لسنا رجال دين ...
ألناصرة الحقيقية التي أحب أن أتذكرها دائما!

حول كتاب ""ألحجارة الحيّة- ألمسيحيون العرب في الديار المقدسة"". تأليف: المهندس فؤاد فرح

أيها الإخوة.. أسعدتم مساء،
أود بدءا أن أقدم عميق شكري لأخي وصديقي الأستاذ خالد علي زعبي. وذلك لسببين:
ألأول: لأنه كان المخطط والمبرمج الرئيسي لهذه الأمسيّة الثقافية الهامة. فهذا الرجل لم يأل جهدا وحرثا وتحضيرا واستشارة وتنسيقا وإخلاصا.. لكي يبلغ الرسالة! ورأى في العمل الميداني شرفا.. فكان يتنقل من مكان إلى مكان ومن مكتب إلى مطبعة إلى ناد ثقافي.. ويجري الاتصالات الشخصية والهاتفية الماراتونية.. وكان ساعي بريد يوصل الرسالة شخصيا.. وذلك بهمة شاب في العشرين.. من أجل أن يخرج هذه الندوة إلى حيز التنفيذ وعلى أفضل وجه. لقد كانت ضربة معلم..يستحق عليها الشكر والتقدير. فكل الاحترام!
أما السبب الثاني: فلأنه أتاح لي الفرصة للقاء الأحبة والأهل والأصدقاء الذين لم أرهم منذ فترة طويلة.. في هذه المدينة الأصيلة النبيلة. ففي هذه المدينة نشأت.. ومن مناهلها غرفت.. وعلى أيدي معلمين أجلاء وأكفاء تعلمت.. ومن عين عذرائها الأولى شربت.. ومن الفكر المدافع عن كرامة الإنسان تشربت..وعندما انتقلت إلى عروس الكرمل.. تأثرت..
وكان الجرح عميقا..
وكم أحن إلى تلك الأيام التي كان فيها الخطاب القومي سيد الموقف ويعلو فوق كل خطاب.
فأهل الناصرة.. عائلة واحدة.. يجلسون حول صحن واحد.. فرح واحد وحزن واحد وهم واحد وحلم واحد.
ينامون على خير.. ويصبحون على خير..
في هذه القرية الكبيرة التي تطمح أن تكون مدينة.. فرحنا معا.. وبكينا معا.. وعيّدنا معا.. وسحجنا معا..
إسألوا سوق الروم واسألوا طيب الذكر أسعد كردوش!
فيها تعمدنا بالمد القومي في فترة الحكم العسكري.. وفيها أحببنا عبد الناصر.. وأنشدنا الشعرالقومي.. وطربنا للأغاني الوطنية.
هذه هي الناصرة التي عرفتها والتي ربتنا على الخير والعطاء والمحبة والتضحيات والأثرة والعزة والكبرياء.. وجميع القيم الإنسانية الشاهقة.
هذه هي الناصرة الحقيقية التي أحب أن أتذكرها دائما.. وأحب لها أن تظل محفورة في القلب والوجدان.. هذه هي زينة العواصم!
ورغم أربعين عاما من البعد الجغرافي.. فقد بقيت هذه المدينة تنتمي إليّ فأنتمي إليها.. وبقيت وطنا يسكنني.. وأحملها في قلبي أنى ذهبت!
هذه ناصرتي الطيبة التي أعتز بالانتماء إليها.
 بناسها الطيبين تظل حجر الزاوية.. وتظل قلعة ومقلعا للحجارة الحية.
أما المدينة التي تغطي سماءها غيوم الجاهلية الحديثة.. فأنا لا أعرفها.. ولا أريد أن أعرفها..
إنها ليست مدينتي!

* نبحث عن المشترك

هذا المساء لن نفتح ملف المسائل اللاهوتية والفقهية والغيبية والعقائدية والماورائية والفلسفية. وهي أمور قائمة لدى جميع الديانات السماوية. وكل ديانة لها متاهاتها وتشعباتها واجتهاداتها المختلفة وحتى المتناقضة. لن نخوض في هذه المتاهات والغابات والأدغال الدينية وهي خارجة عن سياق هذه الأمسية. ونتركها لآخرين متخصصين وقفوا حياتهم عليها.. وهم، في هذا المجال، أطول منا باعا وأعلى منا كعبا.
فنحن لسنا رجال دين ولا نتباهى بانتماءاتنا الطائفية.. وفي الوقت نفسه، لا ننتقص من الانتماءات الطائفية للآخرين!
نحن نحترم رجال الدين الأفاضل الأتقياء الأنقياء ذوي الأكف البيضاء الذين يدعون للخير ويعملون الخير ويخدمون شعبهم ويقفون ضد الظلم ويحافظون على الأرض والمقدسات والتراث التاريخي والحضاري لشعبهم.
نحترم الرجال الذين يحملون خطابا وطنيا إنسانيا يدعو إلى إعلاء شأن الإنسان العربي وحقه في حياة حرة كريمة في أرض آبائه وأجداده.
ومن حق كل إنسان أن يعتز بانتمائه، ومن واجبه الأخلاقي والإنساني أن يحترم انتماء الآخر.. دون استعلاء.. وعلى أساس من الاحترام المتبادل.
وخير هذه الدوائر الطائفية ما انسجم مع إنسانيتنا ووطنيتنا وارتقى بكرامتنا القومية خطوة إلى أمام.
فالتعددية الطائفية حقيقة تمشي على قدمين وهي أمر طبيعي. وشعبنا العربي يتسم بالتعددية الطائفية التي يجب أن تكون مصدر إثراء وإخصاب.. ويجب أن تكون مصدر قوة في بلورة هويتنا الثقافية، الاجتماعية، القومية والحضارية.
وعلى الضفة الأخرى.. نحن نبحث عن المشترك بين أبناء الشعب الواحد. المشترك الذي يطمح إلى الحياة الحلوة في هذه الظروف المرة!
نحن نبحث عن المشترك الذي يعزز الألفة والمودة والمحبة والاحترام المتبادل.. هذه الأقانيم التي تعزز هويتنا القومية وتقف سدا منيعا في وجه الوسواس الخناس الذي يقبع في الزوايا المظلمة.. ويتربص بأبناء شعبنا ويتحين الفرص لينقض علينا ويفرقنا أيدي سبأ.. وأيدي عرب!
نحن نطمح لأن نعيش حياة عادية، كباقي عباد الله، في هذه الظروف غير العادية!

* "ألمسلمون والمسيحيون والدروز".. ثلاثية العار!

والآن إلى كتاب "الحجارة الحية".
قد نتفق وفد نختلف مع المؤلف حول بعض الطروحات والتحليلات والاستنتاجات والتقييمات.
غير أننا نرى في بعض الفصول في هذا الكتاب شهادة دامغة وردا حاسما على الوسواس الخناس الذي يحاول أن يتسلل عبر ثقوب التعددية الطائفية للنيل من وحدة شعبنا الباقي في وطنه.. وإحداث شرخ في نسيجه الاجتماعي والقومي.
والتاريخ الحديث شاهد على العروة الوثقى التي تربط بين أبناء الشعب الواحد على مختلف انتماءاتهم الطائفية.. وتؤكد الترابط والتداخل والتلاحم.. تاريخا ولغة وتراثا ووطنا وحضارة.
فأبناء شعبنا من كل ألوان الطيف يشكلون كتلة قومية واحدة لا تتجزأ.. وأثبتت نفسها ماضيا وحاضرا..
وسأحاول أن لا أقع في فخ الخطاب الذي يبدع كل صباح مصطلحات ألسُنية جديدة.. ويستمتع بأن يرانا "مسلمين ومسيحيين ودروزا". فكم أنفر من هذه الثلاثية غير البريئة.. إنها ثلاثية العار! ولا يقل عارا عن هذه الثلاثية.. ثنائية "المسلمون والمسيحيون" وثنائية "العرب والمسيحيون"! وما تيسر من هذه الأبجديات المتهافتة الساقطة. ونحن على وعي تام "بالنوايا الطيبة" التي تختبئ وراء هذه الأبجدية الرسمية التي تروج عملة لغوية شفافة.. لا تخفى أهدافها إلا على الأغبياء. يطبخها لنا الآخر ويطمح لبيعها لنا وجعلنا "نؤمن" بها  لكي نغرسها في وعينا! غير أن حسابات السرايا أثبتت فشلها الذريع أمام حسابات القرايا! وما استعمالنا لها في هذا السياق إلا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات! ومن باب رد التحية بأحسن منها! ولكي نقول لمبدعيها: إن "المسلمين والمسيحيين والدروز" (والبدو!) شعب واحد.. وجسد واحد.. إذا اشتكى منه عضو انتشرت الشكوى لتعمّ جميع أرجاء هذا الجسم.
 ونظل عينا ساهرة! رغم الاستثناءات العابرة ورغم الغيوم "المارقة" المارقة... فدائما نجد من يغنون خارج السرب.. ويلجأون إلى جحر الأفعى متوهمين  خلاصا!
ولسنا طوباويين أو ساذجين لكي نغفل عن الطفيليات المتهافتة الساقطة أو التي تُسقط نفسها من دائرة الانتماء القومي وتختار العدمية القومية مذهبا  فتصبح بلا عمود فقري.. وبلا لون ولا مذاق! فدائما نجد من يتخندقون في دائرة الوهم ويتبرعون "بكرامتهم" الذاتية فيجعلون منها "سيارة أجرة" يمتطيها الآخر.. ويقودهم أو يرمي بهم  إلى حيث ألقت..! وهذا أمر طبيعي نجد نماذج منه لدى جميع الشعوب وفي جميع المراحل  التاريخية.

غير أن أبناء شعبنا من كل ألوان الطيف.. لعبوا ويلعبون دورا حاسما على الجبهة القومية والسياسية والاجتماعية والفكرية التي تهمنا..على خارطة هذه الوطن الجميل وخارطة الدنيا العربية الكبيرة التي تطمح في حياة حرة كريمة.
وتاريخنا العربي وتراثنا الثقافي والحضاري، ماضيا وحاضرا، يزخر بصفحات مشرقة ومواقف مشرفة.. نستطيع أن نتعلم منها دروسا وعبرا وقيما تمدنا بالقوة والطاقة في مواجهة عواصف الحاضر.. وتغذي معركتنا مع الراهن.. من أجل المستقبل الذي نريده أن يكون جميلا.

* ألأنبياء إخوة.. أمهاتهم شتى ودينهم واحد!

ولا بد من وقفة قصيرة مع بعض النماذج من هذه الصفحات المشرقة التي تضيء تاريخنا وتراثنا:
ففي القرآن العربي الكريم نقرأ الآيتين الكريمتين التاليتين:
" وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ( سورة الحجرات)
".. ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون". ( سورة المائدة)
إنها علامات بارزة تنتصب أمامنا قيما إنسانية شاهقة تحدو مسيرتنا ونسير على هديها وتبين لنا الحكمة من التعددية في المجتمع الإنساني.. وتؤكد على الموقف الذي يدعو إلى احترام الآخر.
وقد أدرك الرسول العربي (ص) بعبقريته كرجل المهمات الصعبة أهمية القاعدة الواحدة التي تستند إليها الديانات السماوية. فرفع راية أخوة الأنبياء الحميمية، وأطلق نداءه المشهور: الأنبياء إخوة.. أمهاتهم شتى ودينهم واحد.
وحث على أخوة المؤمنين من كل ألوان الطيف.. فكانت كلماته المضيئة التي تزخر بالقيم الإنسانية الخالدة: إنما المؤمنون إخوة. والناس سواسية كأسنان المشط. ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
وسجل في رأس تعاليمه الثورية براءته من التعصب والمتعصبين: ليس منا من دعا إلى عصبية.
وتزول المسافة بين الشعار والتطبيق.. بين الفكر والممارسة..فيقترن القول بالفعل.. ويكون زواج الرسول العربي (ص) من ماريا القبطية النصرانية!
وفي هذا أكثر من دلالة.. وفيه رسالة!

* مارون عبود.. "أبو محمد"!

ثم نقفز إلى القرن العشرين..
فتنتصب أمامنا أرزة لبنانية سامقة.. إنها مارون عبود.. "أبو محمد"!
في عام 1926 كان مارون عبود عملاقا يزلزل جبال الأرز في خطوة ثورية رائدة وغير مسبوقة!
لقد أنجب مولودا بكرا أسماه "محمدا".. وأصبح مارون عبود الماروني "أبا محمد".. ويكون ابنه "محمد مارون"!
 إن هذه الخطوة الجريئة في أجواء يخيم عليها شبح الطائفية الفجائعي..تدل على عظمة الفكر القومي لمارون عبود.. وتنطوي على أكثر من دلالة.. وفي ذلك رسالة!
ويومها خاطب طفله الجديد:
عشت يا ابني، عشت يا خير صبي ولدته أمه في رجب
فهتفنا: واسمه محمد        أيها التاريخ لا تستغرب
خفف الدهشة واخشع إن رَأيْ           تَ ابن مارون سميا للنبي
أمه ما ولدته مسلما    أومسيحيا.. ولكن عربي
والنبي القرشي المصطفى  آية الشرق وفخر العرب
إن حب الناس ديني وحيا  ة بلادي باتحاد أربي
وكتابي العدل ما بين الورى  في بلاد هي أم الكتب
                                     **         
وفي مرحلة تاريخية معينة مرت في سماء الأرز غيمة طائفية شيطانية عابرة.. فانطلق الشاعر القروي رشيد سليم خوري مناديا أبناء شعبه:
يا مسلمون ويا نصارى دينكم دين العروبة واحد لا اثنان
داء التعصب في بلادك دونه في الغرب داء السل والسرطان
ألحق سلطاني ولست بحاذر في الحق سلطانا سوى سلطاني


* "مطران العرب"..وخوري المسلمين!!

وفي هذه الأرض الطيبة.. في القرن الماضي.. تألق نجم المطران حجار.. ولم يكن مطران المسيحيين وحدهم! كان مطران المسلمين والمسيحيين..فقد ذاع صيته الذي سجله التاريخ في صفحات من ذهب.. وعرف بلقبه القومي "مطران العرب"..
وفي الموروث الشعبي الفلسطيني انتشرت أهزوجة شعبية يحدوها الشاعر الشعبي نوح إبراهيم.. في جميع القرى والمدن الفلسطينية.. "ألدين لله والوطن للجميع".. وكانت هذه الأهزوجة شعارا وطنيا قوميا يظلل جميع أبناء الشعب الواحد الذين تصدوا للعدو الواحد والذين يواجهون حاضرا واحدا ومصيرا واحدا!
وتروى الحكايا عن الخوري جبران..خوري البروة.. الذي كان خوري المسلمين والمسيحيين.. واسألوا البرناويين!

* ألرجال مواقف!

ثم نأتي إلى الواقع الساخن.. وإلى اللحظة الآنية..
قد يختلف أو يتفق البعض مع الطروحات الفكرية لبعض الحركات السياسية الإسلامية التي يربطها الكثير من القواسم المشتركة مع الحركات والأحزاب السياسية العَلمانية الفاعلة لدى الإنسان العربي الباقي في وطنه..وهذا شيء طبيعي.. ويجب أن لا يفسد للود قضية بين أبناء شعب واحد يعاني حاضرا واحدا ويواجه سوطا عنصريا واحدا لا يميز بين مسلم أو مسيحي.. غير أن كلمة الحق يجب أن تقال: فقد لفتت انتباهي الدعوة التي نشرتها الصحف وفيها دعوة ونداء واستنفار لحملة شعبية تقوم بها جماهير المسلمين وباقي أبناء شعبنا لمساعدة إخوتنا وأبناء شعبنا العرب المسيحيين.. وترميم ما فعلته الأيدي الآثمة من خراب ودمار في قرية المغار. إنها خطوة في الاتجاه الصحيح!
وفي هذا سقوط للخطاب الطائفي!
وهذا غيض من فيض المآثر.. له أول ما له آخر!
وعلى ذلك.. فلا فضل لعربي على عربي.. إلا بالموقف الإنساني والرؤية الفكرية التقدمية.. ومدى مواجهته للقوى الرجعية التي لا تريد الخير لشعبنا!
ولا فضل لإنسان على إنسان إلا بالمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق واحترام إنسانية الغير.
ولا فضل لإنسان على إنسان إلا بالموقف.. الموقف من المسائل السياسية والاجتماعية والفكرية والقضايا الحياتية التي تهم حاضر شعبنا ومستقبل أجياله الصاعدة نحو المستقبل المشتهى!
ففي الأزمات.. وفي اللحظة الحرجة.. وفي المواقف الصعبة..تبرز المواقف ويبرز الرجال! وتبرز عظمتهم الإنسانية وشموخهم الحضاري.
 فالرجال مواقف!
ولا رجال بلا  مواقف!

* هؤلاء حملوا اللواء

أيها الإخوة
الحق الحق أقول لكم..
لم يخطر على بالي يوما ولم أفكر بالسؤال عن دائرة الانتماء الديني لجمال عبد الناصر وكمال جنبلاط ونزار قباني ومارسيل خليفة وفيروز وأم كلثوم وجورجي زيدان وهشام شرابي وإدوار سعيد..وغيرهم كثيرين..لا مجال لتعدادهم في هذا السياق. ففرسان القافلة منتشرون في خارطة الكون..
هي أسماء تحضرني وأسوقها مثالا لا حصرا. فجميع هؤلاء حملوا اللواء الوطني والقومي والحضاري والثقافي.. وساهموا كل من موقعه،لاجتراح الغد الأفضل.
وأنا على ثقة تامة أن مؤلف كتاب "الحجارة الحية" الأستاذ فؤاد فرح، يؤمن بهذا التوجه..غير أن الأوضاع المعقدة التي نعيشها والتي تحاول سلخ عضو من الجسد.. واستثناء فئة للاستئثار بها.. تملي علينا توجها استثنائيا للتأكيد على دائرة الانتماء الطائفي التي تشكل جزءا عضويا من دائرة الانتماء الوطني والقومي.. فالخطاب الذي يريدنا قبائل وأفخاذا وبطونا وعائلات وحمائل وحارات ودروزا وبدوا ومسلمين ومسيحيين!!.. نقول إن هذا الخطاب يرمي إلى رمينا في صحراء التيه.. ويصبو إلى تقطيع أوصالنا.. حتى يسهل على نفسه اختراقنا وطمس تاريخنا وهويتنا القومية..
ويصبح من الضروري، في هذا الظرف،  تأكيد الوجه العربي لأبناء شعبنا من العرب المسيحيين وجذورهم القومية والتاريخية ونضالهم على الجبهة الوطنية والقومية ودورهم في صياغة التاريخ العربي والتراث العربي والهوية القومية.
وهذا يتطلب منا ردا حازما وعلى درجة كبرى من الوعي والحذر!
وذلك حتى لا نقع في شرَك الردة الطائفية التي تؤدي إلى الانغلاق الطائفي. وهو أمر  لا تحمد عقباه وطنيا وقوميا وسياسيا!
ولا بأس من هذا المنطلق أن نلفت انتباه الوسواس الخناس أن أبناء شعبنا من العرب المسيحيين مع إخوتهم العرب المسلمين يشكلون جسدا واحدا وكلا واحدا لا يتجزأ من الشعب العربي.. لهم وجههم العربي الأصيل ولهم جذورهم التي تمتد عميقا في رحم الأرض والتاريخ والحضارة العربية.
ولا بأس أن نذكر الذين يحاولون استثناء هذه الفئة الغالية من أبناء شعبنا من دائرة الانتماء الوطني والقومي.. لا بأس أن نذكرهم برجال رجال.. لعبوا دورا رائدا ومميزا دفاعا عن الهوية الوطنية والقومية والإنسانية.
فجورج أنطونيوس وأنطون سعادة وميشيل عفلق وقسطنطين زريق وجورج حبش ونايف حواتمة وجول جمال ونجيب نصار وفؤاد نصار والمطران يوسف ريا والأرشمندريت عطا الله حنا  وتوفيق طوبي وإميل توما وإميل حبيبي وحنا نقارة وصليبا خميس ومارسيل خليفة وإدوار سعيد وجورج حاوي.. والقائمة حدودها السماء!
جميع هؤلاء حملوا الراية القومية وانخرطوا في مسيرة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي تطمح في حياة حرة كريمة كباقي شعوب الدنيا.
وأخيرا.. ورغم الغيوم العابرة التي تغطي سماءنا أحيانا.. وسرعان ما تزول..
ورغم كل شيء.. فنحن متفائلون..
إن شعبنا شعب طيب وأصيل.. ونحن نؤمن بأننا معا قادرون على اجتراح حياة جميلة في هذه الوطن الجميل..
من أجل انتمائنا للقيم الإنسانية
ومن أجل أولادنا وأحفادنا..
 ومن أجل مستقبل شعبنا الذي نريده أن يعيش حياة سعيدة وشريفة وكريمة.. نلتقي هذا المساء.
ذات يوم قال الكاتب الفلسطيني ماجد أبو شرار. موجها كلامه إلينا.. إلى المغروسين في وطنهم: أنتم خير من في هذه الأمة. فهل نكون عند حسن ظن إخوتنا بنا؟ أملي كبير.. أملي كبير.. وشكرا!

( ألناصرة- مركز العلوم والفنون- كلمة الكاتب في الندوة الثقافية حول كتاب "ألحجارة الحية- دور المسيحيين العرب في الديار المقدسة"، 13-7-2005).

فتحي فوراني *
السبت 30/7/2005


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع