"لأنّ وظيفة التاريخ أن يمشي كما نُملي.."


ريم حزان


القائد الخالد توفيق زيّاد.  وكأنّ الأمم المتحدة قد أتت عام 1947 بخارطتين

 

* تجاهل الواقع ليس ثورية بناءة، واستخدام نفس الواقع لتبرير الإحباط ليس  براغماتية موزونة *

أحيانًا لا أدري، حقًا، إن كان البعض "يهتورون" سياسيًا لاقتناعهم بالمقولات التي يُدلون بها، أم فقط لتسجيل الموقف وإشغال الخبر الرئيسي لساعة في المواقع الإخبارية. في الحالة الأولى مشكلة، لأن القناعة "بالهتورات" بالضرورة تؤدي إلى هبل سياسي في الميدان وفي اللحظات المصيرية. أما الحالة الثانية، فهي أيضًا خطرة، فبالرغم من كونها مُفرَغة من المضمون، لكنها تـُنشّط الهورمونات النضالية بطريقة تؤدي إلى خلل في نمو حركات وطنية لا تنم عن الرؤيا، ولا الرؤية، لأبعد من تلك الساعة أو ذلك الاحتجاج الآنيّ.
فهل حقًا تشترط إسرائيل إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات باعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية الدولة وحسب؟! وإن اعترفت السلطة بيهوديتها اليوم فستفكك إسرائيل المستوطنات دون تأخير مع خروج السبت، وتنهي الحصار على غزة وتسحب جنودها في نفس الليلة، لا بل وبعد انسحابها التام من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، ستباشر الأحد صباحًا لبدء المفاوضات مع سوريا حول إعادة الجولان! يا سلام.. كيف لم ننتبه نحن، ولم تنتبه السلطة، لمثل هذا الطلب الواحد والوحيد (غير الشرعيّ) للحكومة الإسرائيلية في إنهاء الاحتلال غير الشرعي أص لاً؟!
شعب قضى أكثر من ستين عامًا تحت الاحتلال والاضطهاد بأشكاله، محافظًا على هويته ولغته وثقافته ووعيه وثوابته الوطنية، عليه ألا يرتعب ويخاف ويهتور كنتيجة لتصريح إسرائيلي أم فلسطيني، قد يُقايض أو يهدد مكانتنا كفلسطينيين في وطننا، فبكل بساطة نحن هنا باقون. من واقع موقعنا الخاص جدًا، علينا أن نُقدر مدى أهمية تأثيرنا على الحلّ وأن نفهم مركزية صمودنا في مسار الوصول للحلّ وليس وضع أنفسنا كمركب ندّي في معادلته.

 

* الحلّ مراحل والنضال واحد


إننا المجموعة "الأكثر حظًا" من بين شتات شعبنا، فبالرغم من تنصّل العالم منّا بعد النكبة، إنما لولا بقائنا وصمودنا لما كانت فلسطين ولا قضية فلسطين. نحن نعيش حالة أخرى من تداعيات النكبة، لا الاحتلال المباشر، والمزاودات على بعض وعلى السلطة الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال لا تخدم أيًا من معادلات الحلّ غير حل واحد فقط – الدولة اليهودية واستمرار الهيمنة الصهيونية-الأمريكية في المنطقة.
بين النكبة، دولة اليهود ويهودية الدولة، دولتان لشعبين، دولة جميع مواطنيها والدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، أسئلة كثيرة: أي شعبين؟ وأي دولتين؟ مَن هم المواطنون وأين؟ مَن بالضبط العلماني في هذا الشعب (شعبنا)، أو ذاك، هذه الدولة أو تلك العتيدة؟ وأي حلّ من الحلول يضمن الحقوق الجماعية الثقافية والمدنية والعدل التاريخي، والمستقبلي، لكافة أبناء الشعب الفلسطيني؟
قد أدعم حل الدولة الواحدة، العلمانية الديمقراطية، لفكرة قيامها على القيمتين المذكورتين؛ أسهل الحلول هو محاولة القفز عن الواقع والمطالبة بفلسطين كاملة، أجمل حل وأكثرها رومانسيةً. لكن لا تجاهل الواقع السياسي العام والواقع الاجتماعي-الثقافي الحالي لمجتمعنا في طرح الحلول السياسية هو ثورية بناءة، ولا استخدام نفس الواقع لتبرير وتكريس الإحباط والتخلّف هو براغماتية موزونة – فالحالتان لا تخدمان أي مصلحة سوى إبقائنا في حالة هيمان في البعد ما بين الواقع والماضي. فبالرغم من أن مثل هذا الحلّ يشكل الخطر الأكبر على الفلسطينيين جميعًا ويرسخ الهيمنة الإسرائيلية على الأرض والاقتصاد والقرار، يزداد شكّي كلّ يوم بالمتسع الديمقراطي والعلماني في مجتمعنا وشعبنا. لكنّي لا أستبعده كحلّ لاحق لحلّ الدولتين؛ كشقـّين يلتحمان بعد نضوج (طبعًا دون أي ضمانة!)
في أحد المهرجانات الانتخابية في الانتخابات للسلطات المحلية عام 1993، يرد القائد الراحل توفيق زياد في خطابه بتهكّم شديد على مَن كان يحاول التشكيك بوطنية ومواقف الحزب الشيوعي عند قبوله بقرار التقسيم عام 1947. فيصف أبو الأمين هؤلاء بأنهم يوجهون "أصبع الاتهام" بوقوع النكبة للحزب وقياداته وكأنّ الأمم المتحدة قد أتت حينها بخارطتين، الأولى لفلسطين كاملة، والثانية لنصف فلسطين، خيّرتنا بينهما ونحن – أي الحزب الشيوعي – قلنا لهم خذوا خارطة كل فلسطين لا نريدها وأعطونا فقط نصف فلسطين. أذكر هذا المثال هنا والآن، لأن الهتورة السياسية الآنيّة إيّاها مبنية، برأيي، فقط على راحة الهجوم دون مواجهة الواقع وطرح البديل وبناء مسؤولية جماعية. راحة رفع شعارات منشّطة للهورمونات النضالية دون برنامج سياسي واضح يفعل ما يقول، ويقول ما يفعل. برنامج سياسي واضح وقابل للنقاش والتطوير لا برنامج يبني بعدًا متخي لاً لوجودنا ونضالنا.
ليس بإمكان أحد معرفة إلى أين كان سيؤول وضع الشعب الفلسطيني، والمنطقة، لو تم فع لاً العمل بموجب قرار التقسيم، بفرضية أن المشروع الصهيوني كان ممكن أن يكون قنوعًا بسلبنا فقط نصف وطننا!
أما بما يخص دولة جميع مواطنيها، فيبدو أن من رفع هذه الشعار نسيه مرفوعًا دون أن ينظر إلى ما كتب عليه. وبهذا أكتفي.
في معادلة حلّ الدولتين سندفع ثمنًا كبيرًا نحن الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل، فضمان تحرّر شعبنا وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية هو بالضرورة مطلب بتغيير طابع الدولة وشكلها وتركيبتها وبما يشمل مكانتنا فيها وعلاقتنا معها. وفي هذه المعادلة يقع من نصيبنا وواجبنا نحن الفلسطينيون المواطنون أن نقوم بهذا التغيير. أولاً، لضمان ودعم الاستقلال الفلسطيني الحديث والمنشود؛ وثانيًا، لضمان ظروف مواطنتنا ومساواتنا على أرضنا وفي بلادنا، ومن أجل تحصيل حقوقنا التاريخية الجماعية من مغتصبيها.
القلق الحقيقي على القضية الفلسطينية بكافة مركباتها يكمن في السعي لتحقيق العدل التاريخي لفلسطين وللفلسطينيين وبالقضاء على المركب الصهيوني الاستعماري في البلاد وفي المنطقة؛ إن لم تتغير إسرائيل بطابعها ورموزها وشكلها، لن يهنأ شعبنا بدولته مهما كانت معادلة الحلّ. تنتظرنا مسؤولية معركة رائعة وتاريخية هنا، على أرضنا، لتحقيق ذلك. من يظن أن حل الدولتين اليوم يعني أمرًا آخر – فليتفضل.

الجمعة 22/10/2010


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع