كارل ماركس وقصائد حب لـ "جيني"



لا يستطيع ألد أعداء كارل ماركس أن ينكروا عليه أنه كان عملاقا فكريا بكل ما للكلمة من معنى، وقد تركت أعماله بصماتها المحورية على تشكيل الواقعين السياسي والفكري للقرنين التاسع عشر والعشرين، وبقيت بصماته النظرية جليةً فيهما حتى بداية الألفية الثالثة. وقد كتب ماركس في الاقتصاد والفلسفة والسياسة والتاريخ والاجتماع، وترك خلفه نظرياتٍ "يسهر الخلق جراءها ويختصمون"، كما وصف المتنبي شعره. فماركس في العلوم الاجتماعية كالمتنبي في شعر العرب. سوى أن معظم قراء ماركس وتلامذته لا يعرفون أن ماركس، مثل كل الحالمين بالتغيير، كان يحمل في قلبه شاعرا، أو أنهم لم يطلعوا على قصائده إن عرفوا بها... 
وقد تخلى ماركس عن قرض الشعر مبكرا، وكان قد كتبه غنائيا مقفىً، باللغة الألمانية طبعا، وهو في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من عمره، أي في عامي 1836 و1837. وتروي لورا لافارغ، ابنة ماركس، عن أبيها أنه كان يتعامل مع شعره الأول "بازدراءٍ كبير"، وأن والديها، كارل ماركس وجيني فون ويستفالن، "كانا يضحكان ملء شدقيهما عندما تذكر قصائد ماركس الأولى أمامهما".
وتقول موسوعة www.marxists.org على الإنترنت أن ماركس ترك ثلاثة دفاتر من القصائد: "كتاب الحب، الجزء الأول والثاني، وكتاب الأغاني، وهو الأضخم، ويحتوي 53 قصيدة". وقد كتب على غلاف كلٍ منها: "إلى عزيزتي جيني فون ويستفالن، المحبوبة أبدا"، وهي نفسها جيني التي أصبحت زوجته مدى الحياة فيما بعد. وقد اقتطف ماركس بعض تلك القصائد، مع أخرى لشعراء آخرين، في ديوان شعري أهداه لأبيه. وتضيف الموسوعة نفسها أن بعض مخطوطات ماركس الشعرية وجدت في النصف الثاني من القرن العشرين بين ممتلكات أحفاد أحفاده، وأنها كانت تحتوي قصائد جديدة.
ويشير موقع أمازون لبيع الكتب على الإنترنت إلى أن ديوانا شعريا صغيرا بعنوان "قصائد حب كارل ماركس" صدر بالإنجليزية عام 1977 وهو خارج عن الطبع، وتوجد منه ست نسخ مستعملة معروضة للبيع بأثمان تتراوح حول مئة دولار بالمتوسط للنسخة الواحدة!
وتشير موسوعة www.marxists.org أيضا إلى أن ماركس لم يكن راضيا عن الصفات الأدبية لقصائده الأولى، بالرغم من أنه اعتبرها "معبرة عن مشاعره الدافئة والمخلصة".. وقد أصبح فيما بعد أشد انتقادا لتجاربه الأدبية المبكرة، كما سبقت الإشارة.
بأية حال، نختار أدناه قصيدتين لماركس الشاب الصغير، أحدهما من الجزء الأول من كتاب الحب، والثانية من كتاب الأغاني.
"المقطوعة الثانية من السوناتات الختامية لجيني"، من الجزء الأول من "كتاب الحب"، ولا ننسى أن هذه المقطوعات كتبها ماركس في الثامنة عشرة من عمره، وكأنه كان يشعر بقدره، فربما بدت سخيفة له بعد نضوجه، ولكن فلنفكر بمعناها اليوم:


بالنسبة لي، لا شهرةً ذائعة الصيت
تسافر بعيدا عبر الأرض والأمم،
لتقبض عليهما فتنةً في أسرها،
بصداها المنتشر،
تستحق عينيك، عندما تشرقان بدرا،
أو تستحق قلبك، الدافئ بالغبطة،
أو دمعتين غائرتين إذ تسقطان،
معتصَرتين من عينيك بأغنية من القلب.
سعيدا سأنفح روحي وأبددها
في تنهد قيثارة... عميقا متناغما..
فلو مات العازف بالذات،
هل أحقق الهدف المبجل،
هل أنال الجائزة الأعدل:
أن أهدئ فيك البهجة والألم؟

وفي "كتاب الأغاني" يقول ماركس الشاب في مقطوعةٍ إلى جيني تعكس شيئا من مكنونه الثائر، كأنه البعد الوجداني لفكرة إعادة إنتاج التاريخ بالثورة:


كلماتٌ - أكاذيبُ، ظلالٌ فارغةٌ، لا أكثر،
تخنق الحياة من كل ناحٍ حولها.
وبكِ، هل يجب أن أسكب، ميتا ومتعبا،
أرواحا تفيض بي؟
وقد مسحت آلهة الأرض الحسودة قبلا
نارا بشرية بنظرةٍ ذات معنى..
وللأبد، على ابن الدنيا الفقير
أن يزوِّج وهج صدره للصوت.
فإذا قفز شغفُه، حيا، جريئا،
في تألق الروح الجميل،
بجرأة سوف يطوي عوالمك،
ولسوف يطيح بعرشك، ويجرك لأسفل،
ولسوف يحلق أعلى من رقصة النسيم الغربي،
وناضجا سوف ينمو فوقك عالمٌ جديد!

ويتابع ماركس الشاب مخاطبا جيني في ختام "كتاب الأغاني":


أترين؟ قد أملأ ألف مجلد،
كاتبا فقط "جيني" في كل سطر،
ومع ذلك فإنها قد تخفي عالما من الفكر،
عقدا أبديا، وإرادةً لا تتبدل،
أبياتا حلوةً بلطفٍ ما زالت تحن،
فيها كل الوهج وكل لمعان الأثير،
بها عذاب ألم الحزن وفرحٌ قدسيٌ..
فيها كل حياة ومعرفة لي،
أقرأها في النجوم البعيدة،
وعلى النسيم الغربي تعود إلي،
ومن وجود الأمواج البرية ترعد.
حقا، قد أكتبها كلازمة،
لتراها القرون القادمة-
الحب هو جيني، وجيني هو اسم الحب.

وها هي لازمة ماركس، أي المقطوعة التي تتكرر في أغنية أو قصيدة، تراها القرون القادمة فعلا، وتسافر بعيدا عبر الأرض والأمم كشهرةٍ ذائعة الصيت من القلب إلى الزمن.

الصوت العربي الحر
السبت 2/2/2008


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع