الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حيفا. aljabha.org@gmail.com - هاتف: 048536504 - فاكس: 048516483





 



 

زنقة زنقة.. دار دار

ليانة بدر

السبت 27/8/2011

// تحيةً لك أيها التونسيّ.. الفلسطينيّ.. العربيّ، يا عمر ساسي الملقب بـ "الرفيق جياب". أنت رفيقنا، ابن الشمال الأفريقي، الذي خلّف وراءه احتمالات العيش والنجاة كي ينقذ المصابين خلال الغارة الإسرائيلية على الفاكهاني في بيروت العام 1981. اليومَ أعرف أنه لو لم تكن هناك، ولم يكن هنالك متطوعون عرب يقدمون حيواتهم للقضية الفلسطينية، لما صار لتونس أو لمصر أو لليبيا أن تقيم احتفالاتها بالتغيير الآن


أُقسم أنني رأيتك مع الثوار وهم يرقصون خطواتهم الفرحة إلى طرابلس قبل يومين. نعم، رأيتك بابتسامتك الواثقة التي تشع رضى وسعادةً وأنت تحمل سلاحك دفاعاً عن الثورة في شوارع بيروت الحرب الأهلية. معهم كنت أنت، وبينهم ترفع سلاحك وتبتسم؛ لأن المكان الذي أعلن القذافي أنه سيكون مركز "تحرير كل زنقة وكل دار" صار الآن مكاناً لتحرير الشعب من جنون الطاغية ومظالمه ونهبه المستدام الطويل للبلد. وها أنت تصحو بعد غياب طويل، وتعود إلى بلاد هي بلادك تماماً مثل تونس. فما هنالك فرق بين البلاد لو لم يلعب الدكتاتور وغيره ممن يماثله لعبةً بشعةً استطالت حتى ظن هو وغيره أنها سوف تشكل أبديةً للظلم والخنوع.
ولا غرو، فأنت رفيقنا جياب التونسي، ابن الشمال الأفريقي، الذي خلّف وراءه احتمالات العيش والنجاة كي ينقذ المصابين خلال الغارة الإسرائيلية على الفاكهاني في بيروت العام 1981. لا أنسى كيف بحثنا عنك بين الأنقاض وأكوام الحجارة والردم التي انهالت من بناية "رحمة" التي قُصفت بالصواريخ الفراغية مع ثلاث وعشرين بناية أخرى في محيط الفاكهاني. كان غيابك يؤكد للجميع أن الصواريخ استهدفتك أنت أيضاً مع عشرات المدنيين حتى لو كان ذلك اليوم يوم عطلتك. ففي ذلك اليوم الذي أعلنت فيه أنك ستقوم بزيارة أصدقائك في منطقة كورنيش البحر لم يخطر ببال أحد أنك لن تقبل أن تبتعد أو أن تغادر متجاهلاً ضرورة مساعدة وإنقاذ الآخرين من الضحايا المدنيين ممن كانوا داخل البناية تحت جحيم القصف. وسنتذكر جميعنا فيما بعد كيف تم تدمير بيتك العائلي مع بيوت مجاورة كثيرة بسبب القصف الإسرائيلي الجوي المُركَّز الذي لم تتم بعد محاسبة مرتكبيه على جرائمهم ضد المدنيين، هؤلاء المحتلين الذين تستمر جرائمهم في جميع الأراضي الفلسطينية بين القرى والمدن والأحياء، وما زالوا يُسقطون الضحايا حتى الآن، لأن شركاتهم الاستعمارية الاستثمارية لم تشبع بعد من مصادرة وسرقة المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية، فقط من أجل الربح وحده، وإن كان ذلك يتم تحت ذرائع شتى.

بعد ساعات طوال من التفتيش بين الأنقاض إثر الغارة الوحشية على بيروت، رأيناك وأنت تنام نومتك الأخيرة بين بقايا الأنقاض في الفاكهاني. كان على وجهك تعبير ساخر جداً. لم أفهم ذلك التعبير آنذاك، وأزعم أنني قد فهمته بعد ثلاثين عاماً منذ ذلك التاريخ، ربما بالأمس أو أول من أمس، فكأنك كنت ترثي وضع شعوبنا العربية البائس تحت قبضة الحكومات الظالمة، أنت التونسي الذي كان ممنوعاً من دخول بلده بسبب ثوريته الزائدة في تلك الفترة. أنت الرفيق الذي أمَضَّه الحنين إلى أُمه قبل رحيله بشهور، فبدأ في اتخاذ ترتيبات لزوجته الفلسطينية وأطفالهما كي يزوروا بلده نيابة عنه دون أن يعلم أنه لن يرقب تفاصيل الحياة وما جرى فيها بعدها.
فهل كنت تتذكر في تلك اللحظة كيف أُجبرت مع كثيرين غيرك على ترك بلادك بسبب أحلامك الثورية بمستقبل حرٍّ ومشرق، تلك التي قادتك للانضمام لاحقاً إلى رفاق الثورة الفلسطينية منذ البدايات، و"البدايات أُمّ النهايات" كما يقول الشاعر. فأبناءُ وبناتُ الثوار وكلُّ المواطنين العرب ممن شاركوا في معارك المقاومة الفلسطينية في بيروت هم أول من شاركوا وبقوا على عهدهم في إعلان ورسم الصور القبيحة للدكتاتوريات العربية.
سبع سنوات قضيتُها في تونس قبل عودتي إلى فلسطين، ومرات أكثر من العد مررت بها في "أريانة" حيث كنتَ ترقد هناك، ولم يخطر لي مرةً واحدةً أن أزور ضريحك لأنني كنت مقتنعةً أنك قد بقيت في بيروت وأنك لم تغادرها قط، حتى لو حملوا جسمك الفاني إلى بلادك ليستقر هناك في النهاية.
لم أؤمن بأن تلك النهاية سوف تكون مُرّةً وساخرةً إلى درجة عودتك البسيطة إلى بلادك بعيداً عن أحلامك بالتغيير والحياة الكريمة للفلسطينيين وللمواطنين العرب في بلادهم. كم أخبرتَني قبل استشهادك وأنت تضحك سعيداً بأن العام 1981 هو عام قيام الدولة الفلسطينية. كنتَ تؤكد لي هذا. وكنتُ أصمت، كي لا أسألك عن سر تفاؤلك العنيد بقدوم الدولة في وقتٍ كنا نعيش فيه كشعبٍ تحت أقسى أنواع المحن، والحروب المتعددة، والظروف المناهضة لكل ما نريد.
اليومَ رأيتك معهم في شوارع طرابلس ترتدي كوفيةً فيما تهزج وتدبك معهم، تشاركهم النضال تماماً مثل بيروت.
اليومَ أعرف أن هذا العام أو الذي سيليه هو الذي سيكون عام قيام الدولة الفلسطينية التي حلمت بها مع كل الأحرار في العالم. حتى لو مرت ثلاثون عاماً أو أكثر، فما هي الأعوام بالنسبة إلى عمر الشعوب؟! اليومَ أعرف أنه لو لم تكن هناك، ولم يكن هنالك متطوعون عرب يقدمون حيواتهم للقضية الفلسطينية، لما صار لتونس أو لمصر أو لليبيا أن تقيم احتفالاتها بالتغيير الآن.
تحيةً لك أيها التونسيّ.. الفلسطينيّ.. العربيّ، يا عمر ساسي الملقب بـ "الرفيق جياب".



الزوار الكرام
تنشر التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط


-



[2] [الاسـم: عربية][البلد: عسفيا ]

الى 1 :
لا فض فوك

الى ليانة بدر:
مش كلّ من حمل عود وحمل ناي غنّى وصار محسوب له حساب ..
[1] لقد سقطت ليبيا بيد الاستعمار فطز بهيك تغيير[الاسـم: حيفا][البلد: حيفا ]

وستحرر منهم ومن جرذانهم بيت بيت دار دار زنكه زنكه. ومصير ادباء وكتاب الاستعمار مزبلة التاريخ



© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع