إبراهيم طه: الأدب الفلسطيني في مرحلة تجميل السياسة



إبراهيم طه، بورتريه لأنس عوض (العربي الجديد)


**ثلاث مراحل

 كان الأدب الفلسطيني عموما قد أصيب بصدمة بعد النكبة وإقامة دولة إسرائيل استمرّت حتى النكسة عام 1967. المأساة أنّ أدبنا الفلسطيني عمومًا يتحرّك في كلّ مرّة بين حربين أو بين مأساتين. هذه هي المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية فتبدأ بعد نكسة 67 وتستمرّ إلى الانتفاضة وما أفرزته بالتالي من تحرّكات سلمية واتفاقيات أوسلو. والمرحلة الثالثة تبدأ من أواسط التسعينيات حتى اليوم وهي تختلف كثيرًا، كثيرًا جدًا عن المرحلتين السابقتين. عن سمات هذه المرحلة قد تحدّثنا في إجابة عن سؤال سابق.


** ثقافة الاستجداد

 الأدب الفلسطينيّ في العقود القليلة الأخيرة أصبح يميل إلى الهدوء والتراخي بعد عقود من الارتجاجات العصبيّة التي كانت تصيبه مع كلّ مناسبة مأساويّة. وكأنه اعتاد ثقافة الاستجداد وأصبح يتقن فنّ التعامل معها بكثير من التوقّع وقليل من الترقّب... أنت ترى ذلك في بعض الكتابات الشابة التي صارت لا تدخل إلى السياسة إلا من الباب الخلفي. حتى عند بعض الكتاب الكبار ترى حالات كهذه. انظر مثلا ما فعله محمّد نفاع في روايته الأخيرة "فاطمة" التي صدرت عام (2015). وأنت تعرف من هو محمّد نفاع، أكثر الكتاب الفلسطينيّين التزامًا بالممارسة السياسية المباشرة.




أجرى الحوار: أنطوان شلحت



يقوم إبراهيم طه منذ أعوام طويلة بدراسة الأدب الفلسطيني وتدريسه. وقد أتاح له هذا الأمر إمكان أن يقف عند أبرز المراحل التي مرّ بها هذا الأدب وصولًا إلى "المرحلة الراهنة" التي يرى أنّ من أهم ملامحها "تجميل السياسة بعد أن كنا في مرحلة تسييس الجمال"، فضلاً عن "مركزة الهامش لا كنتاج تهميش المركز". ويعني بهذا توسيع مساحة المركز وسعة تخزينه وتعميق قدرته على احتواء الهامش، أو ما كان يعرّف على أنه هامش منذ سنوات قليلة. وقد جعله هذا الأمر بمنزلة مرجع لكل ما يرتبط بدرس الأدب الفلسطيني في الداخل، وهو ما حاولنا أن نركّز عليه إلى جانب مسائل أدبية أخرى خاصة وعامة في هذا الحوار معه:


**الأدب الفلسطيني و"المُستجد سياسيًا"!


(*) كيف تأثرت وتتأثر الحالة الثقافية الفلسطينية من "المُستجد سياسيًا"؟


- الحقيقة أنّ الأدب الفلسطينيّ في العقود القليلة الأخيرة أصبح يميل إلى الهدوء والتراخي بعد عقود من الارتجاجات العصبيّة التي كانت تصيبه مع كلّ مناسبة مأساويّة. وكأنه اعتاد ثقافة الاستجداد وأصبح يتقن فنّ التعامل معها بكثير من التوقّع وقليل من الترقّب... أنت ترى ذلك في بعض الكتابات الشابة التي صارت لا تدخل إلى السياسة إلا من الباب الخلفي. حتى عند بعض الكتاب الكبار ترى حالات كهذه. انظر مثلا ما فعله محمّد نفاع في روايته الأخيرة "فاطمة" التي صدرت عام (2015). وأنت تعرف من هو محمّد نفاع، أكثر الكتاب الفلسطينيّين التزامًا بالممارسة السياسية المباشرة. لم يذكر الكاتب السياسة بالمفهوم التقليدي الحزبي النضالي المقاوم إلا في مواضع عابرة في آخر الرواية، تحتاجها جمالية الرواية نفسها. ولو نظرنا إلى أعمال الكاتب عزّت الغزّاوي لوجدناه يميل إلى أسطرة الشخصية والحدث ليبتعد عن حدّة الراهن المعيش. أنا لا أقول إنّ الغزاوي أو نفاع قد انقطعا عن هموم العامة. هذا غير ممكن أصلا. أنا أقول إنّ المقاربات بدأت تختلف وتتنوّع. وكأنّ المستجدّات السياسية لم تعد قادرة على تفعيل الجماليات المستهلكة. الجمالية النضالية المقاومة قد استنفذت وأدّت دورها في فترة تاريخية معيّنة. هذا لا يعني أنّ الحالة الثقافيّة العامة قد انقطعت تمامًا عن الخطاب التقليدي المقاوم. لا. لكنّ الجمالية الجديدة صارت حييّة التفافيّة تجاوزيّة مجازيّة لا تخلو من تأتأة. أنت لا تجد، أو تكاد لا تجد، نبر التفجّع والدفق الشعوري المعدي والخطابية الكلاسيكية المعروفة في الشعر الفلسطيني الحديث. وكأنّ التحرّر القومي والوطني لا بدّ أن يرافقه تحرّر من بعض المألوفات والمسلّمات بما في ذلك الأدبيّة. "الهروب" من ملامسة المستجدّات السياسيّة بالأدوات الجمالية العتيقة ألجأ بعض الكتاب إلى التاريخ. ما يعني أنّ للمستجدّات أثرًا ارتداديًا على الإبداع. التاريخ أدلّ من الحاضر على الراهن. انظر روايات ديمة السمّان مثلا. وهذا ما فعله علاء حليحل أيضًا في روايته "أورفوار عكا" (2014) ليحيلنا إلى الراهن بصفة أو بأخرى. والأمثلة كثيرة. وهناك ظاهرة أخرى للالتفاف على هذه المستجدّات وهي اللجوء إلى الخرافة الفلسفية على نحو ما نراه في رواية "هي أنا والخريف" لسلمان ناطور. ومن أشكال الالتفاف على الراهن المباشر يلجأ بعض الكتاب إلى التجريب في الأدوات مثلما فعل هشام نفاع مثلا في روايته الذكيّة "انهيارات رقيقة" (2012)، وهي حالة ثقافية فلسطينية مميّزة ونادرة. وتجد التفاتًا واضحًا إلى "الجوانب"، إلى الموضوعات التي قد تراها النخب السياسية والثقافية نشوزًا. هكذا بدأ الفكر النسوي مثلا يتغلغل إلى عمق الحالة الثقافية الفلسطينية بقوّة. انظر مثلا رواية "مرافئ الوهم" (2005) لليلى الأطرش وانظر أيضًا رواية "امرأة الرسالة" (2007) لرجاء بكرية. إذا كنت ترى في المرأة معادلا للقضية فهذا جائز وإن كنت تنظر إلى هذا النمط من التفكير من ثقب فائض التأويل (Over Interpretation) فهذا جائز أيضًا. وهكذا ترى حالة هروب من هذه المستجدّات إما إلى الوراء وإما إلى الجوانب، وكلّ هذه الأشكال "الهاربة" من سطوة الراهن المرهق هي موقف واضح.


(*) هل تلحظ الآن أن هناك ملامح مخصوصة للأدب الفلسطيني. وفي حال وجودها، كيف تتبدّى مقارنة بما كانت عليه ملامح هذا الأدب في السابق؟


- لقد بدأت الجمالية الأدبية تميل في العقدين الأخيرين إلى التوصيف المحايد بعد أن كانت أقرب إلى الرؤية التقييمية الأبويّة. صارت مقطعية عرضية بعد أن كانت على الغالب امتدادية طولية. رأسية بعد أن كانت أفقية في محصّلتها العامة. مونولوجية جوّانية بعد أن كانت حوارية برّانية. تجريبية بعد أن كانت منتظمة وممأسسة. فوضوية بعد أن كانت منضبطة وتتابعية في الزمن. عنكبوتية بعد أن كانت تراتبية في الجغرافيا. التفافية بعد أن كانت مباشرة. جانبية بعد أن كانت مركزية. أخروية أو غيريّة بعد أن كانت نخبوية في اللغة والثيمات التي "تصلح" للأدب.. لا بدّ من التذكير أيضًا بظاهرة الكتابة باللغة الأخرى، ولا أقول بلغة الآخر. لا تنفرد اللغة العربية بتحديد الهوية الفلسطينية للنصّ. تجنيد اللغة العبرية واللغات الأوروبية على أنواعها هو نوع من أنواع التدويل الثقافي إن شئت. رغم كل ما قيل، الفروق بين المفاصل الأدبية الفلسطينيّة المختلفة ليست بهذه الحدّة التي قد يفهمها القارئ. لا شكّ في أنّ المراحل الأدبيّة قد تتداخل أحيانًا، لكننا نتحدّث هنا عن الجديد ونؤكّد حضوره إلى جانب الجمالية الموجودة. لست منبهرًا بالجماليات الجديدة إلى حدّ المحو، محو المأنوس. لا... أرى أنّ فلسفة التجاور أقرب إلى عقليّتي من الشطب. ما زلت أنفعل بكثير من النصوص "الكلاسيكية" في أدبنا الفلسطيني بصفة خاصة والأدب العربي بصفة عامة. وهل انطفأ بريق الأسلوب الذي ألفناه في أدب إميل حبيبي وغسان كنفاني مثلا؟ بل أبعد من ذلك، هل فقدت رواية نجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا بريقها الخاصّ بهذه السرعة؟!


(*) داخل ذلك هل ثمة أثر لغياب روّاد الكتابة الفلسطينية الستينية التي صنعت اسم هذا الأدب؟


- هذا السؤال هو امتداد لسابقه. أنت تتحدّث عن غياب مرحلة. المسألة الشخصيّة الإسميّة هنا هي جزء من تكوين حضاري وسياسي شامل. على العموم، يمكن الحديث عن انفتاح على ثيمات كانت تعدّ ترفًا لا يسمح به الظرف. الغرق الطبيعيّ بتبعات القضية السياسية القومية أخرج أغراضًا شعرية مأنوسة كالغزل مثلا من دائرة الحلال. و"هل نملك وقتًا كافيًا للحبّ" قال أحد الكتّاب مرّة. وفي المقابل دخول المرأة إلى الأدب كآيديولوجيا مشروعة ككاتبة وكثيمة أدبيّة. تراجع هيبة الشعر نسبيًا سمح لأنواع سردية جديدة كالقصيصة القصيرة (Very Short Story) بالدخول إلى المركز. وهذا النوع الأدبي الجديد، الذي يمتدّ بجذوره إلى أنماط السرد القصير المألوفة في موروثنا السردي العربي كالخبر والنادرة والمثل، يُسخّر بالأساس كأداة ناجعة للجلد الذاتيّ سياسيًا واجتماعيًا. ولعلّ إبداعات محمود شقير وطلعت سقيرق وسهيل كيوان من أبرز المساهمات في هذا المجال.  

 

**شرعنة التجريب والانفتاح على الجديد


 (*) برأيك، هل غياب "النضالية" و"المقاومة" من الأدب الفلسطيني الراهن (في الداخل خصوصا) يعبر عن تغير جمالي في فهم القضية، أم أنه تعبير عن بروز الذاتي على حساب الموضوعي الذي طبع نتاج الأدب الفلسطيني منذ الخمسينيات حتى اتفاق أوسلو؟
- ولماذا تفصل بين الأمرين على هذا النحو؟ دعني في البدء أتحدّث عن التوتّرات والتفاعلات المحتملة بين المركز والهامش. من السمات البارزة للمرحلة الثقافية الراهنة هو هذا الانتقال من المركز إلى الهامش، المركز الذي ظلّ يرى في المجموع أسبق من الأنا الفرد وأهمّ. لقد تحدّدت ملامح المركز في الخطاب الثقافي العام على هذا النحو على امتداد أربعة عقود أو أكثر قليلا (1948 - 1990). هذا المركز قد ضبط الأنساق الإبداعية وتحكّم بالتالي بالأعراف القرائية. لكنّ هذا المركز لا يستطيع بأمر فوقي أن يثبّت ما أنجزه بجهد متراكم على امتداد عقود. انتهت الجدانوفيّة منذ زمن بعيد. المتغيّرات التاريخية المفصليّة التي بدأت بالظهور في مطلع التسعينيات هي التي أثّرت في إعادة تعريف المركز والهامش برؤية مختلفة. صحيح، يحاول الهامش إرهاق المركز واستنزاف طاقاته باستمرار. لكن لا بدّ من التذكير بأنّ الحديث هنا عن مركزة الهامش وليس عن تهميش المركز. هذا لا يحدث بهذه السرعة وهذه البساطة. ونعني بمركزة الهامش توسيع مساحة المركز وسعة تخزينه وتعميق قدرته على احتواء الهامش، أو ما كان يعرّف على أنه هامش منذ سنوات قليلة. وهذا يشمل: (1) مركزة الأنا الفردية إلى جوار المجموع، (2) مركزة المرأة في مجتمع ذكوري فحولي وموضعتها في قلب "القضية" وإسباغ الشرعيّة عليها، (3) مركزة البيئة العامة وإحكام علاقتها بالإنسان، (4) مركزة الكلام التداولي (Parole) إلى جانب اللغة الفوقية (Langue)، (5) شرعنة التجريب والانفتاح على الجديد والمختلف ما يعني التحدّي المستمرّ للأنماط الكتابية السائدة، (6) زحزحة الأنواع الأدبية من مواضعها وإعادة نشرها برؤية مختلفة، (7) تحليل المحرّم وسفور الجسد الأنثوي بجرأة، (8) مصادرة سلطة الكاتب التي كانت تظهر في اقتحاماته البوليسية لعملية السرد، (9) خلط الأصوات وتعدّدية زاوية الرؤية، (10) تمكين ثقافة الاستجواب والحدّ من سطوة الجواب، ونعني بالاستجواب السؤال والمساءلة. ومن أبرز العلامات الملموسة لهذه الثقافة هو انفتاح النهايات النصّية...
كلّ ذلك يعني أنّ تغيير الفهم الجمالي للقضية الفلسطينية لا بدّ أن يأخذ في حساباته هذه الصياغات المجدّدة لعلاقات المركز بالهامش. فالقضية الفلسطينية ليست سياسية فحسب بل هي مسألة تكوين ثقافي وأخلاقي وفلسفي فكري واجتماعي وبيئي ولغوي وجمالي وحضاري... إذا نظرت إلى هذه التموضعات الجديدة وجدتها في أصلها تغييرات فكرية لكنها جرّت أو فرضت أدوات جديدة للخطاب النقدي. نحن نمرّ في مرحلة تجميل السياسة بعد أن كنا في مرحلة تسييس الجمال. البعد السياسي للقضية الفلسطينية والذي ترعاه السلطة السياسية الرسمية لا يرى بعين الرضى ما يحدث من تحدّ مستمرّ للمركز. أذكّرك فقط بثلاثة نماذج: اثنين فلسطينيين وواحد عربي. أولا: مصادرة السلطة الفلسطينية لرواية الكاتب عباد يحيى "جريمة في رام الله" والتحقيق البوليسي معه. ثانيًا: الضجّة الشعبيّة التي رافقت فيلم"بر بحر' للمخرجة ميسلون حمود. ثالثًا: ما حدث مع الأستاذة سامية محرز حين درّست رواية محمد شكري "الخبز الحافي" وما تبع ذلك من تمرّد شعبي كاد يفقدها وظيفتها في الجامعة الأمريكية في القاهرة. وفعل الرقابة كما تعلم بنوعيه الرسمي والشعبي هو محاولة لتكريس سلطة المركز وتهميش ما يستجدّ ويأتي برأي مخالف.

(*) الرواية تكاد تحتل المشهد الأدبي الفلسطيني... هل هذا ناجم عن إنجازات حقيقية اجترحتها هذه الرواية أو عن مجرّد صرعة عابرة؟
- لا. هذه ليست صرعة عابرة. في ظني وتقديري الرواية الفلسطينيّة ستتعاظم في امتدادها وعمقها مع السنوات القادمة. الرواية تعبير عن المتأني والمتراكم. والمسافة الزمنيّة التي تفصلنا عن النكبة كافية لاختمار التجربة الفلسطينيّة وتوفير رؤية عميقة. "بردت" النكبة وضعف أثرها الشعوري المباشر ولم يعد أدبنا استجابات فوريّة للمقام العامّ. وإذا استعنتُ بمنظومة عتيقة من المفاهيم أقول إنّ أدباءنا قد ابتعدوا عن "أدب المناسبة" بمعناه القديم الضيّق. وصاروا يلتفتون إلى ما نسمّيه الحالة العامّة. ونعني بالحالة العامّة الأثر الضخم الذي تتركه المناسبة. الاحتفاء بإفرازات المناسبة (والمناسبات الفلسطينية العامة هي جملة من الانتكاسات) وليس بالمناسبة نفسها يحتاج إلى جانرات متأنّية كالرواية. تتطوّر الرواية لأنها تنصت للنتائج والمحصّلات لا للحدث الدراميّ نفسه. إذا تحدّثنا بصفة حصريّة عن الأدب الفلسطيني في الداخل أقول لقد نُشر على امتداد واحد وعشرين عامًا بين عامي 1948 – 1969 عشرون رواية (قسم كبير منها قصص طويلة ونوفيلات) بمعدل رواية واحدة فقط كلّ عام. وعلى امتداد سبعة وعشرين عامًا بين 1970 – 1997 نشر ثلاث وسبعون رواية أي بمعدل روايتين ونصف تقريبًا كلّ عام. أما في الفترة الأخيرة وعلى امتداد عقدين من الزمان فقد نشر أكثر من ثمانين رواية على وجه التقريب أي بمعدل أربع روايات كلّ عام تقريبًا.  ولك أن تحسب الفرق بين الأرقام في كلّ مرحلة لترى القفزة الهائلة التي قفزتها الرواية الفلسطينية هنا. ما يعني في المحصّلة النهائية أنّ الرواية في المشهد الأدبي الفلسطيني العام ليست "مجرّد صرعة عابرة".


**محطات الرواية الفلسطينية


(*) هل بوسعك الإشارة إلى أبرز المحطات التي مرّت بها الرواية الفلسطينية، وما هي سمات المحطة الراهنة إذا كانت كذلك؟
- هي ثلاث. وقد كتبت عن هذا السؤال بالضبط مقالا مفصلا باللغة الإنجليزيّة سينشر في الوقت القريب في كتاب ضخم عن وضعية الرواية في العالم العربي يصدر عن منشورات جامعة أكسفورد من تحرير الأستاذ وائل حسن. ألخّص المقال بكلمات قليلة. كان الأدب الفلسطيني عموما قد أصيب بصدمة بعد النكبة وإقامة دولة إسرائيل استمرّت حتى النكسة عام 1967. المأساة أنّ أدبنا الفلسطيني عمومًا يتحرّك في كلّ مرّة بين حربين أو بين مأساتين. هذه هي المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية فتبدأ بعد نكسة 67 وتستمرّ إلى الانتفاضة وما أفرزته بالتالي من تحرّكات سلمية واتفاقيات أوسلو. والمرحلة الثالثة تبدأ من أواسط التسعينيات حتى اليوم وهي تختلف كثيرًا، كثيرًا جدًا عن المرحلتين السابقتين. عن سمات هذه المرحلة قد تحدّثنا في إجابة عن سؤال سابق.


(*) أما تزال للشعر مكانة في هذا المشهد؟


- نعم بالتأكيد. لكن ليس الشعر الذي اعتدناه في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. "ارحمونا من هذا الحبّ القاسي أو القاتل". قالها محمود درويش من قبل، قالها للعالم العربي وقالها لنا نحن الفلسطينيّين من باب المونولوج... محمود درويش كاد يغادر القاعة حين طلب إليه الحاضرون أن يلقي على مسامعهم قصيدته "إلى أمي". وكاد بذلك يعلن براءته التامّة من هذه القصيدة ومن النمط الشعريّ الذي كان سائدًا في مرحلة تاريخية قد انتهت. إلى هذا الحدّ! واليوم لدينا شعراء كبار بدون تسميات. لكنّ النوع الأدبي المهيمن هو الرواية.


**دور النقد


(*) كيف يستطيع النقد "ترشيد" المشهد وتوسعة الإشارة إلى آفاق جديدة؟


- يستطيع النقد أن يؤثّر في شكل العلاقات المتوتّرة باستمرار بين المركز والهامش. تمكن الإشارة إلى موجتين مركزيتين في نشاطنا النقدي الفلسطيني والعربي عموما: (1) الواقعية بشقّيها الاشتراكي والنقدي، (2) والبنيوية في مرحلة لاحقة خصوصا كردّ فعل على انتكاسة 67. والأمثلة كثيرة جدًا. في ظني لا يستطيع هذان التوجّهان احتواء الحالة الثقافية العربية. في الأول تكريس لسطوة التحتيّ وفي الثاني تكريس لسلطة الفوقيّ. في كليهما فصل حادّ ومؤلم بين شقّي العمل الأدبي (المضمون والشكل أو إن شئت المعنى والمبنى...). في كليهما تقطيع وتشويه لنشاط الكتابة الابداعية. لا يمكن أن نتحدث عن الأدب كما لو كان نشاطًا لغويًا وظيفيًا عاديًا أو في المقابل نشاطًا استعلائيًا مترفًا مقطوعًا عن السياقات المختلفة التي ينشأ فيها الأدب. أنا لا أعرف إلا توجهًا واحدًا يمكنه إعادة اللحمة أو التعالق الفطري بين أجزاء العمل الإبداعي، وهو السيميائية على العموم والسيميائية العضوية على الخصوص. ولي في هذا المجال دراسات وأبحاث كثيرة باللغة الإنجليزية.

(*) ما هي نظرتك العامة إلى المشهد الأدبي الفلسطيني في الداخل قياسًا بـ: 1- المشهد الأدبي الفلسطيني عمومًا؛ 2- المشهد الأدبي العربي؛ أساسًا من حيث المحتوى وأساليب الإبداع؟ هنا سأقتبس منك قولًا ذكرت فيه أخيرًا: "منذ عقود وأنا أتابع باستمرار ما ينشر عندنا من أدب، بقدر ما تسمح به الظروف الضاغطة. وبعض ما ينشر مشرّف، نباهي به غيرنا، وبعضه يحتاج إلى مزيد من الصقل والتهذيب". هل بوسعك أن تضع القارئ الخارج "عندنا" في تفاصيل ما تقصده..
- في كلّ حالة ثقافية هناك الغثّ وهناك السمين. عزيزي أنطوان مَن مثلك يعلم، وأنت تتابع بدقّة متناهية الحالة الثقافية الفلسطينية في الداخل منذ عقود، أنّ هذا الأدب قادر على استيعاب الثقافات الأخرى وقادر على مجاراتها بذكاء. لا مكان للشعور بالنقص عند الحديث عن الأدب الفلسطيني في الداخل لا قياسًا بالأدب الفلسطيني عمومًا ولا بالأدب العربي. الأزمة في الحالة الأدبية في الداخل هي في القراءة أكثر منها في الكتابة... عزيزي أنطون، الطريق إلى جهنّم مرصوف بالنوايا الحسنة. نشهد في الآونة الأخيرة مظاهر كثيرة من فائض الاحتفال والاحتفاء بالكتّاب رغم ضعف انتاجهم الأدبيّ. وكنت قد حذّرت من هذه الظاهرة. أقول بكلّ ثقة لا خوف على حركتنا الثقافية في الداخل ولم يعد هناك مكان لهذه المجاملات والطبطبات التي كانت ضرورية في فترات تاريخية سابقة.  


**الاستيراد وحده لا يؤسّس مشروعًا نهضويًا


(*) هل التراث يعني الجذور والأصول فقط؟


- لا أعرف ماذا تقصد بالسؤال بالضبط. لكن انتبه إلى أنك تسألني عن شيء واحد بمفهومين لا يكونان على انفصال بأيّ حال من الأحوال: التراث وهو مفهوم زمني تراكمي والجذور وهي مفهوم مكاني/جغرافي امتدادي.  سألجأ إلى المراوغة للإجابة على سؤالك. إذا كنت تقصد بالتراث البقاء في التاريخ الغابر والجغرافيا التي تبدّلت حدودها وتقطّعت فهذا مستحيل. وإذا كنت تقصد الإفادة من هذا التاريخ وجذوره الجغرافية العنكبوتية فهذا شيء وارد وضروري. أنا أرى التغيّرات الحضارية إضافات امتدادية تراكمية. لا شيء يمكنه أن يولد من لا شيء. حتى الحداثات المتعاقبة التي غرقنا في مقاربتها لا تقوم على محو أو شطب أو استبدال. بل هي صياغات جديدة وفعل تهذيب وتشذيب. إنّ عدد من أفادوا من استلهام التراث وجذوره في الأدب العربي الحديث لا يحصى في كلّ أشكال الأدب وأنماطه في الشعر والسرد والمسرح.  في التناصّات الشعرية التي لا تنتهي، والباروديات الساخرة، في اللغة والأنماط الكتابية وخصوصًا في مجالي الشعر والسرد. وأكبر دليل على امتدادية التراث والجذور وحضورهما في الذاكرة الجمعيّة المعاصرة هو اللجوء إليهما للقيام بوظيفة المُعادل حين يجد الكاتب حاضره بمعطياته المألوفة عاجزًا عن التعبير الدقيق عن عمق الأزمة الراهنة. وهكذا قد ترى بيننا اليوم خالد بن الوليد والشنفرى والأنبياء كلهم والآلهة والذين سبقونا بإبداع وخلق. 


(*) ألا تعتقد أنّ ثمة فجوة معرفية وثقافية بين الأجيال الجديدة وهذا التراث الذي تذكره، وكيف يمكن ردمها في حال وجودها؟


- صحيح لأسفي الشديد. ثمة عاملان لهذه الفجوة وهما متقاطعان كما ترى : (1) غياب المؤسّسة السياسية والثقافية وتقصيرها في تحضير التراث أي جعله جزءًا من الحاضر العامّ وليس من حاضر العرب وحدهم. لكن لا يمكننا أن نضع ثقل هذا التقصير على كاهل المؤسّسة الثقافية قبل أن نحمّل حكوماتنا وزر هذه الجريمة. (2) الانبهار الناتج عن أداء دور التابع على نحو ما توصّفه "دراسات التابع" في التوجّهات بعد الكولونيالية (Post-colonial). وهذا الانبهار هو وليد فراغ ضخم وهو مردود أصلا إلى العامل الأول. لأنّ هناك غيابًا واضحًا وفراغًا ملموسًا كان لا بدّ من اللجوء إلى الثقافات المستوردة لملء هذا الفراغ. وهكذا تتكرّس التبعيّة باستمرار.
إذا قلت لك يا عزيزي إنّ الأموال التي تصرف على مؤسّسات الرقابة وسلطاتها ومكاتبها وأجهزتها العنكبوتيّة في العالم العربي تكفي حتى يترجم موروثنا الحضاري والثقافي كله، وما أعظمه وما أضخمه، إلى كلّ لغات العالم، أكنت تصدّق ذلك؟!  كنت أرجو أن تقيم حكوماتنا مؤسّسات خاصة تعمل على ترجمة هذا التراث وتسهيل نقله إلى الأجيال القادمة وإلى العالم بأسره. الجهود الفرديّة لا تكفي. قبل أسبوع فقط كنت أحاضر أمام طلابي في الدراسات العليا في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا عن الفروق بين "المعنى" و"الدلالة" في الخطاب النقدي الغربي، وحين كنت أحيلهم إلى جهود العرب في ذلك كنت ترى البريق في عيون الطلاب فينفتح الجرح على مزيد من النزف! يحتاج حفظ التراث ونقله إلى جهود مؤسّساتيّة ضخمة. كلّ مشروع حداثي عربي يجب أن ينهض على الذات، على الموروث العربيّ الخاصّ. الاستيراد لا يمكنه أن يؤسّس مشروعًا نهضويًا يتوافق مع بنية المجتمعات العربيّة.  الإفادة من جهود الآخرين أمر في غاية الأهميّة واستيعاب الثقافات هو علامة من علامات الوعي. لأسفي الشديد لسنا في وضعيّة تأثير وإن كنا نتقن فن التأثّر. من يتابع بدقّة الأدب العربي الحديث يدرك هول الحالة الاستعمارية التي يعيشها العالم العربي. ثمة فرق بين الاستقلال والتحرّر من الاستعمار. بدأ العالم العربي يستقلّ عن المستعمر الأجنبي منذ أواسط الأربعينيات من القرن العشرين لكنّ هذا الاستقلال أفرز استعمارًا جديدًا (Neocolonialism) هو أقسى وأعنف وأمرّ.


 
**مخاطر الهروب من العامّ


(*) ما زال يتردّد في ذهني مقال جديد لك بعنوان "عيب علينا ما يحدث في نقدنا الأدبيّ"، وما افتتحت به: "أين أصحاب الشهادات العليا، أين حملة الماجستير والدكتوراه من أقسام اللغات والآداب وهم يتخرّجون بالمئات كلّ عام من كلّ الجامعات؟! أين هؤلاء وأين ما يدرسونه وما يمتلكونه من أدوات؟ كان أدبنا في العقود الثلاثة الأخيرة يشهد حركة نقديّة يقظة ونشطة رغم قلّة الأكاديميّين من حملة الماجستير والدكتوراه. واليوم رغم كثرتهم نشهد تراجعًا مقلقًا غير مبرّر! والأمر لا يخلو من مفارقة غريبة". أولًا، هل لك أن تفصّـل أكثر؟
- تحدّثنا عن التراجع عن الهمّ العامّ والنكوص إلى حدود الذات في الكتابة الأدبية. وهذا بالضبط ما يحدث في النشاط النقديّ، هروب من العام والانشغال بالذات. هذا ما قلته في المقالة التي تشير إليها. عندما أتحدّث عن حملة الشهادات العليا أقصد نظريًا امتلاك الأدوات. لكنها كما ترى لا تكفي في ذاتها إن لم يرافقها حسّ عام أو إنصات لنبض الكلّ. كأنّ الحالة النقدية الفلسطينية قد أرهقها التكرار. أرهقها الإنصات للصدى! هذا أولا. ثانيا: غياب حركة نقدية نشطة هو مؤشّر على أزمة القراءة. وليس لديّ تفسير مقنع لهذه الظاهرة الغريبة. وعندما أقارن حركة الاستهلاك الثقافي بصفة عامّة والأدبي بصفة خاصة في الثقافة العبرية الإسرائيليّة بما يحدث عندنا، نحن الفلسطينيين خصوصًا والعرب عمومًا، أصاب بإحباط شديد.  
 


(*) ثانيًا، هذه الحالة هل هي حصرية عندنا؟


- اسمع هذه القصّة وقارن بنفسك. لقد التقيت مرّة بالكاتب العبري المعروف أ. ب. يهوشواع في بنك الجامعة (جامعة حيفا حيث أعمل) وكان الرجل قد خرج للتقاعد المبكّر. ولمّا سألته عن علّة خروجه هذا قال مباهيًا: "لا أعرف من أين يدخل المال إلى حسابي في البنك! كلّ عمل أدبي أكتبه يُطبع عشرات الطبعات والترجمات". وهذه ليست حالة فلسطينية حصرية. إذا كان أ. ب. يهوشواع لا يعرف من أين يدخل المال إلى حسابه في البنك فإنّ نجيب محفوظ، بدون مقارنة طبعًا بين ما أنتجه محفوظ وما أنتجه يهوشواع، ظلّ يعمل في وظيفته حتى أنهكته! مأساة كبرى! 
 


(*) ثالثًا، هل تعتقد أن النقد مات وحلت مكانه قراءات لا تتجاوز "ترجمة" الأثر الأدبيّ...


- أبدأ من آخر الكلام وأقول باختصار نحن في حاجة ماسّة إلى تقعير الرؤية المحدّبة، أعني تبئير المجموع. عفوك، سأعود إلى التفصيل لاحقًا. لكن قبل ذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ثمّة أعمالًا نقدية تتفوّق على النصوص الأدبية. النقد الجيّد يعيد ترتيب النصّ وصياغته بصورة إبداعية جمالية. في تقديري لم يعد هناك مكان للرؤية الاستعراضية التوصيفيّة في النقد. النقد التوصيفي (Descriptive Criticism) هو ترجمة، مثلما تقول، غير موفقّة. النقد الحقيقي يعيد النصّ إلى الحياة وإن كان في حقيقة الأمر يتجاوزه بصفة أو بأخرى. والأمر كما ترى لا يخلو من مفارقة. النقد وإن تفوّق على نصّه وتجاوزه إلا أنه يقوم في المحصّلة النهائية بعمل إحالة بالضرورة لا بالمشيئة... كثير من الأعمال النقدية فلسطينيًا وعربيًا كانت أحادية الصوت والرؤية. ما يعني أن يكون الصوت النقدي منحازًا أو هو صدى لمؤلف النصّ أو للنصّ نفسه أو للقارئ أو للمجتمع أو للتاريخ... بهذا الانحياز تأثّر كبير بالتوجّهات النقدية الغربية التي تركّز على جزئية واحدة في مجمل الممارسة الأدبية. هذا بالضبط ما فعلته الواقعية الاشتراكية والشكلية الروسيّة وحركة النقد الجديد الأنجلو-أميريكية والبنيوية والتلقّي واستجابة القارئ. حتى التوجّه التقويضي البوست كولونيالي أساء إلى جدوى الممارسة الأدبية، رغم قدرته على بعثرة الأحادية أو التمركز. ما نحتاجه هو رؤية توفيقية تستمدّ مقولاتها العامة من المنجز اللغوي والبلاغي والنقدي الذي قدّمه العرب وما قدّموه كثير. العقلية العربية أثبتت قدرتها على الرؤية الشمولية حين زوّدتنا بموروث ضخم في كلّ المركّبات التي أشرت إليها على امتداد ثمانية قرون منذ سيبويه مرورًا بالجرجاني حتى القرن العاشر للهجرة. بعدها بدأت فترة الركود والنقل. الرؤية المحدّبة تفتّت الرؤية المجهرية المقعّرة، توزّعها وتعيد صياغتها من جديد. ما أقوله باختصار إنّ المركّبات العامة للممارسة الأدبية (كتابة وقراءة) تتأسّس على أربعة أركان مجتمعة: الكاتب في انتمائه الفردي والجمعي، النصّ في لغته وشيفراته الحضارية، القارئ/المتلقّي والسياق العام الذي يولد فيه النصّ والكاتب والقارئ. الجمع بين هذه العناصر الأربعة لا يكون إلا من خلال رؤية سيميائية محدّبة ترى في النصّ كيانًا علاماتيًا تجميعيًا يستمدّ جماليته من السياق العام ولا يستطيع القارئ تحديد العلامات وفكّها وإعادة تشكيلها إلا باحتكامه إلى السياق. وجمعها في خطاب نقدي واحد وشامل يقعّر الرؤية ويمكّن المتلقّي من التحديق الدقيق والعميق في أبعاد النصّ. أيّ تمركز في مركّب واحد من هذه المركّبات سيظلّ ناقصًا وبالتالي عاجزًا عن الإحاطة بالمعنى "الكليّ الكامل". هذا ما فعلته في قراءتي للآية القرآنية المعروفة من باب الاختصار بآية "واسأل القرية" التي وردت في سورة يوسف. وعن هذا كتبت الكثير من أبحاثي باللغة الإنجليزية.       
العقلية العربية المتراكمة هي بصفة أساسية عقلية تجميعية، ولا أقول جمعية، نحن لا نفكّر بصوت واحد وهذا توجّه جمعي مع أننا تجميعيون. أعني بالرؤية التجميعية هذه القائمة على فلسفة المشاركة في الاجتماع والاقتصاد والفكر والدين. العقلية التجميعية اقتصاديًا هي إنتاجية زراعية لا-تنافسية تقوم على تجميع القوى والجهود. تظهر التجميعيّة اجتماعيًا في الأنظمة الأسرية والقبلية. وفي السياسة والدين رسخت فكرة الشورى (بعكس ما نراه يحصل اليوم) والنظر إلى الأمة كبنيان يرصّ بعضه بعضًا. هذه العقلية الاشتراكيّة الفطرية لا يلائمها إلا خطاب نقدي شمولي تجميعيّ.


• نشرت هذا الحوار في موقع "ضفّة ثالثة" في 8/4/2017.



13/05/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع