المجهول أمامها والبيت خلفها

زياد خدّاش


على حافة النافذة الـمواجهة للبحر تماماً، تقف الشاعرة صونيا خضر متكئةً إلى كتف فكرة طيران، توشك على القفز في لجين الـمجهول، ساقاً خارج النافذة وساقاً داخلها، لكنها تتذكر فجأةً أن خلفها عائلةً وجدراناً وطيف أم حبيبة راحلة، وأجنة قصائد وجدول زيارات عائلية، وخضاراً في الثلاجة، وقهوة على النار، وكتباً وصوراً وستائر وزجاجات عطر... أمامها حالة ذهنية لا تتوقف عن الزئير، ظلـمة ندية وخفيفة، كائنات تخلع ذواتها لتلبس أخرى، مرتفعات مضببة، أفكار عذراء، ووعود بكثافة ذهن وشراسة عين ثالثة، بيدها اليمنى تمسك جمرة الشعر وفي اليسرى حفنة ماء، وفي وسطهما تعيش هي هذا الصراع الرائع بين حلـم يعضّ ليلها وواقع يكسر سرها، "لن يكفي ألف حريق لإفساد رئة البحر، لن تكفي ألف سماء لتغسل الصباح من الأماني الـموجعات للندى". في ديونها البكر (لشموس خبأتها)، الصادر عن دار فضاءات ــ 2010، تفتنني هيئة الـمعنى وهي تجلس على كرسي مكسور، فيهتز بها، وندوخ نحن، يفتنني نقصان الـمعنى وإحالاته إلى محذوف جميل يغوينا للتأمل وسد الفجوة، كم أحب الشعر الذي لا يقول كل شيء، الشعر النحيل الذي يقف على حدود الـمعنى، يهمس، يتوارى، ويخفت، ويصمت، ويتقنع... "للخراب يدان محترفتان، تسحبان، الـمسافة، من خاصرة الأمنية، تعلقان الحلـم على مشنقته، يحتضر...".
حين تكون الشاعرة سيدة بيت، يتخذ الشعر من كينونتها صور منحدرات وعرة، حياة برية لـم تمسسها رائحة إنسان، ساحة حرب لذيذة بين الـمفروض والـمحلوم، لا تسقط فيها الـمعاني البدائية (كما يبدو ظاهرياً) شهيدة حريتها الـمفقودة، بل ترتفع إلى الأعلى كشاهدة (لا شهيدة) على انتصار الحياة الحقيقية بأحاسيسها الحارة، وأفكارها الصادقة الطازجة. شعر صونيا هو شعر الصورة بامتياز بهيج، لا تخلو عبارة من صورة وكأن هذا الديوان هو ألبوم صور لنا ولها، مصورة بارعة هي، تغافلنا، في أول الفجر، تختبئ في حدائق أعماقنا، تنتظر عند نوافذ صباحاتنا ومفارق أحلامنا ومخاوفنا وعلى ضوء رعشات قناديل آمالنا، تشرع فينا صورها / صورنا، وحين نقرؤها فيما بعد نتعرف إلينا ونصيح: كيف كان بإمكانها الكشف عن ألحفة مكنوننا وغائبنا ومحذوفنا وأجسادنا في ذروة ليلة برد: "هل كان عليك أن تنفرط خرزاً في أذن السماء، فتسمع ضجيجك ولا تراك" "خذني إلى كتف غيمة أو إلى صدر شلال، خذني لأعلق صوتي على الـماء، لأمتد كخيط دخان ما بين عالـمين، واحد كنته وواحد سأصيره، إن غفونا متعانقين".
حسي عالـمها الشعري، بالحواس نقرؤه، لا بالعقل، وما أبعد العقل عن هذا النوع من الشعر، الذي قرر أن يكون إله البكارة وقديس الشغف، ونبي الـماء، وطفل الإحساس.
جمالية الحواف، مدخل أحب أن أستخدمه لـمقاربة عالـمها، فهي عاشقة للحافة، شغوفة بالهمس والتوقف لا التراجع، هي تبقى صامدة عند النقطة نفسها التي التهمتها قدمها، تلبي صونيا نداء العائلة، فتلتفت إلى الخلف، لكنها لا تتراجع قيد شهقة، هي سيدة النافذة، هل ترغب في الاحتفاظ بالعالـمين، عالـم الأرض وعالـم الـمجهول؟ كأنها تقول: أريد أن أطير ولكن من سيسقي زهرات حديقتي، ومن سيتحدث مع أمي حين يندلع طيفها النوراني في الـممر؟ "وكيف لـماء أن يتوقف، عند حدود الحكمة، بعد أن يقدم كل أسبابه لـمواصلة الجريان؟" في هذه الصورة العميقة والـمؤثرة تلخيص شعري مفرط الجمال والقوة لعالـم صونيا خضر، تسأل هنا صونيا نفسها، وكأنها تنتصر وتنحاز لفكرة النافذة / الطيران، ولا تجيب نفسها، لأنها حائرة وعاجزة عن الحسم، أو لأنها تعرف أنها لو طارت لـما قرأنا زهرات حريقها هذه، لغة صونيا صادقة مثل موت حقيقي وراقص لفراشة، بلا بلاغة تكسر عسل الصورة، ولا مزايدات لغوية وتعالـميات معجمية تشوه العفوية، لا رجال في عالـمها الشعري يقفون بانتظار تذمر أو عتاب أو تهديد برحيل، لا استجوابية للذكورية الجاحدة التي تعودنا عليها في شعر الـمرأة، لا وطن ينتظر مديحاً أو رضوخاً أو رغبة في الـموت من أجله، لا فلسفة أو تحشيد زائف لـمشاعر صادمة، أو رصف لصور جاهزة، ثمة فقط حرائق داخلية، تشعلها الشاعرة بجمر الصورة، حرائق لا يطفئها سوى حريق آخر، حرائق تغترف شرارتها من آبار الحلـم وطوفان الحياة الداخلية، حرائق تتلو حرائق... صور تجاور صوراً ... كأن الشاعرة لا تقول شيئاً بل تلتقط الصور وفي الصور كل الكلام... .
قليل وبخيل هو شعر الـمرأة في فلسطين، يفتقد إلى العناد والـمواصلة والحرارة والتوغل في دروب العالـم الداخلي والتخلص من ثيمات الظلـم أو العشق الآني الـمكرر والـمبتذل و السطحي، أستطيع بسرعة ودون تفكير أن أحصي أسماء الشاعرات اللواتي يستطعن اكتشاف مرجان بحارنا الخفية والضائعة، والقدرة السريعة واليقينية على الإحصاء هنا أراها إشارة ضعف في الـمشهد الشعري الذي تكتبه نساء فلسطين وبناتها.
صونيا من الشاعرات اللواتي فاجأنني، قرأتها متأخراً، أو هي قررت أن تعلن عن نفسها متأخرة، بعد أن استكملت عدة الظهور من لغة وتجارب وثقة وثقل حلـم، سيدة بيت وتكتب الشعر بانتماء واعتزاز وحرفية وحلـمية كبيرة، لا للتسلية أو الاستعراض أو قتل الوقت، ثمة أفق بعيد لـمشروع أدبي ما تؤسس له الشاعرة التي لـم تحل مشاغلها العائلية دون بحثها عن ذاتها ومدنها وحريقها الخاص، حتى ولو على شكل وقوف عنيد وحزين على حافة نافذة تطل على الـمجهول.

الثلاثاء 6/7/2010


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع