطدم بصخور الشاطئ وهنالك أيضا أصوات رياح خريفية، يضاء المسرح اضاءة خافتة نرى نينار تجلس على احدى صخور الشاطئ وهي ترتدي ملابس بالية ممزقة في بعض جوانبها رأسها منكسة نحو الأرض، اضاءة متماوجة تطفأ وتضاء بصورة مضطربة وفجأة يسمع صوت جهوري قادما من أعماق المسرح)
الصوت: اقتاد الجنود الجد.. الجد العزيز عليها فمضت المسكينة في أثرهم الى المدينة. والمدينة خطيرة رغم ذلك طرقت جميع الأبواب وطالبت برؤية جدها، ولكن عبثًا لم يدلها أحدًا على مكان وجوده، ورجعت محطمة وهي تجر ذيول خيبتها، رجعت الى الشاطئ لعل أمواج البحر تدلها على مكان الجد الغالي !!
(تنزل نينار من على الصخرة التي جلست عليها وهي تقترب كالمذعورة نحو حافة المسرح)
نينار: (كأنها تخاطب نفسها) واسا، شو بدي أساوي ؟؟ وين يمكن يروح جدي ؟وكأنو بصة ملح وذاب، وتخبط على يديها، واسا شو راح اساوي يا ربي ما عاد لي حدا هون. لا بس انا مستحيل استسلم مش لازم أيأس أكيد أكيد جدي عذروا معا ولا بد يرجع ونعيش أنا ويا بقية عمرو بحب وسعادة وهداة بال.
(تقطع السكينة أصوات الأمواج وانذارات قوارب تقترب نحو الشاطئ، نينار مذعورة تنقل نظرها في مختلف الاتجاهات لكي تعرف ماذا يجري هناك، وفجأة يظهر من خلف الصخور انسان ضخم وكأنه مسخ مع قناع يغطي عينه اليمنى وهو يصدر أصواتا رتيبة ومزعجة تكاد تطغى على أصوات الأمواج)
المارد:والآخرة معك انت يا بنت، كل الي صار وبعدك بتيجي عالشط " يضحك بصورة هيستيرية " وشو بعدلك هون اوعك تكوني تفكري انو جدك راح يرجع لهون، خلاص ولا عمرك راح تشوفي هون عالشط او حتى الله يعلم حتى لو في محل ثاني " ويضحك بصوت عالي ".
(نينار تظهر بصورة عصبية على المسرح واحيانا تنظر نحو الوحش واحيانا أخرى نحو الجمهور تتوقف وتوجه كلامها الى المارد)
- غصبن عنك جدي راح يرجع
- المارد مستهزئا: انت بتحلمي يا بنت على كل حال انا شو خسران ؟ حرام على وقفتك وعلى اعصابك وانت بعدك صغيرة انسي الموضوع وشوفي حياتك قلبي حارقني على حالك.
نينار وبحدة: لي هو انت الك قلب من اساسو انت بدون إحساس وبدون مشاعر ويمكن صخور هالشط هاي الي قدامك الها احساس اكتر منك بس شو نقول الله يلعن هالزمن ؟! الي بخلي واحد حقير ومجرم زيك يحكي عن الإحساس والقلب.
(المارد يقهقه بصوت عالي واستفزازي مع ارتفاع أصوات الأمواج)
المارد: يا بنتي اسمعي نصيحتي الك وببلاش انت بتغلبي حالك هون عالفاضي بلاش تكوني متل كلب الحراسة على كل حال هاي نصيحه مني شوفي حالك واهتمي بمستقبلك احسنلك من كبرة هالراس.
نينار تهجم على المارد ملوحة بيديها: انا عندي شعور في داخلي انو جدي راح يرجع ويكون بمعلومك انو الي ما الو ماضي ما الو مستقبل بالأول مندور عالاصل ومنحافظ علي وبعدين منحضر أجيالنا للمستقبل.
المارد مستهزءًا: عيش يا جديش، أنا على كل حال الي علي سويتو نصحناكي لوجه الله وانت براسك بتعرفي خلاصك.
(يقول جملته الأخيرة بصورة متقطعة ثم يأخذ بالتلاشي تدريجيًا ثم يختفي نهائيًا)
نينار وهي لا تزال تنظر باتجاه المارد: روحه بلا رجعة، نغصتلنا عشتنا الله ينغص عليك، واسا يا جماعه ياما راح نشوف شوفات اشي مع عين واشي بلا عيب بس كلو بهون المهم الواحد فينا ما يضعف ويواجه البلاوي بحكمة وإرادة قوية " يرتفع صوتها وهي تتحرك في مختلف اتجاهات المسرح " تتوقف فجأة وكأنها تخاطب نفسها: بس لحد هون وبس انا راجعه عالبيت اغير ملابسي ومنبلش كمان مره من أول وجديد مع جدي أو بلا جدي، يا خساااارة، بس ما في حل تاني، الحياة راح تستمر مش مهم الي صار المهم الي بدو يصير أنا متأكدة أنو كل اشي على ما يرام راح يصير.
(مع خروجها ترتفع أصوات الأمواج تخفض الإضاءة، من يمين المسرح يدخل انسان يرتدي قناعا اخضر وهو يسير ببطء مع إيقاع الطبلة التي يحملها)
القناع: كثير من الكلمات تقال، وكثير أيضا لا تقال، كان هناك شوق ولم يكن متسع من الانتظار والعهود قد نقضت ولم يدر أحد ما السبب اسمعوا ما فكرت به نينار ولم تفصح عنه:
"كانت كمن يقاتل في معركة دامية ووحشية، وجدت نفسها وحيدة لا معين لها، رغم ذلك لم تيأس، لم يستطع قلبها أن يتخلى عن الهدف وهي تدري أنها صاحبة حق، ولكن لا بأس كان عليها أن تطأطئ رأسها من أجل أن تجمع الفتات من الأرض وكان عليها ان تمزق نفسها من اجل مستقبلها ومن أجل دحض ادعاء الغريب ولا بد من معين، لأن الشجرة بحاجة الى السقي والخروف الصغير يضل اذا نام عنه الراعي ولا يسمع صراخه احد”.
(يخرج القناع مع ارتفاع صوت الموج تهدأ الأصوات تدريجيًا وتطفأ الإضاءة)
(انتهى)
(شفاعمرو)


13/05/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع