البدائل في مواجهة سياسة محاصرة الناصرة وخنقها(2)

العلمية والمهنية والقدرة على حماية مصالح البلد

كيف ولماذا فجّر رئيس البلدية جلسة التخطيط المستقبلي لمنطقة الناصرة حتى عام (2020)، وما الرابط بين "متروبلين حيفا" وبين الناصرة، وكيف تحولت قصة شارع الى سابع مستحيل. حكاية من حكايات الف ليلة وليلة!

كثيرة هي النصوص التي قلنا فيها، في مناسبات مختلفة، انه لو كانت الناصرة موجودة في دولة اخرى، لكانت قد حظيت بدعم حكومي بما يتلاءم مع اهميتها التاريخية ومكانتها المحلية والعالمية، ولكان شكل التعامل معها مختلفا تماما باتجاه الاهتمام من السلطة المركزية على تطويرها وتقدمها وازدهارها.
الناصرة هي احدى المدن السياحية الاكثر اهمية في البلاد. وتفيد المعطيات الرسمية ان 65 في المئة من السياحة العالمية الوافدة الى البلاد تزور مدينة الناصرة. هذه النسبة ليست مجرد رقم، انما كان من المفترض ان تشكل، في وضع طبيعي، حافزا لاعطاء اولوية من السلطة المركزية لتطوير المدينة وتقديم الدعم المطلوب لذلك.
لكن الوضع الذي نعيش فيه ليس وضعا طبيعيا، وبالتالي فان التعامل الحكومي مع الناصرة هو تعامل غير طبيعي. ونقصد، تحديدا، سياسة حكومية موجهة ضد الناصرة تعتمد التمييز على اساس قومي، الذي لا ينعكس فقط في حرمان المدينة من ميزانيات ومبادرات مركزية، انما ايضا، وجنبا الى جنب، في ممارسة سياسة خنق وحصار تستهدف ارهاق البلد واغراقه في متاعب ومشاكل وهموم، اقتصادية واجتماعية، مبرمج لها مسبقا.

اضعاف اقتصاد الناصرة بقرار حكومي!

لا مكان للصدفة هنا. كل شيء مخطط له مسبقا، وبدقة. فالناصرة كانت منذ القدم، على ايام الفترة العثمانية ومن ثم الانتداب البريطاني، مدينة لوائية مركزية تقدم خدمات لكل المنطقة. لكن مع قرار اقامة نتسيرت عيليت، تحت شعار تهويد الجليل واحداث التوازن الدمغرافي بين العرب واليهود لجعل العرب اقلية في منطقة تتميز بالاكتظاظ السكاني العربي، بدأ تنفيذ المخطط الحكومي الرسمي، من قبل المؤسسة الاسرائيلية، باضعاف الناصرة ومحاولة توجيه الضربات لها من اجل شلّها ونقل مركز الثقل الى نتسيرت عيليت.
ليس صدفة تفريغ الناصرة من المكاتب والمؤسسات الحكومية ونقلها الى نتسيرت عيليت. فهذا قرار حكومي اتخذ في اعقاب اقامة نتسيرت عيليت. ونقل المكاتب والمؤسسات لا يعني فقط محاولة اضعاف المكانة اللوائية للناصرة، بل ايضا ضرب اقتصاد البلد والبلدية، وتشديد الحصار الاقتصادي على البلد والبلدية.

نسارع فنوضح:

ان الوف الوافدين الى المكاتب الحكومية ودار المحاكم وغيرها من المؤسسات هم ايضا قوة شرائية بشرية، وقوة لتشغيل البلد وتحريك اقتصاده ابتداء بالمحلات التجارية والدكاكين وانتهاء بالباصات والتاكسيات.
اذن، المسألة تتجاوز، في اسقاطاتها السلبية، اجراء نقل مكتب او مؤسسة. هذا الموضوع ليس امرا عاديا او اجراءً روتينياً. انه يتأسس في مرتكز السياسة التي تقصد الخنق والحصار. فبالاضافة الى اضعاف اقتصد البلد واهله، يجري ايضا اضعاف اقتصاد البلدية من خلال تقليص المدخولات من "الارنونا" على المكاتب والمؤسسات الحكومية ودار المحاكم، وهي تعتبر بملايين الشواقل سنويا، بات من الواضح ان بلدية الناصرة لم تعد تستفيد منها بسبب هذا النقل المبرمج. وهذه الملايين، بطبيعة الحال، كانت من المفترض ان تترجم الى مشاريع وخدمات في المدينة.

واقع شديد التعقيد

نحن امام واقع معطياته شديدة التعقيد والصعوبة. فالعراقيل التي تواجهها البلدية هي عراقيل جدية تفوق كل تصور. رئيس البلدية يعمل في مواجهة سلطة مركزية تتعامل مع الناصرة ليس من منطلق انها ليست في سلم اولوياتها، انما الناصرة مشطوبة من الاولويات الحكومية بالمطلق. وهذا الامر يستدعي، بالضرورة، عملا مضاعفا وجهدا استثنائيا، لوضع الناصرة، قضاياها وهمومها ومطالبها وحقوقها، على جدول اعمال الحكومة ومتخذي القرار.
عندما اتخذت الحكومة، قبل عامين تقريبا، قرارا بتحديد مناطق الافضلية ، تبين ان الناصرة غير مشمولة في القرار. وكان من الممكن ان تبقى خارج القرار لو لم تقم البلدية بفحص الموضوع وملاحقته حتى النهاية. فقد قام رئيس البلدية، السيد رامز جرايسي، باجراء فحص حول المقاييس التي بموجبها تم اتخاذ القرار وتحديد مناطق الافضلية. واظهر الفحص ان الناصرة تستجيب لهذه المقاييس، الامر الذي يعني وجوب شملها في مناطق الافضلية. فقدم اعتراضا رسميا. وكان في نيته التوجه الى المحكمة العليا لالزام الحكومة بضم الناصرة الى القرار في حال رفض اعتراضه. واشار الى نيته هذه في اكثر من اتصال مع الدوائر المسؤولة. وفي النهاية اضطرت الحكومة الى تغيير قرارها وادخال الناصرة في مناطق الافضلية في الاسكان والصناعة، في حين ما زلنا نعمل على ادخال التعليم في مناطق الافضلية.
مناطق الافضلية هذه تترجم على شكل مساعدات ومنح مالية تقدم لعموم المواطنين، وبالمقابل تعطي تشجيعا للمبادرين والمستثمرين للاستثمار في الناصرة واقامة المشاريع فيها.
لقد توجهت البلدية الى المحكمة العليا في اكثر من قضية تتعلق بالتمييز في الميزانيات والهبات والاراضي. وهناك قضايا ما زالت في اروقة المحكمة. والملفت للانتباه ان رئيس بلدية الناصرة لا يتوجه الى المحكمة ممثلا عن الناصرة فحسب، انما عن مجمل السلطات المحلية العربية، ذلك ان حججه ومعطياته التي يذهب بها الى قضاة العليا تسري ايضا على السلطات المحلية العربية التي تعاني ذات التمييز. من هنا الدور الطليعي القيادي لبلدية الناصرة في مجمل قضايانا وهمومنا كجماهير عربية.

قصة شارع

الناصرة ليست مجرد مدينة عربية اخرى. هي عاصمة الجماهير العربية في اسرائيل، ومركزها السياسي والثقافي والاقتصادي. وعلى هذا النحو تتعامل البلدية وتتصرف. لكن يجب ان نعرف ايضا ان السلطة المركزية تتعامل مع الناصرة وتتصرف بشكل ليس فقط يتناقض مع هذا التعريف، انما يعمل على الغائه من القاموس نهائيا.
نعطي مثالا، قد يكون اغلب المواطنين غير منتبهين له، يتعلق بفتحة الشارع الذي يربط الناصرة بدار المحاكم الجديدة (طلعة دار مسمار). لهذا الشارع حكاية هي اشبه بحكايات الف ليلة وليلة. فبلدية الناصرة طالبت بفتح الشارع منذ سنوات طويلة مضت. وفي كل مرة كان الرفض الحكومي هو سيد الموقف. ونحن نعرف لماذا كان الموقف دائما الرفض، ذلك ان القصد هو عدم اعطاء اية فتحة تربط الناصرة مع دار المحاكم الجديدة ومع مجمع المكاتب الحكومية.
لننتبه الى الحالة التي كان من المفترض ان تكون بدون هذه الفتحة. فمن يحضر الى دار المحاكم او المكاتب الحكومية سيبقى في نتسيرت عيليت. ولن يدخل الناصرة، لان امكانية التواصل بين هذه المنطقة وبين قلب المدينة هي امكانية شاقة، في عصر السرعة الذي نعيش فيه. وبهذا تخسر البلد قوة شرائية كامنة في الالوف التي تتوافد الى دار المحاكم والمكاتب الحكومية يوميا. والرابح هي نتسيرت عيليت بطبيعة الحال.
هذا هو المخطط اصلا. وقد انتبه له رئيس البلدية. لذلك قام باعداد تخطيط بديل يقاوم هذه المحاولات التي تقصد توجيه ضربة اضافية لاقتصاد البلد، بالاضافة الى نقل المكاتب والمؤسسات الحكومية ودار المحاكم الى نتسيرت عيليت. وأصر على فتح الشارع، وهو شارع كان قائما اصلا، ولا يوجد اي منطق يمنع تطويره وتوسيعه سوى منطق واحد هو محاصرة الناصرة.
عندما نجحنا في فتح الشارع، بعد معاناة طويلة امتدت على سنوات من الاتصالات والضغوط وتكرار طرح الموضوع، في كل جلسة وكل مناسبة، وتجاوز العراقيل الموضوعة واحدة تلو الاخرى، اصبح الوضع مختلفا. فالمسافة بين مجمع المكاتب الحكومية ودار المحاكم الى قلب الناصرة لا تتعدى الدقيقتين في المواصلات. وهكذا تحقق ضمان عدم هروب القوة الشرائية التي يمثلها الوافدون الى المنطقة المذكورة حتى تستفيد منها الناصرة، لان الشارع الجديد يقوم بمهمة التسهيل للقدوم الى الناصرة.
هذا هو الواقع دون رتوش. شارع رفضوا فتحه سنوات طويلة. شارع عملوا كل شيء لمنع البلدية من تنفيذه. الى هذا الحد يصل مخطط محاصرة الناصرة. وامام هذا الواقع لا تقف البلدية مكتوفة الايدي، كأن لا حول ولا قوة. وبمقابل مواجهتنا مع السلطة المركزية في محاولة لايقاف الغبن ضد الناصرة، هناك مبادرات لخلق واقع جديد يراد له اعطاء اجوبة على سياسة اضعاف مركز الناصرة منطقيا.

المواجهة، بعلمية ومهنية

لقد نقلوا المكاتب والمؤسسات الحكومية من الناصرة الى نتسيرت عيليت. هذا الواقع. ونقلوا دار المحاكم الى نتسيرت عيليت. وهذا الواقع. واقاموا منطقة صناعية كبيرة تمتد على ثمانية آلاف دونم تابعة لنتسيرت عيليت. وهذا الواقع. واعطوا نتسيرت عيليت كل الامتيازات والافضليات لتشجيع الاستثمار واقامة المشاريع. وهذا الواقع ايضا.
والمسألة الاخيرة هي قضية بحد ذاتها، ذات اهمية قصوى. فلماذا، مثلا، يحضر مستثمر الى الناصرة ليقيم مشروعا فيها ما دام المشروع ذاته، بنفس المواصفات، يكلفه اقل بكثير في نتسيرت عيليت، ليس فقط بسبب مناطق الافضلية وما تعكسه من مساعدات حكومية وهبات، انما ايضا بسبب سعر الارض، الذي هو ارخص في نتسيرت عيليت التي يساوي مسطحها حوالي 42 الف دونم، بينما مسطح الناصرة 14 الفا و(200) دونم فقط، وبالتالي فان قلة احتياط مساحات الاراضي في الناصرة يرفع سعر الارض بشكل جنوني؟.
المهمة الأولى الآن هي توسيع مسطح مدينة الناصرة بحوالي بآلاف الدونمات، وبشكل فوري، حتى تتمكن المدينة من الاستجابة لمتطلبات التزايد السكاني الطبيعي. فماذا اعطتنا الحكومة بدلا من ذلك في اطار التخطيط الهيكلي لكل المنطقة حتى عام (2020)؟. اعطتنا حلا هو بمثابة الترانسفير بعينه. لم تطرح علينا توسيع مسطح الناصرة، انما نقل السكان الى خارج الناصرة، لتبقى الناصرة في ذات المساحة من منطقة النفوذ.
المعطيات تؤكد ان عدد سكان الناصرة حتى عام (2020) سيكون حوالي 100 الف نسمة. وهذا التزايد السكاني الطبيعي بحاجة الى تخطيط من اليوم من حيث الاحتياجات في كافة المجالات: التعليم والثقافة والشباب والصناعة والاسكان واماكن العمل والخدمات الاجتماعية والرياضة والنظافة والنوادي والمراكز الجماهيرية والاحياء. وكل شيء في هذا الموضوع مرتبط بالارض. فلا يمكن اقامة مشاريع اسكانية في السماء، او منطقة صناعية في الفضاء.
لقد حارب رئيس البلدية، السيد رامز جرايسي، هذا التخطيط بكل شدة. وحتى انه قام بتفجير الجلسة الاخيرة، التي عقدت قبل عام تقريبا في مكاتب اللواء لوزارة الداخلية، واعلن عن رفضه لهذا التخطيط الذي يتجاهل الناصرة كليا ويحجب عنها اية امكانية للتطور. ونجح في وقف هذا التخطيط الذي كان من الممكن ان يحوّل الناصرة مع مرور السنوات الى "سجن كبير" محاصر من كل الجهات.
هذا الانجاز لوحده كاف للتدليل على ان من يواجه المخططات المرسومة مسبقا، متسلحا بالمعطيات والدراسات والابحاث العلمية والمهنية، وبالحجج الواقعية التي تفضح المخفي وتعريه على الملأ، يستطيع ان يحقق انجازات ويستطيع ان يفرض قضايا الناصرة واهلها على جدول اعمال متخذي القرار.
والمسألة لم تتوقف هنا. بل قام رئيس البلدية باجراء دراسة على تخطيط "متروبلين حيفا"، وهو تخطيط استراتيجي لاقامة حيفا الكبرى. وتبين له ان الناصرة في هذا التخطيط مهمشة تماما، وفي حال تمرير التخطيط كما هو، سيزداد الحصار عليها. فذهب الى هناك وقدم مداخلات ومعطيات ومطالب، كانت غير موجودة نهائيا، واستطاع ان يقنع بها، فاعطيت للناصرة بعد هذا العمل العلمي المهني مكانة مركزية في "متروبلين حيفا"، من خلال ربط الناصرة بشبكة المواصلات المخطط لها وربطها بسكة الحديد، والتعامل مع الناصرة ضمن هذا التخطيط كمركز ثقافي عربي في المنطقة، وتأكيد كونها المركز السياحي الاهم في كل المنطقة، بالاضافة الى التأكيد على احتياجات توسع الناصرة من ناحية منطقة النفوذ.
هذا عمل يفوق اي تصور في اهميته. فبموجب تخطيطات من هذا النوع يجري تطوير المنطقة. ولولا يقظة رئيس البلدية ومهنيته ومعرفته بهذه القضايا معرفة دقيقة، لضاعت الناصرة في هذا التخطيط وبقيت مهمشة.
الى جانب كل ذلك هناك مبادرات لمواجهة سياسة اضعاف مكانة الناصرة المركزية، منها اقامة الدفيئة التكنولوجية لتشجيع وتطوير مبادرات في المجال التكنولوجي، وهي دفيئة باشرت بالعمل في الناصرة، وكذلك التخطيط لاقامة منطقة صناعية للهايتك، وحدائق صناعية واقامة اوديتوريوم وبيت للموسيقى وكلية اكاديمية ومنطقة صناعية جديدة ومكتبة عامة كبرى ومشغل محمي للمعاقين (سيفتتح قريبا) ومدرسة للطلاب التوحيديين، يضاف اليها مركز العلوم والفنون الذي بوشر العمل به، وهو مركز يقدم خدمات منطقية.
هذه ليست مشاريع عمرانية فحسب. فهي مشاريع نوعية، تقدم خدمة نوعية، وبالمقابل تشكل قوة بشرية شرائية لتقوية اقتصاد البلد. وهي مشاريع تقدم خدمات منطقية وستجذب الوف الوافدين الى الناصرة يوميا، وهي وغيرها ستكون جزءاً من ردنا على محاولات تفريغ الناصرة من المكاتب والمؤسسات الحكومية وبالتالي منع الوف الوافدين اليها من القدوم الى الناصرة.


(يتبع)
 

عودة لصفحة مقالات
((
البدائل في مواجهة سياسة محاصرة الناصرة وخنقها))


بقلم: رمزي حكيم


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع