الحرب لا تقرع الابواب


حنا داود وكريستينا هويتشين


Copyright: © Altitude 100/Virginie Surdej.


*ما تبقى من ماء قد تضاءل، القنابل تهوي وتنهمر، والمرء بالكاد يمكنه مغادرة البيت – هذا واقع مَن يعيشون تحت الحرب. ولكن كيف يتفاعل الناس في مثل هذه الظروف؟ في فيلم Insyriated يحاول فيليب فان ليو الإجابة على هذا السؤال بطريقة مبتكرة، مما أهله لنيل جائزة "البانوراما" – جائزة اختيار الجمهور لأفضل فيلم درامي في مهرجان برلين السينمائي في شهر شباط الماضي*



** الحرب المقتربة..

أم يزن، التي تلعب دورها الممثلة هيام عباس، تسعى لإعادة تنظيم الأمور داخل الفوضى العارمة  بهدف عدم فقدان السيطرة على حياتها اليومية. فيزن يجب ان يتعلم، والمُعينة المنزلية يجب ان تنظف الشقة بينما يتوجب على الفتيان إحضار الماء. وعلى الرغم من ان الحرب تبدو كأنها بعيدة، فهي تواصل الاقتراب كلما تواصلت القصة لدرجة لا يعود من الممكن تفاديها. على الرغم من حقيقة انه لا يوجد اي سلاح ظاهر للعيان، فإن طريقة استخدام أصوات البنادق ودويّ الانفجارات تكفي لتعزيز فكرة الحرب المقتربة..


ظُلمة. ام يزن تجلس الى المائدة، تتجبّد وهي تلامس سطحها. كأن الوقت قد توقف بينما ترتخي. فجأة تلتمع الأضواء لتعود الحياة اليومية وكأنها تنطلق من جديدا. تبتعد ام يزن وتعود الأمور كلها الى نصابها تحت السيطرة. مع أنها ليست كذلك.
يروي فيليب فان ليو في فيلمه "Insyriated " قصةً عن الحرب السورية وعن وقْعها على الناس وعلى حيزهم الأسَري. الفيلم الدرامي، الذي افتتح عرضه الدولي في برلين، ضمن مهرجان برلين الـ67 للسينما – لم يفز فقط بجائزة "البانوراما" – جائزة اختيار الجمهور لأفضل فيلم درامي – وإنما حاز لقب "Europa cinema".  يؤكد المخرج أن فكرة الفيلم انبثقت في العام 2013، حين لم تكن أية صورة للحرب في متناول اليد. وهكذا فإن "Insyriated " يحاول القيام بملء هذه الثغرة من خلال صور صاعقة. يتتبع الفيلم الاحداث داخل شقة منفردة.  حياة أشخاص مختلفين، علقوا معًا لمدة 24 ساعة بسبب الظروف الاستثنائية للحرب.
أم يزن، التي تلعب دورها الممثلة هيام عباس، تسعى لإعادة تنظيم الأمور داخل الفوضى العارمة  بهدف عدم فقدان السيطرة على حياتها اليومية. فيزن يجب ان يتعلم، والمُعينة المنزلية يجب ان تنظف الشقة بينما يتوجب على الفتيان إحضار الماء. وعلى الرغم من ان الحرب تبدو كأنها بعيدة، فهي تواصل الاقتراب كلما تواصلت القصة لدرجة لا يعود من الممكن تفاديها.
على الرغم من حقيقة انه لا يوجد اي سلاح ظاهر للعيان، فإن طريقة استخدام أصوات البنادق ودويّ الانفجارات تكفي لتعزيز فكرة الحرب المقتربة. تلك الأصوات تأخذ بالارتفاع أكثر فأكثر وتشتدّ اقترابًا خلال مجرى الفيلم، الى ان تُطبق على الصمت وتمزّق جدار الحماية الوهمي. فمهما كان عدد الأقفال التي ستُحكم إغلاقها، والحواجز التي سترفعها وتشيّدها، سوف تلحق نار الحرب بالجميع.
لقد قام المخرج وكاتب السيناريو من خلال إطلاق أسماء محايده على شخصيات الفيلم، بإلغاء جميع الايماءات والدلائل المحتملة على أي انتماء ديني، مذهبي وسياسي. وبالتالي، نجح تمامًا في إظهار كيف ان الحرب تترك أثرها على الجميع كبشر، وكيف أن الناس الاعتياديين قادرون على تدبّر امورهم بشكل تام حين يتوجب عليهم ذلك.
نخص بالذكر حليمة (Diamand Abou Abboud) وأم يزن؛ تعبر حليمة عن اعجابها بأم يزن وبشجاعتها، فتجيب أم يزن "اننا جميعًا اقوياع وشجعان". تتقاطع دروب حليمة وام يزن بينما تبحث إحداهما عن الحماية والمأوى، في حين تُحكم الأخرى السيطرة. وهو شرخ يأخذ بالتغيّر قدمًا وتراجعًا مع تقدّم الفيلم.
يتعزّز الفيلم ويزداد متانة على امتداده بواسطة  التفاصيل الدقيقة لاشكال الحياة اليومية وتدابيرها خلال الحرب، مستخدمًا تقنية التصوير الطويل للمشاهد (one shot / long take technique) التي تتبع تحركات أم يزن. هذه التقنيات تجعل السردية لا تجري بانسياب فحسْب، بل تمكن المشاهد من المتابعة والإحساس عن كثب بينما يقوم بدوره في هذا الموقع "المسرحي".
لقد نجح  فيليب فان ليو في إبداع واقع يعج بالتفاصيل، يعكس الحرب من وجهة نظر شخصية وفوق- شخصية في ذات الوقت. وقد ساهم تصميم الصوت، التصوير والعرض بشكل خلاّق في هذا الفيلم المتقن.

13/05/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع