عشيّة الذكرى الحادية والاربعين:
حكايات من يوم الارض الخالد


عمر سعدي



مع شروق شمس شهر آذار من كل سنة تشرق احاسيس ذاكرتي جياشة متوهجة تنساب في عروقي لتتدفق من ذلك المخزون الكبير من الذكريات في دهاليز ذاكرتي، ترتسم الصور امام ناظري . فتمر في شريط يعرض مشاهد وحكايات بطولات الجماهير ورجال من مسرح احداث يوم الارض الخالد سنة 1976 في عرابة، تحكي صمود شعب اعزل، انتصر بارادته الابيّة، وعزيمته القوية على القوّة الغاشمة المتمثلة بالسلطة واجهزتها القمعية بافشال مخطط المصادرة، واستعادة الارض لاصحابها التي سلبت حتى 1986.


(1)
في جو ربيعي لطيف . ونسمات ناعمة تهب من البحر القريب، عشرات الرفاق من الشبيبة الشيوعية والحزب. يتجمهرون بالقرب من دار بلدية شفاعمرو، عصر يوم 25/3 يتحدون عشرات رجال الشرطة، والمخابرات، وحرس الحدود المدججين بالسلاح والهراوات الذين جاءوا في مهمة حماية زلمهم من الرؤساء.. اخذ الرؤساء يتقاطرون الى البلدية، رؤساء مجالس محلية وبلديات عربية يشمل الطائفة العربية المعروفية، بدعوة من السلطات لاتخاذ قرار حول الاضراب مناهض، ومغاير لقرار لجنة الدفاع عن الارض القطرية التي قررت أن يكون الاضراب في الـ 30 من آذار 1976 . دخل القاعة القائد الشيوعي رئيس بلدية الناصرة الرفيق توفيق زياد، برفقة الرفيق صليبا خميس والرفيق رمزي خوري سكرتير اللجنة القطرية، بدأت الجلسة وكانت ساخنة وصاخبة. واحتدّ النقاش واشتد الحوار بين الفرقاء من مؤيدين ومعارضين ثم جرت عملية التصويت علنا برفع الايدي. اسفرت عن نتائج مخجلة 35 صوتًا ضد الاضراب مقابل 7 اصوات مؤيدة. عندها وقف الرفيق توفيق زياد بقامته الشامخة الصلبة كالطود، عاقد الحاجبين، قاطب الجبين و واجم الوجه، يرغي ويزبد صارخًا في وجه المتخاذلين، قائلًا انتم لا تساوون شيئًا، الشعب قرر الاضراب، خرجنا من القاعة، لنشاهد وقد احتدت المواجهة ما بين الرفاق ورجال الشرطة تخللها رشق ورجم بالحجارة مقابل اطلاق الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع .


(2)
مع انبلاج فجر يوم 28/3، وظهور الخيط الابيض ومع زقزقة العصافير وهديل الحمام الذي عشش بين اغصان شجرة الحور الباسقة، وشجرة الصنوبر الخضراء الشامخة اللتين ظللتا البيت، دهمت ثلّة عسكرية البيت جاءت تخطو خطوات هادئة، تصعد الدرج خلسة تقرع الباب، يستيقظ الرفيق فضل نعامنة من غفوته التي لم تطل- ظنًا منه أن رفيقًا او صديقًا جاء يخترق ذلك السكون وفي الهزيع الأخير من الليل لأمر هام، انفرج الباب ليشاهد رجال الشرطة مدججين بالسلاح والهراوات، يناولونه امرًا بالاعتقال، زاعمين أنه يشكل خطرًا على الجمهورلنشاطه الدؤوب لانجاح الاضراب، قادوه معصب العينين، مكبّل اليدين وزجوه في السيارة ليجد نفسه يقبع معتقلًا في مركز شرطة نهاريا .


(3)
تسلل الليل وأرخى ظلامه ليلف  القرية في 29/3 . اخذ الجيش يستعد لاقتحام القرية مجددًا بعد اندحار القوة العسكرية التي اقتحمت القرية من جنود مشاة وحرس حدود، امام ضربات الجماهير الوجوعة الذين تصدوا لها في ملحمة بطولية، رجالًا ونساءً شيبا وشبابًا، بالحجارة والشواعيب والمذاري، والمناكيش، والطواري فعادت ادراجها خاسئة خائبة، لاحق الشباب الجنود المتقهقرين وانتشروا بين اشجار الزيتون الرومي، في الجهة الشمالية للقريبة من ارض المل . شق هدير مجنزرات و قرقعة الدبابات سكون الليل وعند مشارف القرية تصدى الشباب للقوة العسكرية، فتوقف زحفها، لتكتفي باطلاق الرصاص الحي العشوائي لتغرق المنطقة بدخان البارود والقنابل المسيل للدموع، اشتعل حماس الرفيق خير ياسين، وتأجج في داخله.
وراح يتقدم بقامته الشامخة نحو الجنود الذين يطلقون الرصاص من تحت عبارة لتصيبه رصاصة غادرة، فخرّ شهيدًا نجمًا ساطعًا يروي الارض بدمه الطاهر الزكي ليكون الشهيد والضحية الاولى يسطر بدمه صفحة ناصعة من التضحية والفداء دفاعًا عن الارض.


(4)
في صبيحة الثلاثين من آذار، ومع اشراق شمس ذلك اليوم، كان القلق والحزن يخيم على القرية، ويلفها بثوب الحداد الأسود، حزنًا وأسًى على استشهاد الرفيق خير ياسين، هدوء لا حركة للعمال، ولا نشاط، والناس نيام يبشر بالخير بنجاح الاضراب يكسر نعيق شرطي من مكبر الصوت ذلك الهدوء لاعلانه أمر منع التجول تهادى لسمع الرفيق محمد صالح عاصلة، وزوجته سهام محمد عاصلة "سعدي" ذلك النعيق استفزه واستنهضه مع والدته وإخوته وزوجاتهم، ليخرجوا متحدّين ذلك النداء الاستفزازي، قطعواغ الشوارع، لينضم الينا العشرات من الشباب، واصلوا طريقنا غير آبيهين بذلك النعيق حتى وصلنا إلى ساحة دار المجلس المحلي لنجد أنفسنا في مواجهة وجهًا لوجه مع عشرات  الجنود المدججين بكامل أسلحتهم، فأمطروهم بوابل  من الرصاص المطاطي فينهال عليهم الشباب من الحواكير بالحجارة لتنتهي المواجهة بتراجع المجموعة العسكرية وتغير مسارها الا جنديا سولت له نفسه اعتقال الرفيقة سهام عاصلة ووجدها عصية بعد عراك بالأيدي لينال جزاءه بوجبة ساخنة صباحية من الشباب، لينسحب خاسئًا مكسوفًا فتنتصر إرادة الشباب على همجية السلطات وسياسة البطش والقمع .


(5)
وفي ضحى يوم ثلاثين آذار ومع تلك المواجهة ومع تلك القوة العسكرية الغاشمة وذلك الصمود الأسطوري في وجهها ودحرها غمرت الشباب فرحة عارمة رغم الحزن والأسى لاستشهاد الرفيق خير ياسين فتجمهروا امام باب ساحة المجلس المحلي واذ بسيارة ضابط المخابرات في مركز "سيجف" الضابط "بسكا" تخترق الحشد وتفرمل بشكل مفاجئ ومثير يترجل الضابط يرافقه شرطيان يأمر أحدهما بتكسير رأس كاتب هذه السطور، فكانت المفاجأة التي جاءت من الشاب المارد طويل القامة عريض المنكبين ممتلئ الجسد مفتول العضلات، عَبل الذراعين، محمد الترك وقبل ان يخطو الشرطي خطوته يرفع حجرًا ضخمًا ويهوي به على زجاج السيارة ليحطم زجاجها والمقود، ذعر وذهل الضابط واصفر وجهه فعاد ادراجه يجر اذيال الخيبة والخزي والعار وراءه.


(6)
ارتفعت درجة الحرارة على الصعيدين، الطقس، والمعنويات، ففي ظهيرة الثلاثين من آذار دخلت أربع مجنزرات، كانت تجوب أحياء القرية حي نصار قاددمة من حي العاصلة، ودخلت أحد الأزقة، فوجدت حاجزًا من اللهب يعانق السماء من احتراق عشرات الاطارات فتصاعد الدخان الكثيف والسميك، ليشكل غمامة سوداء غطت سماء المنطقة يصدر عنها رائحة كريهة، خانقة حاولوا جاهدين فك الحصار باطلاق الرصاص الحي الكثيف فكان الرد بالزجاجات الفارغة والحارقة والحجارة فاضطرو للانزواء داخل المجنزرات.
مما اضطر إلى تدخل قائد المنطقة الشمالية العسكرية الجنرال "رفائيل ايتان" الذي هدد وتوعد بتدمير القرية ان لم تخرج القوة العسكرية سالمة، ففي لقاء سريع مع  رئيس مجلس محلي عرابة السيد محمود سعيد نعامنة طلب منه الاسراع في تخليص المجموعة العسكرية وفك الحصار عنها، فتقدم رئيس المجلس من "رفائيل ايتان" بجرأة وشجاعة مطالبًا الاسراع في فك الطوق عن القرية، وسحب القوة من التلال والارتفاعات ومن أرض المل واطلاق سراح المعتقلين وقد أوفى الجنرال وبرّ بوعده عندما عادت القوة العسكرية إلى قاعدتها في أرض المل سالمة. وفي الساعة الثانية بعد الظهر انسحبت قوات الجيش من مثلث يوم الأرض واطلق سراح المعتقلين وعاد الأهالي لتضميد جراحهم، استعدادًا لتشييع جثمان الشهيد خير ياسين الذي احتجزته السلطات ثلاثة أيام. هذا غيض من فيض من الحكايات البطولية لمواطنين عزّل سلاحهم الارادة القوية والوحدة والصمود والكرامة.
فذكِّر إن نفعت الذكرى.



(عرابة)

20/03/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع