معالم تاريخية: سرايا شفاعمرو



(2-2)

كانت هذه البناية الفخمة مؤلفة من طابقين الأول أقبية واسعة كانت تستعمل اصطبلات للخيول، والطابق الثاني مؤلف من عدة محلات كلها (عقودة) جمع عقد والعقد هو البناء المسقوف بحجارة مقببة تسمى الريش أشبه بالقناطر الضخمة، والى الجنوب منها سور قديم مبني ويحيط بساحة واسعة أمام الاصطبلات... وكانت بقايا طابق ثالث منه يظهر انه كان يباشر بإقامته وفي خلال العمل في الطابق الثالث ظهر احمد باشا الجزار الذي تغلب على ظاهر العمر الزيداني، وقام أحد جنوده المغاربة بقتله في 29 آب عام 1775، وقد تقدمت به السن، أثناء محاولته الخروج من عكا وقبض على أبنائه فقتلهم ومن جملتهم عثمان، فجاء قتله قبل إتمام بناء الطابق الثالث...
ومن جملة الروايات المشهورة المتعلقة ببناء سرايا شفاعمرو انه عندما كان عثمان ظاهر العمر يقيم الطابق الثالث كانت له ابنة تطل من إحدى نوافذ الطابق الثاني وإذا بشخصين من قرى جبل نابلس وفي رواية أخرى من (تبنة قضاء عجلون) مكتوفي الأيدي "بلبش البطيخ" فسألتهما لماذا لم يقطعا هذه الحبال الواهية ويحلا وثاقهما ويهربا، فأجاباها أين نهرب من (حكم أبيك الجبار) وفي رواية أخرى (من حكم ابن عمر) حيثما هربنا يمكنه أن يقبض علينا ثانية ويأتي بنا ففضلنا المجيء على هذه الصورة مكبلين بهذا القيد الواهي، وعندها تشاءمت من سطوة أبيها وامتداد نفوذه وقالت في نفسها إن حكمنا كاد ينتهي... وللحال أمرت البنائين بالتوقف عن متابعة بناء الطابق الثالث، ولم يمض على هذا الحادث بضعة أيام حتى جاءت حادثة الجزار ومطاردته لظاهر العمر وأولاده، وقد تكون  هذه الرواية يقصد بها جسامة ما وصل إليه آل زيدان من سطوة وبأس وامتداد نفوذهم، أما حقيقة عدم إكمال بناء الدور الثالث سببه انقضاء حكم القوم خلال العمل، ولربما تكون هذه القصة قد تزامنت مع انقضاء هذا الحكم...
يتخذ البعض من حادثة "لبش البطيخ" دليلا على الظلم الذي كان حسب رأيهم ، يسود حكم ظاهر العمر... ان هذه الحادثة الفريدة من نوعها، ان صح وقوعها، تعطينا صورة عن اليد الحديدية التي كان ظاهر العمر يحكم بها رعاياه، وقد عاب عليه البعض استعمال الشدة والقسوة في حكمه بينما وجد البعض الآخر تبريرا لعمله، واعتبروا أنه لربما يكون لهذا الأمر ما يبرره اذ أراد أن يرسي الأمن والأمان في ذلك الزمان الذي كثر فيه السلب والنهب وقطع الطرق وقتل الأبرياء وفرض الخاوة على القرى وعمل السخرة والاستغلال وغير ذلك...
ويكتب والدي في احدى مقالاته عن سراي شفاعمرو: بقيت هذه البناية الفخمة الجميلة مدة من الزمن متروكة مهملة تنزل في سقوفها مياه المطر مدة طويلة بعد انقضاء حكم آل زيدان، إلى أن اتخذها الأتراك مقرا لحكامهم في شفاعمرو... واخذوا يستعملون المحلات الصالحة لإقامتهم وإقامة عائلاتهم ومكاتب لأشغالهم دون أن يمدوا يدا إلى إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، فأخذت تتهدم  أقسام البناء قسما بعد آخر وبقيت على هذه الحالة إلى عام  1911، حيث كان حاكم شفاعمرو المعروف بالمدير شابا الباني الأصل بهي الطلعة جميل الصورة يدعى حسين حسني محبا للإصلاح والعمران أحب شفاعمرو وأهلها وأحبوه، فتأثر لحالة هذه البناية وما ستؤول إليه لو تركت وشأنها. عزم على هدم ما لا يمكن إصلاحه، من الأبنية المهدومة  في الدور الثاني ويبيع حجارتها ليصلح ما يمكن إصلاحه واستعمل ما تبقى منها في بناء مدرسة المكتب الحكومية وقد أصلح فعلا  القسم الغربي من الدور الثاني وهو الذي لا يزال قائما إلى يومنا هذا، حيث استعمل مركزا لبوليس شفاعمرو الى ما قبل عدة سنوات... أما الدور الأول فلا تزال أقبيته قائمة وقد كانت تستعمل الى ما قبل سنوات مضت زرائب للماعز والغنم، بعد أن كانت اصطبلات للخيول المطهمة أما الآن فهي مهجورة ومهملة!!...
كان لهذه البناية الجميلة من جهتها الجنوبية العليا قطعة من الرخام مثبتة فوق البايكة الوسطى من الطابق السفلي، منقوش عليها الأبيات الشعرية الآتية وهي تشير إلى منشأ البناية وتاريخ إنشائها، أما القطعة الرخامية ذاتها فقد فقدت عندما هدم مرة الجدار المثبتة فيه والذي أعيد بناؤه على عهد المدير حسين حسني المتقدم ذكره دون إرجاع قطعة الرخام إلى محلها، إما لعدم وجودها بعد الهدم وإما لأنها تكسرت عند انهيار الجدار وهذا هو الأصح وقد ذكر والدي أنه بحث عنها ولم يجدها:
قف على دار بها الحسنى تجلت بالزيادة
دارة البدر بها الليث استوى والعود عادة
شادها عثمان ذو الإحسان من أعطى السيادة
انظر التاريخ  سهلا  هذه  دار   السعادة       
(سنة 1182 هجرية الموافق 1770م).
وقد دام عهد الزيادنة في بلاد الجليل على ما رواه الرواة ثمانين سنة من سنة 1698 الى سنة 1777 وانتهى بمقتل علي بن ظاهر العمر... وقد كان عهدا تخللته الحروب المتواصلة والمعارك الدامية والتحالفات حينا والاختلافات حينا آخر، والصراعات المريرة على السلطة بينه وبين أبنائه... كما تخللته الكثير من الايجابيات فقد ازدهرت التجارة في عهده وخلت فترة حكمه من التعصب وأرسى مفهوم التسامح بين الناس...  
ويستطرد والدي في مقاله المذكور: بعد انقضاء حكم آل زيداني على البلاد بقيت شفاعمرو بدون حكومة فيها كما كانت في عهد عثمان ظاهر العمر إلى ما بعد حوادث سنة 1860، وبعد التقسيم الإداري في عهد الأتراك فكانت البلاد تقسم إداريا إلى ولايات ويقال لحاكم الولاية واليا وكل ولاية تقسم بدورها إلى سناجق وكل سنجق يحكمه حاكم يطلق عليه اسم متصرف والسنجق يقسم إلى أقضية ونواح ويقال لحاكم القضاء قائمقام وحاكم الناحية يقال له المدير... بعد هذا التقسيم جعلت شفاعمرو ناحية من الدرجة الأولى تابعة لمتصرف عكا يحكمها مدير وكان يتبع مديرية شفاعمرو في الشمال القرى الآتية: 1)البروة 2)الدامون  3)الرويس 4)كابول 5)شعب 6)طمرة 7)ميعار 8)عبلين وفي الجنوب: 9)هوشة 10)بيت لحم 11)ام العمد 12)طبعون 13)الشيخ بريك 14)تل الشمام 15)المنسي 16)ابو شوشة 17)الورقاني 18) الحارثية 19)خربة لد العوادين وجميع القبائل العربية التي كان يطلق عليها اسم عرب التركمان وهي الحمائل التالية: العوادين-الشقيرات-الطواطحة-التفنفة وما يتفرع عن هذه الحمائل عدا البدو الذين كانوا يخيمون في غابة شفاعمرو مثل عرب الحجيرات والزبيدات والحلف وفروعهم وفي الغرب جدرو والدار البيضاء والمجدل...
بعد انقضاء حكم الزيادنة استعملها الأتراك مقرا لحكامهم كما أسلفنا الى أن جاء الاحتلال الانكليزي فعين لها حاكما عسكريا انكليزيا من سنة 1918 إلى أواخر سنة 1919...  في سنة 1920 عين لها مدير الياس  خمار من عكا إلا أن هذا الترتيب لم يطل كثيرا حيث الغي مركز المدير من شفاعمرو وفصلت القرى عنها وألحقت القرى الشمالية بعكا رأسا والقرى الجنوبية ألحقت بحيفا وأصبحت شفاعمرو  قرية كباقي القرى تتبع حيفا، وقد احتج أهالي شفاعمرو كثيرا على هذا الإلغاء ولكن بلا جدوى لان الحكومة الانكليزية اصمت أذنيها عن السماع وكان عملها هذا في داخله انتقاميا وعقابا لهم لاتهامهم أهالي شفاعمرو ولا سيما المسيحيين منهم بميولهم لفرنسا...
كما استعملت بناية القلعة بعد هذا التغيير الاداري الذي طرأ على شفاعمرو اثر تولي الانكليز الحكم على هذه البلاد، مقرا لمجلس بلدية شفاعمرو ومركزا للبوليس البريطاني ومن بعده البوليس الاسرائيلي، الى ان اضطر هذا الأخير الى تركها خوفا من انهيار المبنى المتصدع والتي أفادت تقارير المهندسين بأن البناء آيل للسقوط !!... ورغم هذه التقارير فان هذا البناء الشامخ وهذا الصرح الجبار لا يزال صامدا حتى يومنا هذا، كمعْلم تاريخي هام من تاريخ هذه البلدة العريقة وكشاهد حي على  مجد غابر وماض تليد...

(شفاعمرو)

الياس جبور جبور *
الأثنين 25/6/2007


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع