حوار النّصوص في شعر أحمد دحبور


د.جهينة خطيب


** عمق المأساة
قد تبدو لنا المفارقة في حكاية ميدوس وميداس، فميدوس حلّت عليها لعنة الآلهة لإغضابها لها، فيتحول كل من يراها إلى حجر، وهذه لعنة تحتم عليها تجنب البشر إلا أن يتم قتلها وقطع رأسها, فنهايتها مأساوية، كذلك ميداس، وتمتعه في نعمة هي نقمة في أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب لتنتهي حياته بشكل مأساوي حين يحرم من الماء والطعام فليس باستطاعته تناول الذهب عوضا عن الماء والطعام. وظّف الشاعر هاتين الشخصيتين ونهايتهما المأساوية في قصيدة ليوضح عمق المأساة فهو الفلسطيني المهجر عن أرضه.


* الملخّص
لقد أوجدت ظاهرة تداخل النصوص الأدبيّة وتفاعلها فيما بينها جدلا كبيرا زخرت به الساحة النقدية، وهذا يرجع لأنها تحمل ايحاءات وتأويلات عدّة، فاللغة إرث إنساني مشترك، ومن هذا المنطلق فإن الشاعر عند نظمه للقصيدة لا يستطيع أن يتنصّل من موروثه الثقافي في نسجه لشعره.
ويشكّل الموروث الأدبي دافعا قويا للأدباء الفلسطينيين في ترسيخ الجذور والهويّة، ولهذا اهتّم الأديب الفلسطيني بالتراث سواء كان دينيا، أدبيا، تاريخيا، شعبيا وأسطوريا وقام بتوظيفه في شعره. سيتناول البحث تجربة احمد دحبور الشعرية وحواره المتناغم مع النصوص، فهو يتعامل مع نصوص مختلفة بحرفية إبداعية متناهية فتنفتح النصوص على بعضها في نصّه الشعري. وسيرصد البحث حوار النصوص لدى أحمد دحبور من خلال عدّة محاور :
المحور الأوّل : الموروث الأدبي – التناص الأدبي
المحور الثاني: الموروث الديني- التناص الديني
المحور الثالث : التناص مع التراث الشعبي
المحور الرابع :التناص التاريخي
المحور الخامس: التّناص الأسطوري
تحاول هذه القراءة تجسير هاجس العلاقة بين النص الشعري والنصوص الأدبيّة الأخرى، فنجد أنّ قصائد أحمد دحبور تنسج علائق متشابكة مع هذه النصوص فتبقى قصائده مفتوحة الدلالة على إمكانية التفسير والتأويل بما تحمل من ايحاءات عميقة المعنى.
يتعلق مفهوم التناص بمدى التفاعل بين القارئ والنص، فلكي يتحاور المتلقي مع نص دخيل على النص الأصلي عليه أن يتحلى بخلفية ثقافية تؤهله لاكتشاف التناص . وقد تعددت مفاهيم التناص عند النقاد الغربيين واختلفت ما بين كريستيفيا وجيرار جينيت، ولكن المفهوم العام له " هو مفهوم التقاطع بين النصوص المختلفة، من أجل خلق نص جديد ذي أبعاد دلالية وتعبيرية مختلفة كل الاختلاف عن مجموعة الأجزاء أو الوحدات المتتابعة، وكل محاولة لتفكيكه من أجل إرجاع العناصر التناصية فيه إلى أصولها، تعتبر تدميرا تاما بالمرة لأنه كيان نصي جديد ناتج عن الصفة التناصية الإبداعية"  .
ومصطلح التناص هو مفهوم قديم" أشار إليه بعض النّقاد العرب، أسموه " التضمين" وفصّل هؤلاء النقاد في أشكاله وألوانه بشكل يؤكد على تنبه التراث النقدي والبلاغي لمثل هذه الظاهرة مصطلحا ومفهوما، فقد عرّفه ابن الأثير قائلا" وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره قصدا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود" 
إنّ جدلية التناص لن تنتهي، ولكنها تشكل مغامرة لدى المتلقي في محاولة كشفه لها وتأويلها، وجاء اهتمامي بالشاعر أحمد دحبور، وتناغمه الرائع مع قصائده وحوار النصوص في شعره، فتكاد تكون معظم قصائده معطّرة بنصوص أخرى يمازجها مع نصّه بسلاسة وإبداع .وتومئ إلى خلفيته الثقافية المتنوعة فهو حاور نصوصا مختلفة، دينية، تاريخية، شعرية، تراثية وأسطورية.
عانى شاعرنا أحمد دحبور في غربته بعيدا عن الوطن وفي مخيمات اللاجئين " لقد كان للغربة القسرية أثر كبير على اللغة الشعرية التي تناولها الشاعر في قصائده، فلم تخلُ قصيدة من قصائد الشاعر إلا ويذكر اللاجئين وما آل اليه حالهم في بلاد الشتات والضياع" .
تتنوّع الفضاءات الدلالية لدى الشاعر أحمد دحبور، ويحتلّ التناص التاريخي جزءا كبيرا منها .وهذا ليس بالشيء الغريب فاستحضار شخصيات تاريخية كان لها دور كبير في نصرة العرب وتوظيفها في مفارقة مؤلمة فأين هذه الشخصية اليوم، وهو يستحضر شخصية صلاح الدين الأيوبي ونصره في حطين، فنراه يقول :
انا الرجل الفلسطيني
اقول لكم: راْيت النوق في واد الغضا تذبح
رأيت الفارس العربي يساْل كسرة خبز من حطين ولا ينجح
فكيف بربكم أصفح؟
 فهنا يأتي استحضاره لحطين مغايرا لطبيعة معركة حطين وانتصار صلاح الدين على الصليبيين وفتحه للقدس وإعادتها للعرب.بينما الفارس العربي الذي يذكره احمد دحبور يطلب كسرة خبز من حطّين كناية على طلبه النصر إلا أنه لا ينجح فكرامة العرب ضائعة، وفي هذا التناص لوم كبير وحسرة يشعر بهما الشاعر فالكل شاهد على ضياع فلسطين ولا ينطق ببنت شفة .وفي قصيدة أخرى نراه يعلن:
" فقد نام صلاحُ الدّين في صفحة التّاريخ ويرجونا احتمال الليل في صُحبة صاروخ ولا يسمعنا
ويستدعي الشاعر يوم ذي قار وهو يوم من أيام الجاهلية انتصر فيه العرب على الفرس، ووظّفه بانزياح دلالي عن فكرة النصر، ليعبر عن خيبته، فها قد تخلخل المسمار من مكانه، والمسمار إحالة إلى مسمار جحا والتعلق بأوهام بالية كما فعل اليهود عند احتلالهم الأرض، والنهار انتقل من مكانه المشع عاد لخذلانه وخيبته وانكساره .
" تخلخل المسمار في الجدار
وانتقل النهار من مكانه
عاد على حصانه الشَّموسِ من ذي قار"
كما نرى الشاعر يستحضر شخصيات تاريخية ديكتاتورية أمثال الطاغية نيرون امبراطور الامبراطورية الرومانيّة، الذي أحرق روما رغبة منه في إعادة بنائها فتسبب في الدمار والهلاك لشعبها، فيربط الشاعر دمار فلسطين وما حلّ بها ليؤكد نهاية نيرون الذي انتحر وبقيت روما، وهذا دلالة على انتصار الحق ولو بعد حين وبقاء فلسطين، ويستدعي دكتاتورين آخرين، هتلر وهولاكو وفي النهاية لا ظلم يبقى . فهؤلاء ثلاثة ورابعهم هو المحتل الذي طغى وتجبّر لكن نهايته حتما وشيكة.
"من أيِّ جُحْرٍ طُغاةُ الكوكبِ انفلتوا؟
نيرونُ صَرَّفَ روما مرّتين، فبعدَ حَرْقِها ألَّفَ اللحن الرديءَ، ولم يكفَّ حتى أطاعته على الطّرب.
وصدَّقَ اللحنَ هولاكو، فأحرقَ ما يكفي ليُغرقَ نهرًا بالمداد، ومن رمادِ مكتبةِ الدنيا أتت لغةُ الجرادِ تشكرُ حُمْقَ الجاهل العصبيّ
حتى إذا أنضجَ الشُّكْرُ الجُنونَ وجاءَ هِتلرُ، استخرجَ الصّابونَ من جثثِ القتلى ولم تكفه أرضٌ، فضمَّ إلى مجاله الحيويِّ البحرَ فامتزج الدمارُ، وانفجرت طاحونة الغضبِ" 
أمّا أنا فرأتْ عيناي طاغيةً
           جارى الثلاثةَ حتى أنّهم بهتوا
فقد أتى كُلَّ ما يكفي ليكتبَ: في أيّامه شعراء خمسة سكتوا .


**2- التّناص التراثي


ما انفك الفولكلور الفلسطيني وأدبنا الشعبي مصدر إلهام لكثير من الشعراء، فالأمثال الشعبية الفلسطينية والحكايات ما زالت تنكأ جراح هذا الشعب، واستحضارها هو استحضار لحنين الشاعر للوطن المسلوب وهو في أرض الشتات، يشتم رائحة الوطن وعبقه من خلال استدعائه للتراث الفلسطيني وتوظيفه في شعره.
فها هو يستحضر الحكاية الشعبية جبينة في حديثه عن عودته إلى حيفا والناصرة في قصيدته وردة للناصرة : فقد ذكر في مقدمة ديوانه "كسور عشرية، كيف أنه عرف فلسطين من عيون والدته وحكاياتها عنها، فقد غادر فلسطين وهو بعمر العامين: " ..وكانت أمّي تتعهد بقاء حيفا في قلبي وقلوب إخوتي وأخواتي، فجعلت كل شيء جميل في الدنيا يشبه حيفا"  , وعندما زارها بعد سنوات وجد أن حيفا لم تعد حيفا ولا الناصرة عادت الناصرة، أمور كثيرة تغيرت بدافع الاحتلال، ومن هنا وظّف الشاعر القصة الشعبية جبينة لما تمثله من علاقته بأمه ومحاولتها الحفاظ على انتمائه لفلسطين الحلم، وغرسها لأمنيتها في العودة في قلب ولدها، وهذا الحنين يتضمن حكايات شعبية سمعها من والدته عن جبينة والطير الأخضر ونص نصيص، وحلمه الذي كبر معه عن بلاده الرائعة عن يافا وحيفا والناصرة . وجبينة في حكايتها كانت تقول أهازيجها الحزينة نظرا للعنة الجمال التي كانت تتحلى بها وغيرة الفتيات فتركنها لمصيرها المجهول ولتحمي نفسها من أطماع البشر قامت بتغيير لون بشرتها إلى سوداء فعوملت على أنها راعية فكانت تغني كل يوم بصوت حزين":
 يا طيور طايرة يا وحوش سايرة
سلمن عأمي وأبوي وقولولهن جبينة راعية
ترعى غنم ترعى نوق وتقيل تحت الدالية
وها هو شاعرنا يستدعي هذه الحكاية ليعبر عن حزنه وخيبته لأن حيفا التي في خاطره لم تعد حيفا.
" يا طيورًا طائرة
يا وحوشًا سائرة
بلّغي دمعة أمّي
أنّ حيفا لم تزل حيفا
وأنّي أسألُ العابرَ عنها في ربوع النّاصرة "
ونرى شاعرنا يوظّف في قصائده أغاني شعبية تراثية كان يسمعها في طفولته وحكايات والدته له فيغنيها مع أترابه ويستنشق عبق فلسطين من خلالها :
" في الحارة الأولاد والبنات
مخيّمٌ أزرقُ مزوّق
خيطان بالألوان
وأراجيح لغيرنا
وأغنية من صدأ مسمار مثلَّم:
شحاد حامل ورده     عامل حالو أفندي
الشّحاد بن الشّحاد     ما بدّي ييجي لعندي"
فنراه يحدد أنها أغنية من صدأ مسمار، من بلاد بعيدة، فهؤلاء الأطفال بمعظمهم لا يتذكرون فلسطين إلا من خلال مشاهد تصويرية من أحاديث الأهل وأغانيهم وتراثهم، فهذا المخيم وغناء الأطفال يقول لنا إنهم حتما عائدون ولو بعد حين فكل شيء في الشتات فلسطيني فقد حملوها في قلوبهم.
ويعود مرة أخرى في نفس الديوان" كسور عشرية" لاستدعاء أغنية فولكلورية خاصة بالمطر . لقد عانى أحمد دحبور في المخيم . و" في فضاء المخيم تشكّل وعي الشاعر، وبدأ نسج تجربته الشعريّة يتلوّن بمشاهدته اليوميّة، وبحكايات الأهل عن العودة للوطن وبأحداث مفصليّة بقيت وشما في ذاكرة الشاعر فرسمها شعرا بعد عشرات السنين"  .
ويوظّف الشاعر الأغنية الشعبية ليبث روح الأمل والتفاؤل بعودة فلسطين وانتصارنا على العدو.
والأغنية تقول" شتّي وزيدي  بيتنا حديدي
شتّي يا دنيا عالطين
الله يرحم فلسطين

ويوظفها في قصيدته فيقول
"يا دنيا زيدي زيدي
فالبيت حديدي
غطي بالأمطار الطينا
فليحمِ الربُّ فلسطينا
وبإيدينا
نبني السطح القرميدي"
ويستدعي الشاعر في قصيدته" خروف العيد" قصة شعبية وهي الطائر الأخضر ويدمجها بسلاسة وإبداع مع القصة الدينية وأضحية خروف العيد وابراهيم عليه السلام. فهو مزج بين التناص الديني والتناص التراثي الشعبي.
" يا أولاد ابراهيمَ
من منكم فداه خروف معجزة السماء؟
فإنني أفدي الخروف الآن
يذبحني أبي
وأمي ليس يعجبها فدائي
من سيجمع لي عظامي، في الرخامِ لنستعيد الطائر الأخضر؟ "
والطائر الأخضر هي حكاية شعبية لأب ماتت زوجته فتزوج من امرأة قاسية القلب شرهة، وفي أحد الأيام يأتي لهذا الرجل ضيوف فيذبح خروفا ويطلب من زوجته أن تجهز الطعام ولكن لشراهتها تأكل الطعام كله فكيف تنقذ نفسها من هذه المحنة، تقوم بذبح ابن زوجها أمام ناظري أخته التي لا تحتمل المشهد وتجمع عظام أخيها بعد أكلها من قبل الأب وضيوفه وتدفنها، وبعد أيام يأتي أخوها في هيئة طائر أخضر فينتقم من زوجة أبيه ويكافئ اخته ويعود بشرا كما كان.فالطائر الأخضر كان ضحية في الحكاية وقد وظّفه الشاعر في القصيدة بانزياح دلالي عن قصة الأضحية فكان الولد وهو الطائر هو التضحية عن الخروف وليس العكس، ويرمز هنا إلى ضياع فلسطين وكونها ضحية بين خلافات العرب وتخاذلهم، فالأب أكل من لحم ابنه في الحكاية وهو ما يرمز له الشاعر في الإشارة إلى العرب الذين حصلوا على طعامهم ثمن بيعهم لفلسطين .
ويستدعي الشاعر مثلا شعبيا : الكف لا تلاطم المخرز، أمّا المخرز فهو أداة حادة تستخدم للوخز ويضرب المثل للتعبير عن عجز الضعيف في مواجهة القوي ويوظّفه بانزياح دلالي مغاير للمثل وتناص تحويري، يعبر فيه عن قوة أطفال فلسطين فهم الجيل الذي سيحقق عودتها، ولهذا فالكف ستلاطم المخرز هذه المرّة فيقول:
صغارٌ عظمهم هش بدون كساء
أيتحملون برد الليل ؟؟ هل نصر بهم يحرز ؟؟
أجل ونهارنا العربي مفتوح على الدنيا على الشرفاء
أجل ... ويضيء هذا النصر في الطرقات والأحياء
لأن الكف سوف تلاطم المخرز
ولن تعجز"


**3- التناص الديني


يستدعي الشاعر الأنبياء وقصصهم بهدف التعبير عن الخيبة فأين أنبياء العرب ونحن الآن، فهو يعلن خيبته من العرب الآن فشتان بين ما كنا وما أصبحنا عليه، فتوظيفه واستحضاره للأنبياء جاء ليوضح هول هذه المقارنة والمفارقة
" إنما ما حاجتي بالذّهب
وأنا أعجز من أن يصير
عربُ اللحظة مثلَ العرب؟
لست ربا.. بل أضعت الجليل
لست ابراهيم .. أين الخليل
لست اسماعيل إن قيل : زمزم
لست موسى، بل دماء القتيل
لستُ أُحيي لأكونَ ابنَ مريم
لستُ إلا حجرًا غيرَ ملومٍ ولم تنأَ الحوادث عنّي"
فيأتي الشاعر بهذه الجمل المنفيّة ليؤكد أن العرب الآن فقدوا كثيرا من هيبتهم السابقة.
ويعبّر عن انزياح دلالي حين يتخذ من القصة الدينية المعروفة مع النبي ابراهيم والأضحية لتنقلب الآية فيكون الضحية هو الانسان عوضا عن الخروف، وقد وظّف هذا الانزياح رمزيا ليقول إن فلسطين وقعت ضحية لضياعها من قبل العرب.
" يا أولاد ابراهيم:
من منكم فداه خروف معجزة السماء
فإنني أفدي الخروف الآن
يذبحني أبي
وأمي ليس يعجبها فدائي



**4- التناص الأدبي


لكل شاعر موروثه الأدبي وخلفيته الثقافية التي لا يستطيع التنصّل منها، و" يمثّل التراث الأدبي مرجعية معرفية ومادة دينامية حيّة، فهو جزء لا يتجزأ من التراث التاريخي لأي أمّة، ساهم في التكوين الشعري للشاعر المعاصر" . وقد وجد الشاعر أحمد دحبور ضالته في الموروث القديم معبرا عن إصرار الرجل الفلسطيني على استعادة بلاده مهما حصل، فنراه يستدعي بيتا شعريا للشاعر عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا    فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويقول شاعرنا:
" أنا الرجل الفلسطيني
أقول لكم: رأيت النوق في وادي الغضا تذبح
رأيت الفارس العربي يسأل كسرة من خبز حطين
فكيف بربكم أصفح؟
...
ألا لا يجهلن أحد علينا
بعد أن الكف لن تعجز"
فهنا جاء توظيف الشاعر ليوضح إصرار الفلسطيني على المتابعة والعودة إلى فلسطين رغم كل الخذلان المحيط به.
وفي سياق آخر نرى الشاعر يستحضر مقولة طارق بن زياد الشهيرة عند فتح الأندلس في خطبته لجيشه وحثه على القتال قبل دخولهم الأندلس " البحر من أمامكم والعدو وراءكم "  فيقول:
" البحر من ورائكم
ماذا وراء البحر
خليفة يسلبنا القوت وعار النصر
البحر من ورائكم
نحن نريد البحر" .
فهنا يستدعي مقولة طارق بن زياد ويأخذ المفهوم ذاته من حث على الصمود والمقاومة.
ويغوص بنا في عالم قيس وجنونه بليلى حين يقول:
أيها الميدان كن وقتي وبيتي
أيها الميدان ليلى في خطر
أنا لا أزال على سفر
ورأيت ألف من ادّعاكا
الساعة اقتربت، وهم شقّوا القمر
لكنّ ليلى لا تقرُّ لهم بذاكا"
وهذا يذكرنا بقول قيس
" وكلٌّ يدَّعي وصلا بليلى
وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا"
وهنا يأتي استحضاره لقيس وليلى انزياحا رمزيا فقيس وليلى اللذان يمثلان العشق العذري والحب الذي ينتهي بموت قيس شغفا وحبا، ليرمز الشاعر بليلى فلسطين الجريحة المحبة التي تنتظر من فارسها قيس أن ينقذها، إلا أنّ محبي ليلى كثر أو من يدّعون حبها، فيغرقون بالخلافات والانقسامات والخيانة وينسون ليلى.



**5- التّناص الأسطوري


وهو "استلهام الشاعر بعض الأساطير القديمة، وتوظيفها في سياق قصيدته لتعميق رؤية معاصرة، ويستلزم هذا الاستلهام إدراك حيثيات التقنية التعبيريّة العالية لصناعة الأسطورة"
في قصيدة " حجر ذهبي للستينات" يستدعي الشاعر الميثولوجيا الإغريقية،وكما يفسرها في مقدمة القصيدة: " ميدوس هولة ذات شعر من الأفاعي تحوّل من يرى وجهها إلى حجر، وفي تلك الميثولوجيا أن ميداس ملك معذّب يتحول كل ما تمسه يداه إلى ذهب" .
قد تبدو لنا المفارقة في حكاية ميدوس وميداس، فميدوس حلّت عليها لعنة الآلهة لإغضابها لها، فيتحول كل من يراها إلى حجر،وهذه لعنة تحتم عليها تجنب البشر إلا أن يتم قتلها وقطع رأسها, فنهايتها مأساوية، كذلك ميداس، وتمتعه في نعمة هي نقمة في أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب لتنتهي حياته بشكل مأساوي حين يحرم من الماء والطعام فليس باستطاعته تناول الذهب عوضا عن الماء والطعام.
وظّف الشاعر هاتين الشخصيتين ونهايتهما المأساوية في قصيدة ليوضح عمق المأساة فهو الفلسطيني المهجر عن أرضه، وهو يعيش هذه المأساة مرتين فلو بقي في بلده لتألم من أن بلاده لم تعد تلك البلاد الموجودة في مخيلته، ووجوده في المخيم عذاب آخر ونفي قاهر.
ونراه يقول
مجد ميداس لعنة
كل من مسّه انقلب
لمسة منه لسعة
تحبس الروح واللهب

ويتابع ليقول:
بلادي بعيدة وأنا في القلب منها
فهل يصدقني الخلق إذا صحت أرجعوا لي بلادي
من أنادي؟
ولا حياة لصوت ذهبي الفراغ فيما أنادي"
فعبارة ذهبي الفراغ تؤكد لنا مأساة الشاعر فحتى لو حظي بنعمة ميداس، ستتحول إلى نقمة لأن بلاده فلسطين بعيدة عنه.
فهنا جاء توظيف الأسطورة تماهيا مع مأساة ميداس وميدوس.



**المصادر والمراجع


المصادر

1- دحبور أحمد، الديوان، دار العودة، بيروت، 1983 .
2- دحبور أحمد،هكذا، مؤسسة الأسوار، عكا، ط2، 1999 .
3- دحبور أحمد، كسور عشريّة، مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، فلسطين، 2002 .


المراجع

4- الآغا يحيى زكريا، إضاءات في الشعر الفلسطيني المعاصر، الجزء الأول، دار
الثقافة الدوحة، دار الحكمة، غزة، د.ت.
5- ابن خلكان،وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، طبعة دار الفكر، 1977، ج 5
6- بن كلثوم،عمرو، شرح المعلقات السبع للزوزني، دار الجليل، بيروت، 1979.
7- البنداري حسن وآخرون، التناص في الشعر الفلسطيني المعاصر،، مجلة جامعة الأزهر بغزة، سلسلة العلوم الإنسانية، المجلد 11، العدد 2 .، 2009 .
8- ربابعة، موسى جماليات الأسلوب والتلقي، دار جرير للنشر والتوزيع،2008 .
9- عتيق، عمر،دراسة وصفية فنية في شعر أحمد دحبور، نبض السيرة الذاتية في شعره وتقنية التناص، الموسوعة الأدبية الفلسطينية، الأدب الفلسطيني في الضفة والقطاع والشتات ج1 ، مجمع القاسمي،(2013م
10- العمري، حسين، إشكالية التناص، مسرحيات سعد الله ونوس أنموذجا، دار الكندي للنشر والتوزيع، اربد- الأردن، 2007 .

الجمعة 14/4/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع