الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حيفا. aljabha.org@gmail.com - هاتف: 048536504 - فاكس: 048516483





 



 

رسالة إلى السماء إلى عيون أبي الأمين، المناضل توفيق زياد





زهير يحيى
الجمعة 6/7/2007

*نبعثها اليوم على متن براق النضال إلى سماء الحرية  في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل آخر أصوات العاصفة - الصرح الثقافي السياسي الخالد بين ضلوع وجداننا - ابو الأمين*

كفر قرع تفخر إن تكرم العملاق ابو الأمين وتسلط الضوء على المنحى السياسي والمنحى الأدبي والثقافي في مسيرة ومشوار عطاءات هذا الصرح العظيم .......... توفيق زياد.
سلام عليك أينما انت أيها العزيز الغالي،
حزمة من التحيات العطرة وحنين الشوق إلى الوطن، تحية وفاء وانحناء وإخلاص أمام هرم القومية توفيق زياد، تحية خشوع وولاء إلى إن يحين اللقاء، اما بعد،
ففي هذا اليوم وكل يوم، ماسيات وذهبيات أدبية وشعرية ومواقف نضالية باسلة تضيء سماء الذاكرة القومية الفلسطينية..... كيف لا وصاحب هذه الذكرى العظيم هو شمس من الشموس التي تسطع في سماء هذا الكون لتضيء حلكة العيش وديجور مصيرنا القومي الذي تفترسه موجات الاستشراق وأعداء العروبة والإنسانية جمعاء.
ماذا أقول في أبي الأمين، فقد تعطلت لغة الكلام وأعلنت استسلامها أمام هذه المهمة..... حروف الأبجدية تعجز عن الامتزاج ببعضها لخلق واقع لغوي جديد يليق بذكراك أيها النبراس...... وترفع رايتها البيضاء أمام هذه المهمة المستحيلة رغم انك كنت سترفض ذلك لأنك أبيت ورفضت إن تكون مميزا عن صفوف شعبك الذي من اجله كافحت وبه آمنت.
رحل توفيق، رحل الزياد، رحل ابو الأمين، المناضل، الباسل، القائد، الرمز، الإنسان، الكريم، الحنون، العطوف، الشاعر، الأديب، الرسام، الرئيس، القنوع، المتواضع، الشمولي، المحب، الأمين، المحتضن، الشجاع، المغوار، المتصدي، الطموح، صاحب الرؤيا، الصابر على الظلم في السجون.
وكم من الأسماء يا أبا الأمين تتنافس لتحمل رايتك، ربما تضاهي السبعين اسما.
رحل الزيّاد، لكن ذكراه خالدة بين ضلوع وجودنا وعاطفتنا الوطنية وعقلانية كرامتنا وعزتنا كشعب، "رحل وما رحل" ، كيف وأشعاره راسخة تجذرًا في ارض قلوبنا وقلوب الأجيال القادمة منا، لم يرحل، فان أشعاره قد احتوتنا، أسرتنا وحسمت وتنبأت بمصيرنا برؤياه المستقبلية الثاقبة.
يقتلنا الحنين إليك أبا الأمين، اعذرنا جميعا لأننا ما استطعنا أن نرد عنك غدر القدر، وهذا الرحيل المفاجئ الفتاك..... اعذرنا جميعا كما تخاطبك نائلتك الغالية.
تثير دهشتي وتهز كل مشاعري الحقيقة السجعية والقافية الذابحة في تاريخ بزوغ شمسك على كوكب الحياة وتاريخ غروبها عن هذا الكوكب وليتها ما غربت.
أهداك القدر بكرمه إلى فلسطين في السابع من أيار من العام 1929، وسلبتنا الدنيا سعادة وعظمة سيناريو قوميتك ومدرستك الوطنية يوم الخامس من تموز من العام 1994، إثر صراعك المميت مع الفولاذ...... اوحتى في تاريخ ميلادك ومماتك انت مسجع ومقفى ومبدع!!!؟
اوحتى في هذا الأمر يرافقك الإبداع!!؟  إنها مفارقة لا تحصل كثيرا وإذا حصلت فلا تحصل إلا مع أحباء الأرض مثلك.... فالأرض التي حاربت من اجلها، من اجل كرامتها.... احتضنتك، إليها سوسنا وزنبقا، فالأرض كقول الكبير جبران خليل جبران، كريمة مع أبنائها، فنحن نكلم صدرها بالسيوف والرماح، وهي تغمر كلومنا بالزيت والبلسم، نحن نزرع راحتها العظام والجماجم وهي تستنبتها حورا وصفصافا، ونحن نستودعها الجيف وهي تملأ بيادرنا بالإغمار ومعاصرنا بالعناقيد، نحن نصبغ وجهها بالدم، وهي تغسل وجوهنا بالكوثر، نتناول عناصرها لتصنع المدافع والقذائف وهي تتناول عناصرنا وتكون منها الورود والزنابق، فما أوسع صدر هذه الأرض وما أكثر عطفها، فالأرض بالنسبة للزيّاد.... كانت بصره وبصيرته وعائلته وخياله وأحلامه، جوعه وعطشه وألمه وسروره، عقله وانتباهه، الجمال في عيونه، الشوق في قلبه والخلود في روحه، طفلته في حضن الفضاء، ثمرة في شجرة المعرفة الكلية، التي تمد عروقها في أعماق الأزل وترفع غصونها إلى أعماق الأبد، هي نواة طرحت في حقل الأثير لتشق قشرتها بعزم لبابها وتتعالى إلى ما فوق الأثير.
الأرض..... فلسطين وقراها المهجرة المحببة إلى قلبك كلها وارتباطك الوثيق بكل القرى المهجرة ونخص منها "السجرة" البلد التي استشهد فيها الشاعر عبد الرحيم محمود، وهي بلد الفنان الفلسطيني الشهيد ناجي العلي، وصفورية، ومعلول، والمجيدل، واندور وغيرها وغيرها..... ويطول العد.
يعز علينا رثاء فيك ننشده لأنك ما رحلت، انت هنا، صورتك محفورة ومحفوظة في معرض ذكريات قوميتنا وتاريخنا وأيضا نعتز بتعليقها في بيوتنا.
أنا اعلق صورتك في مكتبي في المجلس المحلي في كفر قرع، وهذا الأمر يشد ويثير حفيظة كبار مسؤولي هذه الدولة، إذ قال لي احدهم: "ألاحظ انك لا تعلق صورة رئيس الدولة ولا رئيس الحكومة، ويبدو انك لا تكن لهما كما هائلا من الاحترام.... بل إنما تعلق صورة الزياد وتمنحها الصدارة.... ولكني احترم ذلك فيك جدا وأقدرك إلى ابعد الحدود".
نعم فأنت حبيبي ورئيسي ورئيس دولتي ورئيس حكومتي، قائدي، إمامي، أمي وأبي وصديقي وبلدي ووطني ومعركة بقائي.
لقد كان الزياد أمميًّا فرض احترامه على كل الشعوب وبحق، كان إنسانا شموليا عظيما في محبته، أحب كل الناس دون تفرقة ودون أي نواة للعنصرية، وحتى الجبهويون منا، الذين كانوا يشعرون تميزا وفرقا عن الشيوعيين، إلا إن هذا الفرق قتل وتبدد وانعدمت آثاره متبخرة في سماء الوحدة في لحظة اللقاء مع أبي الأمين....... وما أروع اللقاء مع هذا الصرح، الهرم، يتبدد هذا الشعور حتى بتنا نحس إحساسا محضا أن هذا الإنسان هو جبهوي أممي أكثر من كونه حزبيا شيوعيا، رغم أن الحزب الشيوعي هو حزب أممي دون أدنى شك.....
لقد تميز ألزياد بقدرته على غزو قلوب الناس وغرس الثقة لديهم فيه وفي طريقه وذلك بإنسانيته الفذة..... لقد كان ابو الأمين في جوهره إنسانا رقيقا ومتسامحا، فهو عنيف في الرد على العنف، قاس في الرد على من يوجه له او لشعبه الاهانة، كره الانتهازية والوصولية، مقت الاستغلال والظلم، واحتقر الإذلال، الذين يفتشون عن فضلات المائدة في صحن السلطة والذين يقبلون بالخنوع والاذدناب لها.
لقد كان للقناعة والتواضع أبجدية، صفة القنوع رافقته طول عمره واقترنت بتواضعه برباط لا ينفصم، علاقته مميزة بالعمال بكبارهم وصغارهم، رمزا حقيقيا لا ديماغوجيا للتواضع الحق، لقد احترم هؤلاء الناس في كل مكان..... كان يذهب إليهم محاولا أن يشعرهم بقيمتهم كبشر، "فهو رجل المستضعفين في الأرض"، لهم يغني ومن اجلهم يكافح وبهم يؤمن ويثق.
قصائدك ونثرك وشعرك تضيء سماء الذاكرة الجماعية القومية الفلسطينية، ومحفورة في عقل الدهر والذاكرة، كريماتك الأدبية في حنين قاتل إليك "مرج ابن عامر" و"اشد من المحال" و"ارفعوا أيديكم" و"الكلمات" و"المغني" و"تعالوا" و"جسر العودة" و"المصلوب" و"انزلي يا مطرة" و"امة فوق الصليب" و"شهيد" و"أتحدى" و"ازرعوني" و"أناديكم" التي هي بمثابة نشيد وطني للعرب مواطني إسرائيل.... ودستورا لزرع بذور حب الوطن والقومية وأبجدية للتحدي ويطول عمر إبداعاتك الأدبية ويطول....

أولست القائل:

  "اغني للحياة
  فللحياة وهبت كل قصائدي
  فقصائدي هي كل ما املك"

هذه القصائد يقتلها الحنين إليك ومذوتة في داخلنا وتحتوينا وتروي عطشنا وحنيننا إليك.
 شكرًا على هذا الموروث العظيم المتكلم والمتجدد مع صباح ومساء كل اغتيال وكل مجزرة، كل مذبحة، كل احتلال، كل قتل، وكل خطف وسيناريو تعذيب متجدد.
انت كنت وستبقى فوق كل الكلمات... احن إلى اثنين في حياتي، جدتي حكيمة بحكمة الزياد والى عبقرية توفيق زياد وجبروته، هذا العملاق المنتصر، يقتلني الحنين إلى لقائك... واستضافتك في بيتي..... يا من عدلت المسموح وتحديت الممنوع، لا أزال اذكر زياراتك الرائعة إلى بيتي وعائلتي وعناقك وشغفك وحبك لأطفالي الذين أحبوك ويحبونك حب الشباب لقائد... رحل وما رحل.
يحبونك حبا لقائد وطن باسل ومغوار، فأنت بالنسبة لنا وشأننا في ذلك شأن سائر محبيك وهم كثار.
نؤمن انك ستظل حاضر بيننا ولا لن تموت.

لقد طرحت دستورا فكريا عظيما يحمل معنى إنسانيا راقيا لا مثيل له في مقولتك المأثورة التي نرددها جميعا:

"وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلا باكيا يضحك
وأعطي نصفه الثاني لأحمي زهرة خضراء أن تهلك"

فأنا اكتفي بالقول إن هذه المقولة بكل ما تحمله من معان صادقة هي دستوري وهي يمين ولائي في حياتي وفي مسار عملي، وهي ممشاي ومرشد خطاي وقانوني طالما حييت... باتت معلما راسخا في ثقافتنا جميعا لما تحويه من معان سامية مبجلة....
كان زياد للمرأة نصيرا وللأطفال محبا، كان اكبر من كل الكلمات حضوره فقط.... حضوره فقط يسد الفراغ الذي تركه بذلك الغياب المروع.
حضوره بقامته المنتصبة الشامخة، بطريقه الخالدة، بكلماته العذبة، بشعره المقاتل، بإنسانيته الفياضة، بمبادرته الراسخة، بمعاركه الشجاعة، بمواقفه المشرفة، بصلابته الفولاذية، بحبه الجارف، بتواضعه الصادق، بطبيعته البديهية، بآرائه الحكيمة، بتضحيته المتفانية، بذكائه الخارق ....
إن الغوص بنصوص الزياد الادبية والشعرية يغذي الفكر، كالغوص في اعماق البحار والفوز بلآلئ تبهج العين، لا سيما وان الادباء والشعراء وخاصة الوطنيين منهم، مهما جمعت أعمالهم يبقى لهم.... مثل ما يبقى في اقبية النبيذ.... يزيده العتق طيبا وحلاوة.
قالوا فيك وقالوا عنك عظماء هذا الوطن ما يعتبر تاريخا، اذ قال فيك الكبير محمود درويش انك "آخر أصوات العاصفة" اذ يقول: "ففي انطفاء توفيق زياد المفاجئ ينطفئ آخر أصوات العاصفة".
وكما خط ابو الوطن، سميح القاسم، كلماته الذهبية بعد رحيلك لتصير تاريخا محفورا، وهو الذي اجاز التعبير حول استحالة التعبير عنك بكلمات اذ قال:

"أن اضعك في كلمات فذلك يعني أن اضع حقلا من شقائق النعمان والنرجس البري في مزهرية، لن اضعك في كلمات، فان اضعك في كلمات، فذلك يعني أن اضع بحرنا الابيض المتوسط في اكواريوم منزلي".

استذكر فقط استذكر قسماتك الممتحنة المصهورة بالعذاب في قراءة شعرية، في خطبة ممهورة بالصودا الكاوية، على مرتفع حجري من ساحة في قرية، او على منبر مرتجل في باحة في مدينة ولأني لا أذكرك الا حيا صاخبا متفجرا بعطر الكادحين، وعرق السنابل والورد فكيف لي أن اقترب من جسدك المسجى مثل خطأ مطبعي- امام جماهير اعتادت إن تصغي كي تتكلم انت، وها هي اليوم تصرخ وجعا ازاء صمتك المطبق- خطأ حياتك المطبعي سيرهقنا هذا الفراغ الهائل الذي تركته وراءك، برحيلك، خطأك المطبعي، هذا المميت.
كنت بكبرياتك وشموخك افرست القومية، ذكرنا شموخك بأرز لبنان الشقيق وقوة تحملك لوسائل التعذيب والتنكيل بكل جآشة وصبر فاقت حدود الخيال والمنطق.
وتحت عنوان "انا باقون على العهد" يكتب الكبير أميل حبيبي..... "برحيل ابي الأمين المفاجئ والكارثي، خسرنا المرساة التي ثبتت سفينة شعبنا في مينائها الام "الوطن"  في مواجهة الامواج الجارفة والدوامات المغرقة وما من قائد سياسي....  اسهم في التحضير للعرس الفلسطيني مثلما اسهم هذا القائد، وهو القائل:

"اناديكم.......... أشد على اياديكم ........ أبوس الارض ...... تحت نعالكم....... اناديكم...".

توفيق زياد لم يكن مجرد معبر واضح عن نصيبنا من مأساة شعبنا بل... كان هو نفسه طول حياته التعبير الشامل عن هذا النصيب.... من سجن ونفي وتعذيب وبطالة ومنع تجول ومختلف موبقات الاضطهاد القومي وغياهب سجون اسرائيل، فأنا بأم عيني حينما سكنت في الناصرة خلال فترة دراستي الثانوية شهدت الاعتقال الوقائي الذي أجروه بحق الزياد عشية حرب 1967 حين سكنت في الحارة الشرقية في بيت ابو احمد اسعد التركي، وشهدته في عدة مواقف، حينما حاول منازلته ومشجارته بعض الجماعات من العائلات الكبرى.... رأيت كيف صدهم بأدب حينما ارادوا الاعتداء عليه اذ قال لهم: "انتم لستم اعدائي".
يوم وداعك، يوم الفراق، كبؤبؤ العين يحملك شعبك على اكفه عاليا شامخا معززا كما في حياتك ويحمل روحك في وجدانه.... مدينة الناصرة قلعة الصمود التي رفعت اسمها عاليا ونهضت بها على خريطة العالم، خلدت ذكراك شعبا وبلدية، بما يليق بالابطال الافذاذ.
سوف اترك مهمة سبر اغوار اشعار الزياد وموروثه الوطني الادبي، أشعاره ومواقفه السياسية الفذة لعضو الكنيست محمد بركة والأديب الكاتب محمد علي طه، والجانب الانساني، للسيدة التي كانت رفيقة درب ونضال هذا الباسل المغوار، نائلة زيّاد.
وأخيرا رسالة إلى السماء مني إلى ابي الأمين،  فأنا احمل اليك في جعبتي حنينا لا وصف له يفوق سور البعد ويغتال حراس هذا الجمود، وحبا بحجم الام شعبنا وشغفا بحجم براءة اطفالنا الذين اعطيتهم عمرك كله، ليضحكوا، وليكبروا في عالم افضل، وليعملوا من اجل عالم اجمل، عالم رسمت قصيدتك النازفة قسمات وجهه الجميل الجليل النبيل.
الشوق الذي اعتراني حين خط يراعي هذه  الرسالة إلى ابي الأمين نابض في عروقنا جميعا.....
فمن هنا، تحية خشوع وولاء، تحية اكبار واجلال، لاسطورة نضالية باسلة ابت يد القدر إن تجود بمثلها مرتين.

*الكاتب رئيس مجلس كفر قرع المحلي



الزوار الكرام
تنشر التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط


-






© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع