بمناسبة الذكرى الاربعين ليوم الارض:
رسالة إلى والدي حنا نقارة – محامي الأرض والشعب


نائلة نقارة – أبو منة


العنوان: مقبرة الروم الأرثوذكس الواقعة على سفح جبل الكرمل بالقرب من شاطئ البحر في حيفا
الحي: الناحية الغربية من المقبرة
الجيران: الرفاق الشيوعيون توفيق طوبي،إميل توما، إميل حبيبي وغيرهم
 من حماة الديار.
والدي الحبيب
في هذا الشهر وهذه الفترة بالذات كثرت زياراتك لي في الاحلام وطال الحديث في مواضيع شتى وبدا لي الحزن والقلق الذي ينتابك في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها شعبنا الفلسطيني والشعوب العربية وأنت غضبان للأوضاع عامة.
انك حزين ومضطرب بصورة خاصة لما يحدث للشعب السوري الشقيق الذي يطمح لحياة أفضل. سوريا التي اعتبرتها وطنك الثاني لانك درست المحاماة بالشام واحببتها حبا جما ووجدتها منبرا للوطنية والحرية. سألت عن دمشق الحبيبة وحالها وحال اهلها وحدائقها الخلابة التي كنت تصفها لنا وتأمل أن نزورها يوما معا.
افهم قلقك على الشقيقة لبنان من النزاعات الطائفية. لقد درست في "عاليه" على يد الأستاذ والأديب الكبير مارون عبود. كنت تتفاخر بانه زرع فيك حب اللغة العربية وآدابها وناداك بالاسم يحيى وليس حنا. اعلم انه وثق فيك روح القومية وحب الوطن والانتماء اليه وروح مقاومة الاستعمار وظلمه. علمك الشجاعة وقول كلمة الحق بدون تردد أو مواربة وهكذا تعمدت على يده بروح المقاومة.
نصحك مارون عبود بالسفر الى دمشق ودراسة المحاماة فيها متأكدًا انك ستصبح محاميا بارعا وتخدم شعبك وقضاياه العادلة على احسن واتم وجه وهناك شاركت بالمظاهرات ضد الاستعمار.
لقد أحببت بيروت وجو الضيعة في بديدون وكان بامكانك البقاء في لبنان عام 1948 عندما ارغمنا على المكوث هناك كلاجئين لفترة قصيرة، بعد ان مُنعنا من العودة الى حيفا من بيت جدي في عكا في نيسان 1948. لكنك قررت العودة من بيروت إلى حيفا و فلسطين ومواجهة السجن والاضطهاد مؤمنا بان مكانك هنا في وطنك فلسطين.عندما سُئلت من احد الاصدقاء في بيروت كيف ستعيش في دولة اليهود وترافع في المحاكم الاسرائيلية؟ اجبت سأكافح حتى ننال حقوقنا بالمساواة ويمارس حق العودة لشعبنا الفلسطيني وتقوم دولته الفلسطينية وكنت صادقا وواثقا من موقفك وقرارك.
لقد كان الطريق شائكا يا أبا طوني صمدت ودافعت عن الانسان الفلسطيني في قضايا الهويات الحمر وعن الارض بكل بسالة وقوة وعناد. أذكر عندما كنت اعمل في مكتبك كيف كنت تشرح وتغرس العزيمة في قلوب موكليك كي لا يستسلموا ولا يصدقوا الوعود لانها كاذبة وماكرة، واذكر كيف كنت تقول لهم "خشّب" ومنهم من كان يخضع للضغوطات ويسحب توكيله معتذرا بان السلطة هددته بفصل ابنائه من عملهم وغيرها من الاساليب الخسيسة. لكنهم كانوا يعودون بعد فترة معتذرين بائسين مع خيبة أمل من الأكاذيب والنفاق.
إني متأكدة بأنك كنت تشاء ان تحتفل مع الرفاق وابناء شعبك في احياء ذكرى يوم الارض الاربعين، وكنت تشاء ان تكون احد الخطباء لتذكر الجيل الجديد ماذا حدث في يوم الارض وكيف تطورت الاحداث وعن المخطط لتجريد شعبنا عن كل شبر من ارضه. لقد لعبت دورا مركزيا في لجنة الدفاع عن الارض ودافعت وصمدت بعناد لعدم التنازل عن كل شبر من  هذا الوطن لان الارض هي الوطن. وفي لجنة الدفاع عن الأراضي ساهمت في بناء القوى السياسية الموحدة لمواجهة السلطة.
أذكر مدى حزنك على الشهداء الذين سقطوا في يوم الارض وكنت تذكرهم فردا فردا وكأنهم أبناؤك.
 لا تقلق يا والدي فرفاق دربك اوفياء يواصلون المشوار الشائك ومجموعة من الشباب كلهم طموح وثقة بصدق قضيتنا. جميعهم وغيرهم أيضا من قيادات شعبية يواصلون المشوار في النضال والدفاع عن قضايا شعبنا واخوتنا في الاراضي المحتلة في الضفة وغزة. وكذلك لا نزال نؤمن بالنضال المشترك مع الفئة الضئيلة من اخواننا اليهود كما كنت تؤمن أنت ورفاق دربك.
اما على المستوى القانوني فيوجد محامون مخلصون يدافعون عن حقوق الإنسان الفلسطيني أمثال عدالة وغيرهم يتشبثون بالأرض والجذور من الجليل الى النقب.
يا والدي ان الجيل الحالي مثقف وواع أمام جميع ألاعيب السلطة التي تعهدها، فلقد تعلم الدرس القاسي من الاجيال التي سبقته، فهو عنيد وجريء وترى في عينيه التحدي والطموح والصمود والصلابة.
قبل ان انهي رسالتي أود ان أخبرك بأخبار سارة وهي تجديد نشاط النادي الأرثوذكسي الوطني في حيفا الذي كنت ترئسه قبل 1948، وذلك بدعم الطائفة حاليا وبنشاط ورئاسة المحامي فؤاد نقارة ابن أخيك مفيد ومجموعة مثقفة وطنية معه أقمنا نادي حيفا الثقافي فأحيينا ناديك ودعمنا الحياة الثقافية في حيفا حيث ندعو الأدباء والشعراء والكتاب أسبوعيا. كما اقمنا كذلك نادي الكتاب حتى نشجع القراءة التي كنت تمارسها وتؤمن بأهميتها.
تجري الفعاليات في قاعات الطائفة الارثوذكسية التي بنيت مؤخرا مع الكنيسة الجديدة في قلب الحي العربي بالقرب من المبنى القديم لدار المجلس.
لا تقلق يا ابا طوني فبحر حيفا لا يزال يتذكرك وشعبك يتذكرك ويذكرك في يوم الارض وكل مناسبة وطنية أخرى. كن مرتاح البال وطمئن من حولك بان العدل والسلام آتيان الى الوطن على الرغم من الاضطهاد والتمييز، وستقوم الدولة الفلسطينية قريبا على الرغم من التطرف والظلم والاحتلال، وسيعيش الطفل الفلسطيني حياة آمنة يطمح فيها إلى التفوق والامتياز.
وكما كنت تقول وأنت تنشد قصيدة أبي القاسم الشابي:
اذا الشعب يوما اراد الحياة         فلا بد ان يستجيب القدر
 ولا بد لليل ان ينجلي              ولا بد للقيد أن ينكسر.
تصبح على خير يا والدي الحبيب سأزور ضريحك بيوم الارض وضريح الوالدة وأخي الحبيب طوني.....


ابنتك الوفية - حيفا



الأربعاء 30/3/2016


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع