من عودة على طريق العودة، الحلقة الثالثة عشرة:
الجذور


يوسف عراقي


جواز سفر فلسطيني يحمل صورة الوالد


**عرب الرمل

قرية "عرب الرمل" والتي كانت تابعة لحيفا في ذلك الحين، وهي منطقة خصبة وغنية بالمياه الى الشمال من كريات موتسكن على طريق بيروت - حيفا وكانت العائلة قد حصلت على حكم مبدئي بملكية الارض وكان للمجلس الاسلامي الأعلى حصة في تلك الارض. وكان قد أقيم على جزء من ارضنا معسكر للجيش البريطاني كان قد استأجرها من العائلة في ذلك الحين؛ وسأتحدث في مناسبة لاحقة عن أصول العائلة التي مارست الزراعة وتربية المواشي في تلك المنطقة لعقود طويلة، ولا زلت اذكر تلك القصة التي كنت اسمعها من الوالد عن "موسى شير" وهو ذلك السمسار اليهودي الخبيث "مندوب الوكالة اليهودية" والذي كان حاول مرارًا اغراء الأهل بمبالغ كبيرة لبيع الارض وكان يُرَد على أعقابه الى ان هدد وطرد في احد المرات شر طردة ولم يعد الكرة مرةً اخرى.



لقد حاولت الغربة المزمنة دائمًا العمل على تشظي فكرة المكان وتحاول جاهدة القضاء على ذاكرة المكان . الأماكن أصبحت كمحطات القطار ننزل فيها لفترة ونصعد ثانية في قطار آخر الى جهة اخرى، حاولت استحضار الزمن،لاستحضار المكان، ولكنني لم أكن بعد في دائرة الوعي رُسمت صورة المكان في ذاكرتي من حكايا الوالد والوالدة والاخ الاكبر الذي كان آنذاك في دائرة الوعي،كان في الثانية عشرة من عمره . كان هناك شوق مزمن ودفين لرؤية المكان الذي ولدت فيه،. اليوم سأكون في زيارة لآخر من تبقى من "عائلة عراقي" على ارض الوطن، معظم العائلة هاجرت الى لبنان بعد سقوط حيفا، لقد كانت خالتي مع اولادها الوحيدة من العائلة التي بقيت على ارض الوطن، وأبعدت من عرب الرمل -التي كانت تابعة لحيفا في ذلك الوقت- الى حيث هم الآن في طمرة وخلة شريف. اليوم زرت الحاج "عوض" ابن خالتي و كان لقاءً مع عائلته بأبنائه وأحفاده، شعرت وقتها انه مهما بعدنا عن الوطن ما زالت الجذور حيّة . بعد جلسة تبادلنا فيها الأحاديث والذكريات الوجدانية، كانوا يمنحوني كل ما عندهم من الخصال الطيبة التي ترافقهم كل هذه السنين الطويلة وفوجئت بالحاج "عوض" يقدم لي نسخة قديمة من "ملحق الاتحاد الثقافي" كان احتفظ بها طوال هذه الأعوام، والذي يعود الى عام 2001 وذلك عندما نُشِرت يوميات طبيب في تل الزعتر "بمناسبة الذكرى ال 25 لمجزرة تل الزعتر.
رافقني د. طلال والشاب صالح حفيد خالتي الى ذلك المكان حيث كانت قرية "عرب الرمل" والتي كانت تابعة لحيفا في ذلك الحين، وهي منطقة خصبة وغنية بالمياه الى الشمال من كريات موتسكن على طريق بيروت - حيفا وكانت العائلة قد حصلت على حكم مبدئي بملكية الارض وكان للمجلس الاسلامي الأعلى حصة في تلك الارض. وكان قد أقيم على جزء من ارضنا معسكر للجيش البريطاني كان قد استأجرها من العائلة في ذلك الحين؛ وسأتحدث في مناسبة لاحقة عن أصول العائلة التي مارست الزراعة وتربية المواشي في تلك المنطقة لعقود طويلة، ولا زلت اذكر تلك القصة التي كنت اسمعها من الوالد عن "موسى شير" وهو ذلك السمسار اليهودي الخبيث "مندوب الوكالة اليهودية" والذي كان حاول مرارًا اغراء الأهل بمبالغ كبيرة لبيع الارض وكان يُرَد على أعقابه الى ان هدد وطرد في احد المرات شر طردة ولم يعد الكرة مرةً اخرى.
لم يدر بخلدي ابدًا لماذا هذه العلاقة الوجدانية مع شجرة الكينا الا حينما وقفت هناك على تلك الارض المزدحمة بأشجار الكينا التي تقف شامخة متراصة الصفوف بأغصانها الباسقة لا ترغب مخاطبة الموجودين و كأنها تنتظر ابناءها الغائبين،الذين طال انتظارهم،وهم المشتتون في المنافي البعيدة في كل اصقاع الارض. بدأت علاقتي بشجرة الكينا منذ الطفولة وكان لها مكانة خاصة في وجداني ، أينما شاهدتها كنت اقترب منها والامسها فهي بعد شجرة التين اول ما وقعت عليها عيناي، كانت علاقة غير عادية، تأخذ طابعًا رومنسيًا... تلك الشجرة التي كانت تقف وحيدة على مرمى حجر من بيتنا في بيروت، كانت دائمة الخضرة بأوراقها الأنيقة التي ترسل حفيفًا له إيقاع الموسيقى عند هبوب النسيم ، اما جذعها العريض الأملس فكان كحضن يتسع لكل همسات الشباب والصبايا وعلى جذعها العريض اسماء محفورة ورسائل حب قصيرة وحكايا مشفرة ورموز تعبّرُ عن مشاعر وأحاسيس كل من مَرُّوا من هنا، وعلى مسافة ليست ببعيدة كان هناك صف منتظم من أشجار البتولا - ذات الجذوع الرشيقة البيضاء - في بستان جارنا الأرمني العجوز "سركيس" قيل انه احضرها "شتلات "من ارمينيا لعله يستعيد ذكريات شبابه عند رؤيتها.
والكينا كالبتولا تعشق التربة الغنية بالمياه. واذا كان موطن البتولا شمال الكرة الارضيّة . فشجرة الكينا أتت من استراليا ومنها ما يفوق الستمائة نوع، فوائدها كثيرة تنقي الهواء ومن اوراقها ولحائها تُصنع الكثير من الأدوية . هنا عرفت ُ سر تعلقي بشجرة الكينا، لقد رأيت النور الاول هنا، وكان اول هواء يدخل رئتيي هواء مشبعا بشذاها، تجولنا في المنطقة التي تغيرت معالمها كما عرفت من مرافقيَّ ، وهي الآن منطقة عسكرية لا يسمح بالتصوير هنا . وفي لحظة وجدانية مليئة بالحنين و قبل مغادرتي هذه البقعة الغالية وكانت مشاعري قد تجاوزت حدودها هذا اليوم ، وجدت نفسي انحني والتقط حفنات من تراب الارض، واقتطفت بعضًا من الطيون الأصفر لترافقني في رحله التيه المستمرة وتعطيني بعضًا من الصمود في وجه الغربة والتي اُمنّي النفس ان لا تطول اكثر، وانا الذي اجد نفسي دائمًا على لائحة الانتظار.
عدنا مرة اخرى الى طمرة لألتقي بالجزء الآخر من العائلة، وهنا ايضا ثلاثة اجيال ، سعدت باللقاء مرة اخرى بعائلة الدكتور طلال وزوجته خولة ابنة "ميعار" واولادهم حسين وياسمين، وبطالب وزوجته غدير. سمعت كلامًا عن وطن يشكل لهم حالة عشق، ويرسمون مستقبل الوطن بألوان التفاؤل وريشة الإصرار؛ وطن يتسع للجميع تسوده الحرية والكرامة والعزة مرةً اخرى عزيمة الشباب وقوة الإرادة تمدني بالامل وان الغربة لن تطول. شعرت انهم يقرعون باب المستقبل بقوة وكأن المستقبل في الغد. لقد استأسدوا وشوهوا المعالم وسرقوا لون الحنطة وابتدعوا للأرض اسماء لا تشبهها والأرض لا تصغي الا لمن يناديها باسمها الحقيقي ولا تحب لغة الغالب والمغلوب.
في المساء كان لقاء في بيت الضيافة "الحكيم" في مدينة الناصرة مع مجموعة من المثقفين والناشطين في مدينة الناصرة اعدت له ونظمته العزيزة "مها سليمان" تلك السيدة المليئة بالحيوية والتي تدير "دارة المها للطباعة والنشر"، وهي التي تشتعل حماسًا لعروبتها والعاشقة الولهانة للغة العربية ومن حرّاسها الميامين، والحريصة على الاستعمال الصحيح للغتنا العربية بشكليها المحكي والفصيح، لان ذلك كما تقول يزيدنا ارتباطًا بعروبتنا وهويتنا و لان اللغة هي الجامع الأساسي لشعبنا العربي الفلسطيني في الداخل وهي الحاضنة الاساسية لذاكرتنا الجماعية. كان لقاء حيويًا تحدثت فيه بناء على طلبهم عن مخيم تل الزعتر والحصار وكان نقاشًا حيويًا استمر الى منتصف الليل اهدتني نسخة لكتاب "واذا الموءودة سئُلت" لمؤلفه "الياس عطاالله" الباحث في علوم اللسانيات. كتابٌ غنيٌ بمضمونه حول اللغة العربية.
عدنا الى حيفا ليلًا في ساعة متاخرة، كان عزيز يقود السيارة، وكنت أودّ ان نصل بأسرع مما نحن عليه،كنت بحاجة للراحة اُمنّي النفس بنوم هادئ. تمددت على السرير تارة يداي على الوسادة خلف رأسي وطورًا اتقلب ذات اليمين وذات الشمال ولكن التعب كان قد هرب مني وغادرت نعمة النوم جفوني، لقد سيطرت تفاصيل ذلك اليوم المفعمة بالأحاسيس والمشاعر على افكاري، بت ابحث عن أشيائي الاولى التي تركتها في طفولتي البعيدة، في ذلك اليوم لم اجد الا شجرة الكينا تلقي بظلالها على ملاعب الذكرى وأيام الطفولة، اعصر أفكاري احاول ان ابحث عن طفولتي قبل بداية الوعي الاولى وأحاول ان اقنع نفسي ولكني لم افلح بالعثور على اي اثر على هذا الشاطئ برماله البيضاء وبين ازهار الطيون الصفراء وتحت ظلال اشجار الكينا الباسقة واغصانها تتراقص مع وقع نسيم البحر .
بين بيروت وحيفا مسافة عمرٍ بحاله، سنوات كثيرة قضيتها متنقلا بين المدن ابدّلها كما نبدل ملابسنا . ومبحرٌ في بحر الغربة المتلاطم، تكاد اشرعتي تتمزق من كثرة المعاناة ومرارة الغربة، انتظر هبوب ريح تدفع بشراعي الى بر الأمان . وهأنذا اليوم في عودة مؤقتة على أمل العودة الكبرى.
شجرة الكينا... وفرقة الأناشيد التي كانت تصدح - في صباح كل يوم في مدرسة "نهر المقطع"- في الطابور الصباحي كنا أطفالا لم نبلغ الحلم ، ننشد أنشودة احببنا كلماتها وحفظناها عن ظهر قلب ولكن لم نكن في تلك الأيام لندرك ما خلف تلك الكلمات من معنى، وكبرنا وبدأنا شيئًا فشيئًا ندخل دائرة الوعي والإدراك نفكر في معانيها ونقلبها وأصبحت جزءًا مهمًا من وعينا الوطني، وربما هذا الذي فكر بها و اختارها لنا الاستاذ "الياس" مسؤول فرقة الأناشيد. وعرفنا فيما بعد اننا كنا نلقي التحية والسلام كل صباح على هذه الارض الطيبة لعلها تسمعنا. تلك كانت الأنشودة التي لا أعرف مؤلفها ولكني اعشق كلماتها لما تعنيه من حب الوطن:
عليك مني السلام يا ارض اجدادي
 فيك طاب المقام وطاب إنشادي
عشقت فيك السمر وبهجة النادي
 عشقت ضوء القمروالكوكب الهادي
والليل لما اعتكر والنهر والوادي
 والفجر لما انتشر في ارض اجدادي

والى اللقاء في الحلقة القادمة بين فنانة مبدعة وترشيحا.

13/05/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع