الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة - حيفا. aljabha.org@gmail.com - هاتف: 048536504 - فاكس: 048516483





 



 

سوسيولوجيا الثقافة

إبراهيم غرايبة
السبت 16/9/2006

يطرح الكتاب إشكالية الثقافة، ويستعرض أبرز المقاربات الأنثروبولوجية والأيديولوجية والسوسيولوجية التي تتناولها بالنظر والتحليل، ثم يتوقف عند تأثرها بظاهرة العولمة والتفاعلات المصاحبة لها بفعل التطور الكبير على صعيد تقنيات الإعلام والاتصال، ويناقش محددات الثقافة الاجتماعية وخصائصها وآليات التفاعل، مع إعادة النظر ببعض المسلمات، ليقول في النهاية إن هذا القرن هو قرن التوتر والحيرة.

* محددات الثقافة وخصائصها


يتميز الإنسان بقدرته على إنتاج الثقافة، وهذه أهم خصيصة تميزه عن بقية المخلوقات، ولكل مجتمع ثقافته الخاصة التي يتسم بها ويعيش فيها، ولكل ثقافة ميزاتها وخصائصها ومقومات المادية التي تتألف من طرائق المعيشة والأدوات التي يستخدمها أفراد المجتمع في قضاء حوائجهم والأساليب التي يضعونها لاستخدام هذه الأدوات.
فكلمة الثقافة هي أكثر كلمة شهدت انتشارا وازدهارا، وليس هناك مفهوم أكثر تداولا واستخداما كمفهوم الثقافة، التي تندرج تحت اتجاهين، الأول اتجاه واقعي يرى الثقافة كل ما يتكون من أشكال السلوك المكتسب الخاص بمجتمع أو جماعة معينة من البشر، والثاني اتجاه تجريدي يرى الثقافة مجموعة أفكار يجردها العالم من ملاحظته للواقع المحسوس الذي يشمل على أشكال السلوك المكتسب الخاص بمجتمع أو بجماعة معينة.
وقد يكون التعريف السوسيولوجي للثقافة يشمل المقاربات الأخرى لفهمها (الأنثروبولوجية والأيديولوجية)، باعتبارها (الثقافة) تحليلا لطبيعة العلاقات والترابطات الموجودة بين أنماط الإنتاج الفكري وسماته العامة من جهة، ومعطيات البنية الاجتماعية بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والبيئية، التاريخي منها والمعاصر من جهة أخرى، وبالتالي دراسة وظائف هذا الإنتاج الفكري ولآلياته وتفاعلاته في المجتمعات على مستوياته كافة.
فالثقافة كمفهوم سوسيولوجي تشمل كل ما في البعد الأدبي والتراثي والمسرحي والفني، كما تشمل البعد الأنثروبولوجي الذي يطال الأدب والفن، ويطال حقل التعابير التي نطلق عليها عادة صفة "اجتماعية"، إذا الثقافة هي حاضر ومستقبل من المنظور السوسيولوجي.
وأحسن وصف لأي ثقافة يقوم على معرفة نظمها الاجتماعية وتحليل هذه النظم التي تحل فيها الثقافة، ويمكن تحديدها بتسعة نظم: الأسرية والتربوية والدينية والأخلاقية والجمالية واللغوية والاقتصادية والقانونية والسياسية، ويكتسب الأفراد هذه الأنماط الثقافية المناسبة عبر عملية التنشئة الاجتماعية، بدءا بأساليب السلوك المتنوعة وصولا إلى الأنشطة الجماعية وسلوكياتها.
وكما ينفرد الإنسان عن جميع المخلوقات بقدراته على صنع الثقافة فإن كل مجتمع بشري ينفرد بخصائص ثقافية تميزه عن بقية المجتمعات، فالثقافة نتاج اجتماعي وإنساني، ولا وجود للثقافة من دون إنسان، والمجتمعات دائمة التغير، فالتغير قانون تخضع له جميع الظواهر، فقد تموت الثقافة إذا تفكك المجتمع الذي أنتجها.
الثقافة إذن تتحرك وتتطور، ذلك أن كل جيل يقوم بالإضافة إلى "الموروث الثقافي" من خلال التعليم والتجربة، وتسمى هذه العملية التراكم الثقافي، والعناصر الثقافية المتراكمة تعمل وتستمر في صور كثيرة طالما استمرت الوظيفة التي تؤديها في المجتمع.
ولعل ظاهرة الانتشار من الظواهر التي حظيت بنصيب كبير في علم الاجتماع الثقافي، لأنها تتعلق بحركتها الخارجية، وقد ثبت أن أكثر التغيرات تأتي من الخارج، وقد فتحت آلية الانتشار الثقافي الباب منذ زمن لمسألتين: الأولى تتعلق بوسائل الانتشار نفسها، مثل الهجرات والحروب والتجارة، والثقافة اليوم أصبحت أكثر قدرة على الانتشار، والثانية تتعلق بالموقف من الثقافات الأخرى، وكيفية استقبال المجتمع للعناصر الجديدة الوافدة.
ومن خصائص الثقافة أنها أفكار وأعمال، سواء نظرنا إلى الثقافة كعناصر أو اخترعها الإنسان لسد حاجاته الأولية والثانوية، وتختلف الثقافات في مضمونها وتتباين إلى درجة التناقض أحيانا، فما يعتبره مجتمع ما فضيلة هو رذيلة وربما جريمة في ثقافة أخرى.
ويعود التباين بين الثقافات إلى عوامل موضوعية مثل البيئة الجغرافية وطبيعة الاتصال والتعاون، وحجم الجماعة الإنسانية التي يجري فيها التفاعل، والقيم السائدة في المجتمع تلعب دورا كبيرا في التنوع الثقافي، كما أن طبيعة الإنسان كصاحب عقل مفكر ومبدع قادر على إنتاج أعداد لا نهائية من الأفكار والبدائل، وأخيرا فإن الثقافة تبقى انتقائية انتقالية وتراكمية.

* من أين تأتي الثقافة؟


من المجتمع؟ أم التاريخ؟ أم الدين؟ أم عمليات التفاعل بين الأفراد؟ أم التقاليد والشعائر والطقوس؟ أم التراث الشعبي؟
في الحقيقة تأتي الثقافة من كل الاتجاهات، وتشرب من أكثر من نبع، وتلك هي إشكاليتها، فالثقافة هي فعل تفاعل يترجم إدراك الإنسان بكافة تجلياته الفطرية والتركيبية، ويجد المرء في الثقافة خاصة الشعبية منها، نماذج جاهزة تحوز على صدقية كبيرة في بيئته ووسطه، يعمد إلى تبنيها بشكل تلقائي كونها شائعة ومعممة.
وميزة الثقافة الشعبية أن أكثر أشكالها غير مدون في الكتب، وهي تتخطى حاجز الطبقات تتخطى الحدود الاجتماعية القائمة بين أهل المدينة والريف، وتخترق كتلتي المتعلمين والأميين، والتاريخ كمحصلة لتجارب.
والدين ثقافة كاملة، فهو يعبر عن رؤية للعالم، للطبيعة والوجود والإنسان وهو كذلك يقدم تصورا لبناء الاجتماع الإنساني على نحو يغطي أحيانا أدق تفاصيل هذا الاجتماع اقتصادا وسياسة وأخلاقا وأحوالا شخصية، فهو نمط من القيم والعادات والطقوس والشعائر، وطريقة ثابتة الملامح في ممارسة الحياة في بناء الاجتماع وإعادة إنتاجه.
وتؤلف القيم نسقا متماسكا، فتحتل كل قيمة في هذا النسق أولوية خاصة بالقياس إلى القيم الأخرى، وأنساق القيم هي المستويات التي نحتكم إليها في ذواتنا أمام الآخرين، أو هي الموجهات التي تحرك تصرفاتنا، لكي نبدو أمام الآخرين بالصورة التي نفضلها، فهي توجهنا في إقناع الآخرين والتأثير فيهم لتبني مواقف أو معتقدات أو اتجاهات أو قيم نعتقد أنها جديرة بالاهتمام، وتسهم القيم في إعطاء نوع من التماسك لمجموع القواعد والنماذج الثقافية في مجتمع معين، والتي إذا أخذت منفصلة سوف يكون من الصعوبة إيجاد تفسيرات لها.
ومن بين العناصر الثقافية التي تبدو أكثر عمومية هي العادات، وهي تكرار عملية معينة، أو النشاط "اللاشعوري" واللاواعي لعملية ما، والناتج عن تكرار فعل حتى لو كان فعلا اجتماعيا، والعادات تكون فردية، تتكون وتمارس في حالات العزلة عن المجتمع، فيكاد الإنسان يكون مجموع عادات تمشي على الأرض، بل إن قيمته تعتمد في بعض الأحيان على عاداته.
وأما العادة الجماعية فهي مجموعة من الأفعال والأعمال وألوان السلوك التي تنشأ في قلب الجماعة بصفة تلقائية لتحقيق أغراض تتعلق بمظاهر سلوكها وأوضاعها، وتمثل ضرورة اجتماعية تستمد قوتها من هذه الضرورة.
وتختلف الأعراف عن العادات، فالأعراف هي السنن الاجتماعية التي تدل على المعنى الشائع للاستعمالات والعادات والتقاليد والقوانين خاصة عندما تحوي حكما، والفرق هو فرق تكويني، فالعادة عرف ناقص يعوزها لتصبح عرفا أن يشعر الناس بضرورة احترامها، فكل عرف عادة، وليست كل عادة عرفا.
وسوسيولوجيا فقد اكتسب مفهوم التقاليد والشعائر بعدا جديدا يعبر عن مدى ارتباط حاضر المجتمع بماضيه، كما أنه يشكل أساس مستقبله.
وتعرف التقاليد على أنها مجموعة من قواعد السلوك الخاصة بطبقة معينة أو طائفة محلية محدودة النطاق، وهي تنشأ عن الرضا والاتفاق الجمعي على إجراءات وأوضاع معينة خاصة بالمجتمع الذي تنشأ فيه، والتقليد ما هو إلا عادة فقدت مضمونها ولم يعد من الممكن أحيانا التعرف على معناها الأصلي، وتغيير التقاليد يحتاج عادة إلى كسر في النظام السياسي- الاقتصادي القائم.
وتتميز الشعائر بأنها مصحوبة دائما بحس خاص بالجبرية أو الإلزام، والمظهر الغالب للشعائر والطقوس أنها دينية، تنظمها قواعد مقدسة أو موقرة ذات سلطة قهرية ضابطة لتتابع بعض الحركات الموجهة لتحقيق غايات ذات وظيفة محددة.
وأخيرا يتجلى التراث الشعبي في عناصر كثيرة، مثل الفولكلور والموروث الثقافي والمعتقدات الشائعة من خرافات وأساطير، وهي في أساسها تلقائية غير واعية لأن أساسها المحاولة العشوائية في سد الحاجات الطبيعية الضرورية.
وبالتالي هي غير مدونة وتتميز بالاستمرار والثبات، وتبقى لها جاذبية معينة مقبولة ومرغوبة رغم ما فيها من إلزام وقهر، فتعتبر الثقافة الشعبية وسيلة فعالة لإدماج الفرد في مجتمعه، ولها أيضا وظائف اقتصادية وتوجيهية وجمالية وتنبؤية، وأهما وظيفة الضبط الاجتماعي.

* التغير الثقافي


التغير الثقافي هو كل ما يتغير في المجتمع، سواء كان هذا التغير محدودا أو واسعا، شاملا المظاهر المادية والمعنوية بكل ما يترتب عليه من علاقات وما ينتج عنها من قيم وعادات، فالعلاقة بين التغير الثقافي والاجتماعي هي علاقة تضمن واحتواء، فكل ما هو تغير اجتماعي يعد تغيرا ثقافيا.
والتعامل مع البيئة التي يعيش فيها الإنسان بأنواعها المختلفة الاجتماعية والثقافية والطبيعية يقوم على قاعدة التفاعل المستمر، ويُلاحظ أن بعض هذه العلاقات تفرضها عليه ثقافته.
في المقابل يفرض الإنسان ثقافته على بعض عناصر هذه البيئة، ومن خلال هذا التفاعل يحدث التغير، وهناك العديد من العوامل المسببة للتغير الثقافي بعضها خارجة عن دائرة الفعل الإنساني مثل العوامل الإيكولوجية والطبيعية، تتمثل بمكونات البيئية الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان، وتتضمن الموقع الجغرافي والتضاريس والتربة والمناخ والمواد الأولية، وكذلك يعتبر حجم السكان وتوزيعهم وتركيبهم من العوامل المهمة في إحداث التغير الاجتماعي.
ويلعب الاتصال أو العزلة دورا رئيسا، فمعظم المجتمعات البدائية تكون شديدة العزلة، والمجتمعات الزراعية ترغب في حماية ثقافتها، وتسعى في الغالب إلى مقاومة ورفض الاتصال بالمجتمعات الأخرى.
ومن العوامل المؤثرة بسبب النشاط الإنساني المخترعات الجديدة، فقد أدت الثورة الصناعية وما صاحبها من تقدم تكنولوجي إلى إحداث تغيرات جوهرية في نمط المعيشة بوجه عام وفي النظم الاجتماعية.
إن عملية تحول النظم التقليدية أو شبة التقليدية، وتغيرهما إلى أنماط تكنولوجية مرغوبة يصاحبها ظهور أشكال جديدة في البناء الاجتماعي واتجاهات وقيم ودوافع ومعايير اجتماعية.
فالتحديث هو في جوهره الدفاع عن عظمة الإنسان، أو هو استخدام العقل، والمشروع التحديثي هو مشروع العقلانية المادية الذي يرى أن العالم يحوي داخله المقدرات الكافية للقيام بعملية التغير هذه في ضوء المعرفة.
والحداثة هي وريثة النهضة وبنت التنوير، وتتميز أنها أوروبية المنشأ والتاريخ، وهي على خصومة مع مفهوم التقليدية، وقد تعنى بوجود مجتمع مفتوح على كافة المستويات بحيث يستطيع الإنسان أن يتسوق ويعقد أفضل الصفقات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بغض النظر عن أي ارتباطات سابقة.
ومن أهم مؤشرات الحداثة المشاركة في عملية تحديد البدائل السياسية وتزايد مقدرة الدول على التعامل مع الجماهير.
الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث يتسم بالانتقال من استخدام التكنولوجيا البسيطة إلى الإفادة المتزايدة من المعرفة العلمية والتكنولوجيا، ومع الحداثة يصل المجتمع إلى درجة من النمو الاقتصادي المدفوع دفعا ذاتيا يكفي لزيادة الإنتاج والاستهلاك بشكل دائم بحيث ينتظم لتحقيق المزيد.
وفي المجال الاجتماعي تعمل الحداثة على تصفية المؤسسات الوسيطة (الأسرة- القبيلة- القرية) والوحدات الاجتماعية الصغيرة، وتدمر بالتالي العلاقات مباشرة والعلاقات المبنية على العلاقات الحميمة والأفعال التضامنية المباشرة، وأيضا فإن زيادة معدلات التعليم ومحو الأمية هي أحدث المؤشرات على التحديث.

والواقع أن النصف الثاني من القرن العشرين نقلنا إلى ما بعد الحداثة، فأخذ القطاع الحديث ينمو سريعا، ويتمثل باستقطابه لغالبية الأيدي العاملة في المجال التقني، وتميز المجتمع الجديد بانخفاض أسبوع العمل الذي بات نصف ما كان عليه مع بدايات الثورة الصناعية، وازدياد أهمية التعليم.
ومن أبرز عوامل التقدم التكنولوجي تقنيات الاتصال الجماهيري الهائلة والمتنوعة التي تضخ بلا انقطاع الأفكار الجديدة والصور والأحاسيس.
إن تفكيك الحداثة يبين تغيرات سلبية متزايدة، منها المركزية وتنميط المواطنين وإخضاعهم لعمليات التوجيه السياسي والتخطيط الاقتصادي، ويترافق معه ضمور الحس الخلقي والإحساس بالمسؤولية الشخصية.
وتسعى حركة ما بعد الحداثة إلى تحطيم السلطة القاهرة للأنساق الفكرية الكبرى المقامة على ادعاء القدرة في تفسير كلي للظواهر وإلغاء الفروق الحقيقية بين الأفراد والشعوب، ومقولاتها الرئيسة تنادي بإرساء مبدأ المعرفة، وعدم قبول تعميمات تنطبق على كل الثقافات.
أما في مجتمعاتنا فلا تزال الحرب دائرة بين أنصار الحداثة وأنصار التقليد، لذلك لا تستسيغ غالبية المثقفين العرب ما بعد الحداثة بحجة تعبيرها عن مجتمعات غربية وهواجس لم نصل إليها بعد.



الزوار الكرام
تنشر التعليقات المكتوبة باللغة العربية فقط


-






© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع